مبارك الكوده

الإسلام السياسي مصطلح فيه كثير من الفراغات وخلط المفاهيم، ويحتاج لمراجعات جادة وعميقة، فكلمة الاسلام هنا لا تعني قطعاً دين الحق الذي جاء به محمد والرسل الكرام من قبله، صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، إنما تعني قولاً وآحداً الإجتهاد وإعمال العقل والفكر في النصوص المقدسة، فالاسلام السياسي بهذا الفهم لا يملك قدسيةً دينية لِيُلْزَم به الآخرين، وكيف يلزمني برؤيته من يتساوي معيَ في الانسانية وفي عقيدة ما جاءت الّا لِتُخرج الناس وتحررهم من عبادة العباد لعبادة رب العباد.

ولكي تستقيم الحياة ينبغي أن نلتزمَ بمكنون الفطرة السليمة وهدي الدين الْقَيِّم والتجربة الانسانية بكل تجلياتها وما تعارفنا عليه وارتضيناه كمجتمع، وننتهي عما تناكرناه وأبيناه كمنكر (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).

المجتمع هو الذي يحدد سياساته ويختار ساسته دون إكراه أو وصايا من أحدٍ أو لأحدٍ، فإذا عبّرت مؤسسات المجتمع التشريعية الحرة عن إرادتها بقطع يد السارق كعقوبةٍ جنائية ليست عقدية فلتقطعها، وإذا عبّرت بذات الإرادة الحرة أن يُسجَن السارق أويُجلد فلها ما رأت، وإن كانت هنالك مخالفة لدين الله في هذا المنهج فسيكون السؤال يوم العرض وليس لله شريك في هذه الدنيا له الحق أن يطلعَ بهذا الدور (ثُمَّ إلى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (ثم إلى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

قال ابن عباس : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ من حرج يعني ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق فالاسلام وآسع فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ولذلك علينا أن نختار أحسن ما نُزِّل إلينا، ولا أعتقد أن أحسن ما نُزِّل إلينا مظانه فقط نصوص الكتاب المقروء، بل إختيار الاحسن تشمل مساحته كل آيات الكتاب المقروءة والمشاهدة بالإضافة للتجربة الانسانية المممتدة، فالقاعدة الاصولية تؤكد شرع من قبلنا شرع لنا.

الديمقراطية مثلاً كنظام حكم هي أحسن ما نُزِّل إلينا حتي الآن وقد توصلنا اليها بالتجربة الانسانية التي اتفقت تماماً مع مقاصد الدين (وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمي) وربما يرمي الانسان في المستقبل بِهدي الله ما هو احسن وأنفع منها للناس فنتبعها فالكون في سيرورة مستمرة للتي هي أحسن.

كتاب العقد الإجتماعي لجان جاك روسو في تقديري كمرجع اجتماعي سياسي يُعبّر عن مقتضيات الْيَوْمَ بصورة أقرب للواقع من كتاب السياسة الشرعية بين الراعي والرعية للشيخ ابن تيمية ومن كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وبالطبع الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها أخذها (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) وليس هذا تقليلاً لهولاء العلماء الإجلاء إنما لكل زمانٍ ومكانٍ تحدياته ورجاله، وقد يكون ما كتبه ابن تيمية أفضل ما كُتب عن السياسة في ذلك الزمان والله اعلم.