سلمى التجاني

القرار الجمهوري الذي صدر مؤخراً، والخاص بإعادة هيكلة التمثيل الخارجي، يشبه سيكولوجية القط المحصور بالزاوية، إذ تدفعه غريزة البقاء، مهما كانت وداعته، للدفاع عن نفسه ما يقوده لإبراز مخالبه .
ظاهر دوافع القرار هو التقشف، لكنه في جوهره جاء، كذلك، ليحكم قبضة رئيس الجمهورية على عمل السفارات، بدءاً من تعيين السفراء، مروراً بالتأكيد على ( الولاء السياسي القاطع للنظام السياسي القائم والاستعداد المطلق لتنفيذ السياسات والموجهات التي يضعها رئيس الجمهورية) كما ورد في البند (أ) من الأحكام الملزمة في القرار الجمهوري . تعيين السفراء وضعه دستور السودان الإنتقالي للعام 2005 ضمن اختصاصات الرئيس، في المادة (58) – (1) – ( ي)، لكن ان يشتمل القرار على مفرداتٍ غاية في الصرامة مثل : الولاء السياسي ( القاطع )، الاستعداد ( المطلق ) لتنفيذ موجهات الرئيس، الإلتزام ( الواضح ) بذلك، هذه الكلمات ما بين القوسين تؤكد أن هناك أزمة ما يعيشها الرئيس، تدفعه لان يضع فرماناً بكلمات قاطعة كالسيف، لا تقبل تفسيرين .
عدم ثقة البشير فيمن حوله، وتدخلاته في عمل وزراء خارجيته، ليست بالجديدة، فقد شكى منها علي كرتي مر الشكوى، ثم استفحلت في عهد الوزير السابق د.ابراهيم غندور، إذ قادته مهام عمله للعقدة التي تتحطم عليها المناشير، عقدة إعادة ترشيح البشير في انتخابات 2020 م المرتقبة . وواقعة زيارة وزير الخارجية الأمريكي بالإنابة جون سوليفان للخرطوم في نوفمبر 2017، وما أكدته للبشير من جدية أمريكا في رفضها لإعادة ترشيحه، كل ذلك أشعر البشير بالخطر، فاندفع ليسد ثغرتين دفعه حذر القط المحشور بالزاوية لخطورتهما : العلاقات الخارجية والأمن . أعاد مدير الأمن والمخابرات السابق لعمله، وأقال وزير الخارجية . وفي سبيل إحكام القبضة على البعثات الخارجية صدر القرار الجمهوري الذي نحن بصدده الآن .
ما الذي يخيف البشير من سفراء بلاده للدرجة التي يضع فيها الولاء للنظام السياسي القائم شرطاً على قدم المساواة مع الكفاءة المهنية، وإن صادف ترشيح سفير ذي كفاءة عالية لكن ولاءه ليس ( قاطع ) للنظام السياسي، هل يتجه الرئيس هنا لتعيين أصحاب الولاء الذين غطتْ سيرة بعضهم الآفاق من لدن ديبلوماسي البار إلى ديبلوماسي الميترو بأمريكا ؟ . هل نحن موعودون بمزيدٍ من تعيينات شباب الحزب الحاكم أُولي الولاء القاطع والجهل الساطع بابجديات عمل واعراف الديبلوماسية ؟ .
نزعة الرجل الواحد، الحاكم الأحد، ظلت تظهر وتختفي في خطابات وقرارات البشير، لكنها مؤخراً، ومع اشتداد الأزمات المالية والسياسية، بدت اكثر وضوحاً ؛ ففي مخاطبة جماهيرية قبل حوالي الشهرين، تحدث عن هزائم التي تم إلحاقها بالحركات المسلحة بابكرشولا، حينها قال البشير ( رسلت ليهم ناسي )، المقاتلون من جيش وشرطة ومليشيات هم ( ناس ) البشير، موجودون لحمايته هو، ويقاتلون لاجله هو، فهم ناسو ولا علاقة لهم بالشعب أو النظام، لأنه الآن هو النظام .
وفي خطاب جماهيري آخر متحدثاً عن المحكمة الجنائية كمؤامرة ضد البلاد قال ( عشان يسوقونا يودونا لاهاي )، بالرغم من أن المحكمة الجنائية تلاحقه هو وتتهمه بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية .
البشير الآن في مرحلةٍ لا يفرق فيها بين نفسه والسودان، فولاء الجميع، بالداخل والخارج، يجب أن يكون له، والمقاتلين ناسو، والمحكمة الجنائية تلاحق الشعب في شخصه، ليعكس حالة القط المحشور بالزاوية فيحول الدولة كلها لمخالب تحكم سيطرته، لتحميه .