محمد بدوي

في محاولة لقراءة المشهد السياسي السوداني وفرص التغيير أو  التسوية السياسية لأزمة الحكم  ، يقتضي قبل التعرض لذلك قراءة متأنية للحراك السياسي في المحيط الإقليمي و التأثير  العالمي المرتبط بالنفوذ  ، المراقب للأحداث  قد يتفق  علي أن العام العام 2010 م الذي شهد بداية الإحتجاجات بشمال إفريقيا ، تونس علي وجه الخصوص و إمتدادها لتشمل دول أخري من  في ذات المحيط بالإضافة إلي الشرق الاوسط و التي  عرفت إعلاميا و سياسيا  “بالربيع العربي  ” و هنا يجدر الا نغفل إمتداد نفوذ الربيع العربي الي إثيوبيا بالقرن الافريقي ، جاءت ردة فعل الحزب الحاكم بالسودان إذاء ذلك متمثلة في محمورين الاول اعلان الحوار الوطني (الوثبة ) في فبراير 2014 للسيطرة علي المشهد داخليا و الاخر الانحناء امام بعض دول المجتمع الدولي عبر  الانتقال في 2015 من معسكر ايران الي معسكر التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.

يهدف المقال الذي سينشر في ثلاث حلقات الي تناول التغيرات التي ارتبطت بالربيع العربي و العوامل التي اثرت في مسيرة ذلك سلبا أو ايجاباً دون أغفال لدور المجتمع الدولي المرتبط بصراع المصالح و النفوذ لذا سيخصص المقال الاول لماهية التغيرات التي شهدتها دول شمال و القرن الافريقي والشرق الاوسط ،أما  الثاني موقف المجتمع الدولي من التغيير في المنطقة في ظل صراع المصالح الدولية و الاخير لقراءة فرص التغيير في الواقع السوداني.

التطورات السياسية في شمال و القرن الإفريقي و الشرق الأوسط

التطورات السياسية  التي  شهدها إقليم (مينا)  الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلي جانب اثيوبيا  القرن الافريقي ،  مثل العام 2010م بداية إنطلاقتها  والتي عُرفت  علي نطاقٍ واسع، إعلامياُ وشعبياً، بالربيع العربي في إشارة للإحتجاجات التي هدفت  للتغيير السياسي و  التي  إنتظمت دول تونس، مصر ، ليبيا، اليمن، سوريا، البحرين و لاحقاً محاولات الشارع الإثيوبي الإحتجاجية في إمتداد للتجربة  الخطاب الاعلامي عمل علي تسميتها جميعا بالثورات، لكن يظل من الضروي في سياق التحليل السياسي التعرض لكل حالة علي ضوء تعريف الثورة و التمميز بينها و الانتفاضة حيث أجد  أن تعريف موسوعة علم الإجتماع  بأنها للثورة هي الانسب رغم تعدد التعريفات لشموله التعريف فالثورة هي : [1]”التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع ، تلك التغييرات التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهرياً وجوهرياً من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وإيديولوجية وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنيفة دموية، كما قد تكون سلمية، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجية،”،[2] أما تعريف الإنتفاضة  فهي حركة شعبية كبيرة يدفعها الغضب. و في الغالب تكون حركة شعبية موسعة لمقاومة نظام قمعي. أو إحتلال عسكري. ولكنها لا تنجح في عمل تغيير ملموس على عكس معني كلمة الثورة”.  مناقشة ذلك يؤدي للوصول إلي توصيفٍ أكثر دقة يتسق ومآلات الأحداث الراهنة.

الحالة التونسية :  بالنظر اليها نجدها الأقرب للإلتصاق بمفهوم الثورة  لأنها إستطاعت في اَخر المطاف أن تحدث تغييراً بجهودٍ وطنيةٍ أدت إلى تحقيق إستقرار سياسي ووضع بذرةٍ لملامح الدولة المدنية، تجدر الإشارة إلي أنها  كشفت عن تحولات إيجابية إستطاع فيها الشارع التونسي والأحزاب السياسية إدارة العملية السياسية في الفترة الإنتقالية والإنتباه إلي أن التسوية السياسية تتطلب جهداً سياسياً يبعدها عن السيطرة التي تكرس لايدلوجية الحزب الواحد  التي حاول فيها الاسلاميين السيطرة علي مفاصل السلطة  خطط لها لكي تمضي نحو تطبيق نموذج الدولة الدينية.

كما نحجت التجربة التوونسية رغم التحديات في الخروج من نفق  سوء إدارة الأزمات التي كانت يمكن أن تقود إلي إنهيار الدولة و لا سيما في توقيت مرحلة الفترة الانتقالية أو التحول بل تطور الأمر إلي بداية تطبيق لتجربة العدالة الإنتقالية التي تهدف إلي إرساء قواعد العدالة ، و اوكلت المهمة  لجسم لجسم مستقل تكون  15 عضوا  [3]، بالطبع صدر التفويض القانوني للهيئة (قانون) بينما ظلت المهمة الاساسية لها النظر في الإنتهاكات لحالة حقوق الإنسان التي تمت في الفترة من1955 الي 2013  [4]

 في الحالة المصرية  حدث تراجع سياسي بعد إسقاط نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك مما دفع بالحالة من كونها ثورة إلي إنتفاضة لسبب بسيط  ان ما حدث أنعكس في تغيير مؤقت دفع بالشعب المصري الي صنايق الانتخابات كمرحلة اولية في التغيير لكن خصوصية الحالة المصرية التي رزحت تحت وطاة الدكتاوريات لعقود طويلة مع الاعتبار للغياب الكبير لوجود حيوي لأحزاب المعارضة السياسية  ، الأمر الذي جعل الدرب سالكاً لتنظيم الأخوان المسلمين المصريين للسيطرة علي حصاد الإنتفاضة المصرية ووضعها في قالب أضيق مساحة وأقصر قامة من نضال الشعب المصري، عوامل اَخري ساهمت في ذلك أنه في عهد مبارك تمدد الأخوان المسلمين في الشارع المصري بعد القهر الممنهج الذي مورس ضدهم  فعملوا علي تنفيذ نسخة الدولة الدينية في الشارع المصري عبر إستخدام مفهوم (تديين الشارع) فنحجوا في وصم الشارع بالأسلمة الشكلية عبر الحجاب السياسي والتدين الشكلي، الأمر الذي نتج عنه تنصيب الرئيس السابق محمد مرسي عبر صناديق الإقتراع رئيساً لمصر، ليثور سؤال عن ماهية التغيير الذي رمت إليه الإرادة الشعبية المصرية؟  ما حدث هو  إستبدال لنظام ديكتاتوري بآخر يستند علي فلسفة الإسلام السياسي حيث إلغاء الآخر والحاكمية الإلهية الـأمر الذي جعل الحالة تُطابق الإنتفاضة ولا سيما أن من ضمن خصائص الإنتفاضة حالة الفوضي والإنتقام كما حدث مع أقسام الشرطة والاعتداء علي المحتجين سلمياً بميدان التحرير، إزاء ذلك المشهد سيطرت القوات المسلحة المصرية مرة أخري علي السلطة عبر الرئيس عبدالفتاح السيسي فأصبح الحال يُشير إلي أن الإنتفاضة  المصرية لم تُمهل  لتبلغ فطام الثورة   .

النموذج الليبي عبر هو الاخر عن حالة الانتفاضة حيث  خضع الشعب الليبي لنظام ديكتاتوري فصم عُري العلاقة بين مفاهيم المدنية والديمقراطية والشارع، بل  في سبيل السيطرة السياسية شجع الإنتماء العشائري الذي جاء خصماً على الهوية الوطنية ،سياسياً  الإشتراكية التي  إختزلها القذافي في الحصول علي الإحتياجات الأساسية عدا الحق في الممارسة السياسية سارعت بدفع الموارد إلي صلب التنافس بعد إسقاط نظام القذافي، فتراكمت الأسباب التي تقود إلي إنهيار متسارع للدولة  بذلك، لأن التنظير للإستقرار السياسي  لم يستصحب الحوجة لفترة إنتقالية يتم فيها إعادة الإعتبار للشعب الليبي وجبر الضرر وغيرها من القضايا، الأمر الذي جعلها مسرحاً للفوضي حيث انتقلت إليها أنشطة التنظيمات الدينية المتطرفة كمسرح ثاني بعد سوريا والعراق، أضف إلي ذلك شكلت الحالة الليبية نموذجاً لإقتصاد الحرب حيث إستغلال الموارد بطرقٍ مختلفة من قبل المجموعات المختلفة المسيطرة علي المناطق ذات الموارد و تحويلها إلي معبر للمهاجرين غير الشرعيين إلي اروبا في ظاهرةٍ لإنتشار الإتجار في اقتصاد الهجرة غير الشرعية الذي يتضمن تحت مظلته تجارة الأعضاء البشرية وحالات إنتهاكات لحالة حقوق الإنسان مثل الإعتقال من أجل طلب الفدية وظاهرة التعذيب.

أما  التجربة اليمينة  فهنالك عوامل خارجية تمثلت في تدخل المجتمع الدولي عبر التدخل لفرض نسخة تسوية سياسية توافقية في افتراض أن ذلك قد يجانب ما حدث في التجربة الليبية  ما شكل أس المشكلة هو ان التدخل الدولي قطع الطريق علي الانتفاضة اليمنية لتسير سيرا طبيعا وفقا لحركة نضالات الشعوب وادواتها التي تبدع دائما في خلق اللحظة التاريخية للتغير ، هذا التدخل شكل وصاية علي الارادة الشعبية التي كان يمكن للتعبير السلمي ان يحدث نقلة ايجابية في مجتمع  ذو تركيبة عشائرية الانتماء ، فالملاحظ أن في الثورة اليمنية رغم انتشار السلاخ خارج سيطرة الدولة الا أن الاحتجاجات  شكل تمرينا ديمقراطيا  لم تدلف الي قاموسه استحدام السلاح بل جاء الامر عندما بدأت الوصاية الدولية بالتدخل لفرض التسوية التي غاب عنها ان مثل الدول الغنية بالموارد و تحكمها انماط علاقات عشائرية يكون الواجب الاول هو الدفع نحو تعزيز الهوية الوطنية فإنحسرت الإحتجاجات اليمينة إلي النأي عن مفهوم الثورة و الإنتفاضة لترزح إلي تفكيك للدولة، و تحطيم عسكري لإحدي أقدم الحضارات الإنسانية في المنطقة،

مع ملامح فشل التجربة اليمنية سعي المجتمع الدولي للتشكيك في جدوي الإحتياجات  في سوريا فتكاثرت الإشارات التي حاولت تديين الحالة (السني و الشيعي ) قبل أن تتضح معالم الصراع بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية المرتبطة بالنفوذ والمصالح في الشرق الأوسط الأمر الذي جعل من سوريا ساحةً  للتنافس المحموم والمكتوم في باديء الأمر قبل إنفراط العقد نتيجة للتراخي وإطالة أمد الأزمة الذي وقف المجتمع الدولي متفرجاً عليها،  قاد ذلك لإتساع مساحة الصراع وتعدد مراكز التحالفات داخل الواقع السوري المعارض لنظام الأسد فوجدت الجماعات الإسلامية فرصة للولوج إلي المشهد فغرقت الإنتفاضة السورية وحرقت مراكبها، فإنحرف شعار الإحتجاج من التغيير السياسي إلي البحث عن تسوية تحد من اللجوء. نحو الدول الاروبية ،

تجربة البحرين إقتفت محاولات نسخ التحربة المصرية بذات نسقها دون التفكير في البصمة التي تعمل علي مقاربة الإحتجاجات بواقع البحرين، كما أن قيادة تلك الإحتجاجات من قبل ناشطين حقوقين ومدنيين من الجيل الأول والثاني من البحرينين غابت معه التجربة السياسية التي كانت هي الضمانة التي تُعبر عن سقف التغيير السياسي، القمع القانوني الذي إتخذته البحرين شكل نقطةً فارقة في الإنتهاك حيث إستخدمت القانون لتجريم الإحتجاجات إلي جانب أنها استخدمت الدين في الترويج لما حدث كصراع ( شيعي – سني ).

انتقال الاحتجاجات الي القرن الافريقي ولا سيما اثيوبيا شكلا امتدادا لتجارب الاحتجات المرتبطة بالربيع العربي ، بالنظر الي الحالة الاثيوبية نجد ان هنالك عوامل ساعدت علي اندلاع الاحتجاجات هي حالة القهر السياسي بما في ذلك الاعتقالات الواسعة النظاق التي استخدم فيها قانون مكافحة الارهاب للحد من الحريات الي جانب أن الدستور الاثيوبي يعتبر الثاني افريقيا بعد دستور جنوب افريقيا الذي اقر ( تقرير المصير ) لكن الطبيعة الاثنية للاحتجاجات و اقترانها بمطالب تقرير المصير قلل من زخمها و دعمها دوليا هذا الي جانب مسارعة الحكومة الاثيوبية الي اتخاذ هطوات قللت من الاحتقان باطلاق سراح المعتقليين السياسين و تغير في منصب رئيس الوزراء بالاضافة الي مشاريع البني التحيتة المرتبطة بشبكات المواصلات و مشروع سد النهضة ، ليمكن القول بان السلطة الحاكمة قد عملت علي تغيير في المسرح السياسي بتغيرات عززت من سيطرة اقتصادية للسلطة الحاكمة

[1]  شعبان الطاهر الأسود ، علم الاجتماع السياسي قضايا العنف السياسي والثورة . القاهرة : الدار المصرية اللبنانية .2003 صفحة 47 .

[2] – محمد المحمدي ، تورة ام انتفاضة ام حركات اخري ، مدونة المحمدي 9 فبراير 2012

[3]  الموقع الالكرتوني  لهيئة الحقيقة والكرامة .

[4]  الموقع الالكرتوني لهيئة الحقيقة والكرامة التونسية .