سيف الدولة حمدناالله


في السابق، كان من سِمات جماعة الإخوان أن عضو الجماعة لا يرفض تكليف التنظيم ولو كان ثمن ذلك حياته، فقد كان “الكوز” في زمن ما قبل البترول يقبل التكليف بضرب أصدقائه وزملائه في الجامعة بالسيخ والسكاكين من أجل عيون التنظيم، وكان الكوز في الماضي يقبل الزواج من “الكوزة” التي يفرضها عليه التنظيم وهو لا يُطيق النظر في وجهها ثانيتين، وفكرة “الطاعة” في التنظيم هي التي كانت في السابق تجعل شخصاً مثل المرحوم المعتصم عبدالرحيم يقبل بالترقية التي حصل عليها بالمقلوب من وظيفة رئيس حكومة ولاية نهر النيل الذي كان يعمل تحت إمرته وزراء ووكلاء ولواءات شرطة وأمن .. إلخ، فأصبح وكيل وزارة بالتربية والتعليم وفوق رأسه يجلس وزير مركزي وثلاثة وزراء دولة.

كما أن الأصل في “الكوز” أنه كان وحتى وقت قريب يذبح الذبائح وينصُب الخيم ويستأجِر الكراسي لإستقبال المُهنئين بالمنصب، ثم ينخج بالبكاء إذا غادره، فما الذي تغيّر حتى أصبح عضو الجماعة يتمرّد على أمرائه في التنظيم ويعلن رفضه التكليف بالوظيفة في أعلى مستوياتها علناً وعبر الصحف ووسائل الإعلام؟ ما هذه “الجدعَنة” التي تجعل شخصاً مثل محمد حاتم سليمان يرفض تعليمات أكبر رأس في التنظيم والدولة ويرفض قبول تكليفه له بمنصب والي ولاية غرب كردفان حسبما أعلن في التغيير الحكومي الأخير، وحاتم هذا كان أقصى طموح بلغ خياله وقد تحقّق له هو أن يُصبِح مديراً لقناة تلفزيونية، وهي وظيفة يشغل مثلها بنجاح حسين خوجلي في أوقات فراغه إلى جانب أعماله الأخرى، وما السبب الذي جعل علي كرتي يرفض تعيينه في وظيفة حاكم على ولاية البحر الأحمر، وهو الآن ليس له صفة غير كونه تاجر سيخ وأسمنت وزوج سفيرة !!

برغم أن السبب المُعلن والظاهر في رفض كلٍ من كرتي وحاتم سليمان للمنصب المعروض عليهما، وهو إستِرخاص الوظيفة وإعتبارها أقلّ من المقام بعد النسائم التي ضربت كلٍ منهما في الوظائف تقلداها في السابق، الأول بالخارجية والثاني بولاية الخرطوم، مقارنة مع ظروف الحياة في الأقاليم والعيش في مدن مثل رِجل الفولة ومدينة وبورتسودان والأخيرة بلا ماء ولا كهرباء، وهذه الأسباب تتصل بشخص أصحابها، ذلك أن مثل هذه المناصب، هناك من “مظاليم” الكيزان وأتباعهم من لديه استعداد لأن يحبو على ركبتيه ليحصل عليها، ولكن، على وجه العموم، هناك أسباب جديّة خصمت من مقام الوظائف العليا مثل وظيفة مساعدي الرئيس والوزراء والولاة وجعلتها غير مرغوب فيها نوجزها في الآتي :

– في الماضي، كان السبب الرئيسي الذي يُغري عضو الجماعة لشغل المناصب العليا والقيادية هو تحقيق الثراء من وراء الوظيفة، فقد جاء على البلاد وقت في عهد الإنقاذ أصبح فيه جهاز الدولة لا السوق هو الذي يُحقق الثراء، فالطريق للثروة يبدأ وينتهي بتأشيرة قلم من مسئول بترسية عطاء أو إسناد مقاولة، أو بالحصول على قطعة أرض سكنية في منطقة فاخرة أو على النيل في المطرح الذي صودِرت منه كمائن الطوب، فليس صحيحاً أن الوزراء والأكابر يحصدون الثروات التي تراها عليهم من الراتب الشهري أوعوائد بدلات السفر والضيافة ..إلخ، فهذه ملاليم لا تكفي مصاريف الأولاد. ولكن كل هذا اصبح في ذمة التاريخ بعد إنفض سامر الثروة وأفرغ الكيزان الخزينة العامة وتقاسموا محتوياتها، ولم تعد هناك ساحة أو ميدان ليتم توزيعه كأراضي سكنية.

– كما أن وظائف الحكّام والوزارة فقدت هيبتها بعد أن تبوأها من أساؤوا إليها وعركوا بأنفها التراب، فقد جاءت الإنقاذ بذكور وإناث كان لهم دور في الهبوط بمستوى الوظيفة ومقامها، فقد عهدت بوظائف مساعدي رئيس الجمهورية لصبيان ومراهقين وعواطلية، كما عهدت بمناصب السفراء خارج الوطن لسماسرة وتجّار شنطة ومفترسين جنسيين (Sexual predators)، وأسندت الحقائب الوزارية لربّات منازل كُنّ قبل الوزارة مُتفرِّغات لتربية العيال، وجاء على الوزارة الزمن الذي أصبحت فيه المُمرِّضة وزيرة للكهرباء، والتمرجي وزيراً لرئاسة الجمهورية، واصبح لأكياس البلاستيك وزيراً في حجم الثور .

لو أن الرئيس البشير كان يقرأ ويتابع حديث الشارع والناس، لإستفاد من الأزمة الحالية وجعلها وسيلة خلاص لنفسه ونظامه وفي ضربة واحدة، فقد توقّع الناس أن ينتفض الرئيس على جماعته ويُطيح بالمدرسة التي جاءت بالعقول التي أنتجت الخراب والإستعاضة عنها بكوادر مهنية و تكنوقراط، كما توقّع الناس أن تنطلق حملة (حقيقية) للقبض على اللصوص الذين نهبوا خيرات البلاد وتقاسموها فيما بينهم، وأن يبدأ في ذلك البشير بنفسه، فيُعلِن عن تنازله عن ممتلكاته الشخصية التي إعترف بها وتبلغ في قيمتها بضعة ملايين من الدولارات، لأن الرئيس يعلم بأنه ليس هناك عقل يقبل حقيقة أنه إستطاع تكوين هذه الثروة من مدخرات معاشه الشهري وهو – المعاش – على الورق لا يزيد عن بضعة ألوف من الجنيهات. ثم يبدأ بالكبار بما في ذلك أهل بيته وأشقائه ليقتنع الشعب بأنه – هذه المرة – جاد وصادِق في إحداث التغيير.

كانت فرصة الرئيس البشير في أن يُعلِن – عبر التعديل الأخير – الإنقلاب على جماعته، وأن يُعلِن حل البرلمان العام ومجلس الولايات وبرلمانات الولايات والهيئات والمجالس والمفوضيات التي لا تُحصى ويرأسها عواطلية بدرجة وزير مثل هيئة الذكر والذاكرين ومسجّل التنظيمات السياسية … إلخ.

لقد جاء اليوم الذي رأى فيه النظام كيف أصبح فيه أبناؤه يهربون منه ويتبرأون من أفعاله وفشله. أما النتيجة التي إنتهى إليها الحزب من وراء التعديل الذي طرأ على تشكيل الحكومة، بإبقائه على الطاقم الإقتصادي وتغيير وزراء قطاعات لا شأن لها بالأزمة التي إستلزمت التعديل مثل وزراء الشباب والداخلية والعدل، فهذا دليل على أن النظام لا يعرف (أو أنه لا يريد أن يعرف) أين يوجد الثقب الذي يتسرّب منه الهواء، كما يكشف عن حقيقة أن الرئيس لا يفهم أن المركب يغرق .. يغرق !!

saifuldawlah@hotmail.com

 

 

تعليقات الفيسبوك