التغيير: لؤي قور

 

شهدت خيمة الصحفيين الرمضانية أمس الأربعاء بمشاركة “بيت الشعر” بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية أمسية بعنوان “مشروع مصطفى سيد أحمد رؤية شعرية”، شارك فيها الشاعر “أزهري محمد علي”، والناقد الفني “الزبير سعيد”، فيما شارك الفنان أبو عرب في الأمسية بغناء نماذج من أعمال الفنان الراحل، وأم الأمسية عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين والمهتمين بأغاني مصطفى سيد احمد

 

مشروع تنويري:

وقال الشاعر “أزهري محمد علي”، في كلمته أن الفنان الراحل “مصطفى سيد أحمد”، صاحب مشروع توعوي وتنويري وكانت الأغنية واحدة من هذه الوسائل، لأن مصطفى كان يمتلك وسائل كثيرة للتعبيرعن نفسه، منها التشكيل والرسم والمسرح والشعر، وهو كمعلم في المدارس المتوسطة وقتها، كان مشغولاً بتنمية المجتمع كوسيلة للتغيير المنشود، وهو في مسيرته العظيمة تلك، ملأ الدنيا وشغل الناس، على الرغم من وفاته وهو في الثالثة والأربعين من عمره، ليترك خلفه مع ذلك قيما إبداعية  كبيرة.

وقال:(ابتدأ مصطفى  تجربته الغنائية في وقت مبكر يرجع للمسرح المدرسي إبان دراسته في مدرسة بورتسودان الثانوية، وهو يغني “لا تنبش الماضي القديم ألم تكن يوماً لقلبي واقعاً مجهولا .. لا تنكأ الجرح القديم فإنني .. ودعت ليلاً مظلماً وثقيلا”. وهو جزء من قصيدة “كبرياء” اختاره مصطفى ليكون مقدمة لأغنية “غدار دموعك”، وهذه الأغنية ظل يرددها فنانون من بورتسودان لوقت طويل منهم فنان إسمه “فاروق”، وكان مصطفى في ذلك الحين في واحد من مهاربه سماه بيت العنكبوت وهو منزله بمنطقة “ود سلفاب”، وظل بعد ذلك في دائرة اجتماعية صغيرة مكونة من أصدقائه ومنهم الشاعر “علي بخيت”، و”إبراهيم يوسف”، ومصطفى على الرغم من أنه كان يحترم أغنية الحقيبة إلا أنه يرى أنها ربما غيبت بعض الأغاني السودانية عن المشهد ودخل في رهان مع إبراهيم يوسف على  قدرة الجيل الحالي على إنتاج أغنية تماثل اغنية الحقيبة فكتب أغنية “يا صديقي الأول”،مجاراة لأغنية  “يا جميل يا مدلل”، يقول مطلعها:

يا صديقي الأول

باب في ود سلفاب

كرسي لا يتحول

وحنين مصطفى لودسلفاب انطلق بعد ذلك  ليعبر عن الشخوص وعن المجتمع، ولينتج نصا شعريا مٌغايرا، ولذا فقد أتت النقلة العظيمة في تجربة مصطفى الغنائية من خلال مشروع فني متكامل).

 

قفزة نوعية:

ومضى أزهري للقول:(كان يسكن “بيت العزابة”، في مدينة الحصاحيصا مجموعة من الناس، لهم اهتمام بالثقافة والفنون، وكانت هناك جلسات تتيح الفرصة لتبادل الآراء، ولتأخذ الكثير عن مصطفى ما يتعلق بمشروعه الوطني، وكان يعتقد أن مساهماته لا بد أن تنعكس على حياة الناس، وكان مشغولاً بالعدالة الاجتماعية، والإرتقاء بالقيم الجمالية في نفسه، وفي نفوس الناس، وكان متسقاً مع نفسه بين ما كان يعتقده، وبين سلوكه في خاصة نفسه، فلم يكن يتكلم عن احلام الناس من البعيد، كالكثير من المثقفين الذين يعيشون في عزلة عن غمار الناس، وكان في ذلك أسوة بمحجوب شريف والدوش وحميد وهؤلاء الأولياء الصالحين الذين دعموا حلم مصطفى بالمختلف وعندما طلب أحدهم أغنية إتعزز الليمون من مصطفى رفض وقال له:”سيأتي يوم ينتبه فيه السودان كله لكلمات أغنياتي”)

(فمصطفى قفز بالأغنية قفزات كبيرة، إنطلاقاً من قاعدة ثابتة، ونتيجة عمل تراكمي عبر المراحل التي مرت بها الأغنية، وهذه القفزة تتويج لجهود كل العلامات الفارقة في الأغنية السودانية أمثال الكاشف ووردي وعبد الرحمن الريح فهو استفاد منهم، وغنى لبيئته فغنى للشاعر “احمد الطيب”، أغنية “نظرة منك يا أمير”، و”بدر الحسن لي لو لاح”، وهو انشغال بـ”الصورة الشعرية”، التي شكلت واحدة من دعامات مشروعه الفني فقد لامسته أغنيات من قبيل “بدر الحسن لي لو لاح”، و”بلابل الدوح”، للعبادي و”الضواحي”، ولم يغني غيرها من أغاني الحقيبة، أما عن الشعر فقد كتب قصيدة “حتى الفصول صابا الجفاف”، وهو ما يزال طالباً في الثانوية فكتب الشعر في مرحلة مبكرة، ومن كتاباته كذلك قصيدة “أعجزتني فعبرت كل ضلالة”، وغيرها. وكانت أهمية الصور الشعرية في النص، معين أساسي له، حفز الشعراء على كتابة مثل هذه النصوص، فاستطاع مصطفى أن ينتقي نصوصه وشعراءه، ولم يحفل بالأسماء الكبيرة، وفي ندوة اتحاد شعراء الأغنية في العام “1976”، قدم مصطفى أغنية “الأمان”، وهو أول ظهور لمصطفى في الخرطوم وكان الشاعر عتيق في حالة طرب، وقالوا أن مثل هذا الصوت يجب أن يكون في الخرطوم، لكن مصطفى قال إن عدد النصوص المقدمة، أقل من أن تحدث تحولاً في الأغنية، وفي مهرجان الثقافة الأول قدم مصطفى أغنية “الشجن الأليم”، للشاعر “صلاح حاج سعيد”.

 

تضييق متعمد:

ومضى أزهري للقول أنه وعندما غنى مصطفى “الشجن الأليم”، كانت مختلفة فلم يستوعبها الناس، لكون النص كان متجاوزاً للنصوص السائدة، لكن “مصطفى”، واصل بحثه عن مثل هذه النصوص، وكثير من الشعراء الكبار قدمو له أعمالاً، لكنه أعرض عنها، ليغنى لصلاح حاج سعيد أغنية “الحزن النبيل”، و”المسافة”، وكان هناك تضييق متعمد على مصطفى في التلفزيون والإذاعة، وقدم عدداً من النصوص تم رفضها، لكنها دخلت مكتبة الإذاعة من الباب السري، عندما فرضتها “سُلطة الجماهير”، وهناك بعض الإعلاميين وقفوا مع تجربة مصطفى الغنائية منهم “معتصم فضل”، و”علم الدين حامد”، ليظهر مصطفى في برنامج “ألحان” لمعتصم فضل، و”صالة العرض”، لعلم الدين حامد، وهناك الصحفي “أحمد نصر”، وهو أول من انحاز لمشروع مصطفى الغنائي وتناول أغنياته في صفحته الفنية، وهناك “الزبير سعيد”، و”صلاح شعيب”، وهم من انتصر لمشروع مصطفى الفني والقفزات النوعية التي أحدثها في النص الشعري.

 وغنى مصطفى لحوالي الأربعة وستين شاعراً، من داخل وخارج السودان منهم “مُظفر النواب”، في أغنية “المساورة من الباب الخلفي”، والتي كان من المفترض أن يغنيها بصحبة الفنان “مارسيل خليفة”، لكن مصطفى رحل قبل ذلك، كما غنى للمصري “حسن بيومي”، أغنية “يراقصني عجاج البحر”، وغنى لعبد الرحمن ابوذكرى أغنية “الرحيل في الليل”، ولمحمد ابراهيم شمو أغنية “مريم الأخرى”، وانتبه كذلك للصور الشعرية في شعراء المراحل الأخيرة ومنهم الشاعر “عاطف خيري”، في قصيدة “نكر صوتك صداك”، الذي مثل مرحلة القدرة على تلحين الصور الشعرية الصعبة في التناول اللحني، وكذلك أغنية “الجالوص”. كما أنتج ملاحم شعرية واجتماعية عظيمة منها أغنية “عم عبد الرحيم”، التي يصعب على الملحن توصيلها بهذه البراعة والإتقان، كونه يمتلك مخزونا معرفيا كبيرا وله رؤية، وقصائد “حميد”، فيها روح المسرح وفيها شخوص حولهم الشاعر لأبطال منهم “عيوشة”، و”عم عبد الرحيم”، و”السرة بت عوض الكريم”، وهؤلاء الذين نراهم في إيقاع الغبار اليومي، يبرزهم “حميد”، فيضفي عليهم قيم جمالية وإنسانية عظيمة وتصير الأغنية ذات دلالة معرفية، وعمل عميق متجذر في الحياة السودانية.

تعليقات الفيسبوك