التغيير : قرشي عوض

المطلوبات التي حددها اجتماع المجلس المركزي لحزب المؤتمر السوداني الذي عقد مؤخراً بالخرطوم،   لدخول انتخابات 2020 مثل ايقاف الحرب ، الحريات ، تعديل قانون الانتخابات، وانشاء مفوضية مستقلة لها، اعتبرها البعض  بمثابة تخلي عن مقاومة الانقاذ والقبول بالتسوية، بينما نظر اليها اخرون كعملية تغيير في التكتيك السياسي تمليه ضرورات موضوعية على رأسها ضعف المعارضة وتشتتها.

وفي اتصال هاتفي لـ(التغيير الالكترونية) معه قال القيادي محمد زين احد المؤسسين للحزب والذي تقدم باستقالته منذ زمن بسبب التقارب مع حزب الامة والنظام، وهى اسئلة كان قد تقدم بها لاجتماع المجلس المركزي لكنها لم تناقش، ان الخطوة  وسابقتها والمتمثلة في قبول الحل التفاوضي وفق خارطة الطريق تعتبران تخلي عن المنطلقات النظرية لحزب المؤتمر الوطني الذي تكون في عام  1986. واضاف بان ( الحزب لم يعد يمثل تاريخنا)، المتمثل في رفض مكتبه السياسي في وقت سابق  دخول انتخابات عام 1986 لاشتعال حرب الجنوب  وقتها، وقصر الفترة الانتقالية، مما يضع جغرافية معينة خارج العملية الانتخابية، رغم انه اعطانا الحق في التصويت لمن نشاء من قوى الانتفاضة فعملنا في دائرة الصحافة واسقطنا الترابي، وكان الفارق عبارة عن الفين صوت.  في حين ان حزب المؤتمر السوداني مجمل ما ناله من اصوات في انتخابات 2010 كان 20 الف صوت، تركز معظمها  في مناطق النهود وما حولها لتأثير ابراهيم الشيخ، لكن في غيرها  مثل ام درمان كسب  10 اصوات، وفي اخرى صفر. واضاف بان الحزب الحاكم الان جاهز ولا يمكن منازلته في اطار قوته، وانما الصحيح ان تدخل مجال اسقاطه،  وان المطالب التي تم طرحها تحققها الجماهير. وان الحزب بهذه الخطوة خسر الناحية الفكرية والسياسية والمتمثلة في خط الوسط الوطني، والذي نعتبره الخيار المعافى بين اليمين المتزمت ممثلاً في الطائفية والاخوان المسلمين والسلفيين، واليسار المتطرف الذي يشمل الشيوعيين والقوميين العرب، وانه يقوم على مفهوم القومية والثقافة الوطنية واستلهام التراث السوداني  في قيم الديمقراطية والمواطنة والحريات، رغم  ان لنا   علاقات محترمة مع افراد من الحزبين،  في حين قبلت القيادة الحالية بالصادق رئيساً لنداء السودان، مما يشير الى ان كل ذلك الاساس النظري قد الغي، واصبح الحزب اداة من ادوات حلف ياسر عرمان  وجناح الصادق المهدي، الذي يعتبر واحد من ادوات استقرار النظام بتنسيق مع المجتمع الدولي والاقليمي حتى انتخابات ،2020 ويحدث اقتسام للسلطة والثروة مع هذه المجموعات، كما حدث من قبل في اتفاقيات سابقة مثل نيفاشا وابوجا والقاهرة واسمرا،  وبالتالي تخلى الحزب عن المقاومة و اندرج في عملية التسوية   التي تعني  الدخول في مؤسسات السلطة والاعتراف بها واعطاؤها الشرعية السياسية والقانونية، لان الاسقاط يعني المقاومة. اما الدخول في الانتخابات فهو اختلاف  مع الحكومة، وليس النظام، ممثلاً في هيئاته وتشريعاته.

وكان المؤتمر  الوطني، وهو الاسم القديم لحزب المؤتمر السوداني،  قد رفض دخول انتخابات عام 1986 بسبب الحرب، والتي  تشتعل في الجنوب لمدة 16 سنة،  الى جانب جنوب كردفان والنيل الازرق، وان ثلث سكان السودان خارج العملية الانتخابية، وبالتالي فان رفع حالة الطواري سيكون تحصيل حاصل. وكان من الممكن ان يقولوا نرفض انتخابات 2020 ابتداءً وبدون شروط ،  لا يعني  طرحها غير   الجلوس للحوار، وهذا مربط الفرس.  وعليه صرح احمد بلال وزير الاعلام بقبولها،  على ان تكون اجندة لاجتماع مشترك ،  والسؤال هل يرفض الحزب ام يقبل ؟، والاجابة واحدة في  الحالتين،  اما الاستجابة،  وهذا يعني قطع الطريق امام الثورة السودانية وطعنة في ظهر الشعب السوداني الذي اعلن اللات الثلاثة،  لا حوار   لا تسوية    لا انتخابات ، وبالتالي يكون قد خرج من تيار المواجهة  واصبح جزء من عملية التسوية،   والخيار الثاني، اذا رفض  الجلوس للتفاوض حول اجندة هو الذي حددها، فان ذلك   يصبح تهريج  وعدم نضوج سياسي،  او تنفيذ لمخطط وقع فيه  بدون وعي،  وسقط في شرك قوى اخرى لها امكانيات  سياسية عالية و قدرة على التواصل  الاقليمي  والدولي،  لتهيئة المناخ لعمل اصلاحات داخلية تعقبها مصالحة  وطنية كما حدث في عام 1977  بين نظام نميري  والجبهة الوطنية  المتحدة بزعامة الصادق المهدي. من جانب اخر المطلوبات المتعلقة بمفوضية قومية للانتخابات ، قانون انتخابي ، اليات مراقبة،  وسجل انتخابي  كلها تسقط وفق المثل السوداني  (الفي يده القلم ما بكتب نفسه شقي)،  وهذا يعني  ان الحكومة لن تقوم باي اصلاحات تقدمها الى محاكمات  على الجرائم التي ارتكبتها  منذ عام 19989  وحتى الان.

في حين يرى بروفيسور  جلال مصطفى القيادي المستقيل عن الحزب، ان اللغة التي تم اعتمادها من قبل المجلس المركزي، يمكن قراتها من كل الاتجاهات،  لكن اذا تمت المشاركة في الانتخابات فسيحدث انقسام، لان  القاعدة ضدها، وان كانت تقف معها قلة مؤثرة في صنع القرار ولها نفوذ. ونبه الى ان الشروط، هي نفس التي رفعتها من قبل قوى الاجماع الوطني للحوار حول الفترة الانتقالية،  ولم تفي بها الحكومة، مما جعل الاحزاب التي دخلت حوار الوثبة بلا اثر يذكر.

لكن القيادي بقوى الاجماع الوطني امين سعد يرى  ان (السوداني)  سيعيد النظر في موقفه، موكداً  ثقته فيه، وقال انهم اذا خرجوا الى الشارع سيجدونه الى جانبهم، موضحاً بانهم طالبوا بتوفير نفس المطلوبات من اجل تفكيك النظام، ولم تتحقق، فما الجديد حتى تطرح من جديد؟.

واشار الصحفي عبد المنعم ابو ادريس مراسل وكالة الانباء الفرنسية، الى ان المؤتمر السوداني يعلم ان الحكومة لن تقبل  بشئ مما تقدم به لا نها غير راغبة،  فسعى الى موقف يحفظ ماء وجهه امام الشعب، وبسبب ما حدث من  صراع داخله،  فلجا الى خيارات اصلاً مجربة. وان ما تم مجرد تبديل في  المواقف دفعت اليه تحولات سياسية، ابرزها الاوضاع داخل المعارضة  التي تعاني من حالة ضعف،  سواء ان كانت المسلحة في جنوب النيل الازرق وجنوب كردفان التي تعاني من الانقسام  او في دارفور، و  التي تراجعت على الارض  بنسبة كبيرة للانشقاقات وسطها ولتغير  بعض الظروف الاقليمية والدولية المرتبطة بها، كما انها تعرضت لضربات كبيرة من قبل قوات الحكومة،  او المدنية التي تعيش حالة انهاك  ولا تستطيع ان تقوم بعمل سلمي بسبب القوانين والممارسات الحكومية، مما جعلها تعيش اوضاعاً غير طبيعية وخلق اشكالات في تواصلها مع الجماهير، ودفع بعض فصائلها الى تغيير اساليبها. وبحسب ابو ادريس اذا توفر جزء من الشروط التي طرحها (السوداني)، خاصة اذا سبقتها تسوية سياسية  في مناطق النزاعات ، عندها  فان احزاباً اخرى ربما  تشارك في الانتخابات.    

تعليقات الفيسبوك