خالد فضل

  منظران ثبتا في ذاكرتي منذ سنوات طويلة , صورة منشورة على صفحات الصحف لحافلة اسرائيلية تنقل طالبات في عمر (التاشرات) صبايا بريئات كن في طريقهن إلى مدرستهن , تمّ تفجير الحافلة وتناثرت أعضاء أجسادهن فيما كان الرعب يسيطر على وجوه الناجيات منهن , إنّه عمل إرهابي من الطراز الأول دون شك , فقد أستهدف المقاومون الفلسطينيون من قبل ومن بعد عدة أهداف عسكرية وأمنية إسرائيلية وكانت تلك العمليات بالنسبة لي شخصيا عملا بطوليا مجيدا ولم أنظر إليه كعمل إرهابي قط , والفرق بائن بين المقاومة والإعتداء وليس هناك تبرير موضوعي لجعل المدنيين أهدافا عسكرية أو انتقاما لمقتل مدنيين آخرين , فمن أدراك إذ ربما  من بين هولاء المدنيين من يدافع عن قضيتك التي تزعم الدفاع عنها ؟ والمسلم السوي يقرآ آيات القرآن ويتدبرها ؛ لذلك يقوى إيمانه ويستقر فؤاده ويكتمل يقينه بما يعتقد , وعبارة واحدة في آية واحدة قد تغيّر تفكير من يتأمل ويعقل ويتفكر وغيرها من مترادفات (شغل العقل ) كثيرة الدوران بين آيات القرآن , ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) عبارة مفتاحية لكل من يحمل عبوة ناسفة ويتجه بها صوب مقهى أو مطار أومسرح أو دار للأوبرا.الصورة الأخرى لسيّدة نيجيرية تنتحب إثر فقدها لابنها في حادثة تفجير محطة مواصلات بوسط لندن , كانت تنتظر عودته وهي التي أوقفت حياتها من أجله بعد هروبها من وطنها ذاك المعطون في لجج الفساد والإستبداد في تلك الأوقات فوجدت في رحابة الديمقراطية العريقة وحضن حقوق الإنسان الوارف ما جعلها تحلم بالمستقبل لكن كانت يد الإرهاب أقرب ففجعت وتكلّمت لقنوات التلفاز بكل ما يحمله قلب الأم المكلومة في فلذة كبدها , لم أنس قسمات وجهها وحبيبات الدمع تسيل على الخدين وبحة النبرة النيجيرية العميقة في انجليزيتها الحزينة تلك . الإرهاب آفة العصر , الإرهابيون فيروس قتّال يفتك بالحياة الإنسانية , فهل تتم إبادتهم هم كذلك ؟

 أخبار الإسبوع الفائت في الخرطوم حملت نبأ مبادرة تبناها بعض الأفراد , ولعلهم بصدد توسيع دائرتها للمطالبة بإلغاء حكم الإعدام الصادر ضد عبدالرؤوف أبوزيد , وهو أحد المحكومين في حادثة إغتيال الدبلوماسي الأمريكي قرانفيل وسائقه السوداني عبدالرحمن فجر ليلة رأس السنة الميلادية قبل نحو عشر سنوات تقريبا , وقد قضت المحكمة بإعدام المجموعة التي ثبتت عليها التهمة , وفيما كان المحكومون ينتظرون تنفيذ الحكم جرت عملية غريبة أشبه بالحبكة الدرامية , هرب المنتظرون أو تمّ تهريبهم إلى خارج أسوار سجن كوبر العتيق , وسادت الدهشة أوساط عامة المواطنين , إذ كيف يهرب محكومون بجريمة بهذا الحجم والصيت الدولي والإعلامي من داخل زنازين السجن ؟  تفرقت السبل بتلك المجموعة , منهم من حملت الأخبار مصرعه في الصومال أو ليبيا وغيرها , فيما أعيد عبدالرؤوف إلى محبسه مجددا في سجن كوبر منتظرا التنفيذ , لو سُئل شخص مسلم عادي في جُزر البهاما  أو ساحل هونج كونج عن صلته بهولاء القاتلين لما وجد إجابة يجيب بها , فلو قيل له إنّهم يدافعون عن الإسلام , أظنه سيتمتم باللغة التي يتحدثها ما ترجمته (على الشريط) أنا لا أعرف هذا الإسلام ! فعمّاذا يدافعون إذا , وفيما يتطرفون ! وتمتد المأساة ؛ فالسائق القتيل مسلم وسوداني كذلك , هذا إذا افترضنا جدلا أن قرانفيل (كافر ) حسبما يزعمون , رغم أنّه جاء للسودان ليعمل موظفا في المعونة الأمريكية لشعب من المسلمين وغير المسلمين جارت عليهم سنوات حكم (الإسلاميين ) الثقيلة الوطأة وجعلتهم بحاجة إلى المعونات , والنيل وكل خيرات الأرض هناك, ومع ذلك مع ذلك , في قول الراحل صلاح أحمد إبراهيم , والدة قرانفيل نُسب إليها أنّها لا تمانع في الصفح عن قاتل ابنها بشرط تقديمه لإعتذار عن جريمته وإعلانه التخلي عن الأفكار التي قادته لإرتكاب تلك الجريمة , شرطان موضوعيان بالفعل , فالإعتذار يعني الإقرار بالخطأ وتلك فضيلة حتى الإسلام يدعو لها , وفي آيات القرآن كثير من عبارات الدعوة (لشغل العقل ) التي ربما استلهمها مسلم عادي في ممبسا أو شعاب القوقاز دون الحاجة للإنتماء لمجموعة تمتهن القتل والتفجير وتجنّد وتغري طالبات جامعة مامون حميدة ! وتلك قصة أخرى إذ عادت اثنتان من الفتيات اللاتي كن قد التحقن بتنظيم داعش وأذيع خبر عودتهما الميمونة وتصدّر عناوين صحف الخرطوم في الأسابيع الفائتة , ولا أعلم إن كُنّ قد تبرأن من تلك المجازفة وعُدن إلى دعاش أُسرهن السودانية الوارفة الفضائل الإسلامية , لأن القرآن ملئ بالدعوة إلى شغل العقل , أمّا السيد عبدالرؤوف , فيعاني بصورة شخصية من ويلات التطرف , أنظر إلى ما نُشر مؤخرا عن استغاثة أسرته بالسلطات الأمنية لتخليص طفليه من وطأة التطرف , بعدما انفصلت عنه زوجته لتتزوج برجل آخر , إنّها شؤون أسرية خاصة  جعلتها وضعية ربّ الأسرة في مقام الشأن العام , ولا نملك سوى التاطف مع براءة طفلين يُراد لبرائتهما أن تُطمس , ولزوجة يسدل على وجهها ستار من الظلمات ولقلب أب ينفطر , وأسرة كريمة تتداعى وتستغيث , فيما قلب أم أمريكية يتسع متحاملا فوق الجراح , يطلب فقط العودة (للرشد) لقاتل فلذة كبدها فتأمل في المشهدين ! وقس بالعقل لا بالعضل , موازين التسامح عندما تسمو بالفرد فلا يؤذي أحدا ولا يسبب الأذى لشئ من موجودات الكون ناهيك عن البشر , والدنيا رمضان , شهر القرآن , وتأمل آياته يهدي من يعمل عقله .

  إنّ المتطرفين في تقديري أناس ذوي احتياجات خاصة , يحتاجون إلى تأهيل نفسي وفكري وانساني , ولن يتحقق لهم ذلك إلاّ في مناخ ديمقراطي وحريات عامة تحرسها دولة يحكمها القانون , يزدهر فيها المجتمع المدني وينشط فيها الحوار السياسي والفكري الرصين , فتسمو أوجه حياة الناس المادية إلى حد الرخاء , وحياتهم المعنوية إلى تخوم التسامح والمحبة والوئام وقوة وصدق الإيمان الروحي دون تطرف , الإيمان الصادق يزيح فواصل المعتقدات بجعلها تنويعات على سلّم واحد للترقي الروحي والوجداني للفرد فتغيب مفردة (كافر ) من قواميس الشحن والتعبئة الجوفاء , دعونا نحلم يمجتمع مثل هذا , وهو ما نرنو إليه لا  نجهل نواميس الراهن وشدة جبروته ولكننا كذلك لا نفقد الأمل في نهضة فكرية وثقافية وسياسية شاملة , أو قل ثورة عارمة تبني أفقا جديدا لحياة السودانيين وهو أمر حتمي الحدوث مهما تطاول الوقت وعبست الأقدار , ورمضان كريم

 

تعليقات الفيسبوك