قبل نحو عامين، كان المشهد يعبر بشكل صارخ عن أزمة إنسانية عالمية.. نحو 1200 شرطي يحيطون بمخيم للاجئين في مدينة كاليه الفرنسية كانت تحركات الشرطة إنذاراً ببدء إزالة المخيم، بعد مغادرة أكثر من 2300 مهاجر طوعي، المخيم الذي كان يقطنه نحو 9 آلاف لاجئ، جميعهم من الشرق الأوسط وأفريقيا، كانت الغالبية العظمى فيه ترغب في العبور إلى بريطانيا، تم تفكيك المخيم وتوزيع المهاجرين إلى مراكز متفرقة لبدء إجراءات اللجوء.

كان المشهد يعبر عن درجة القلق التي تملكت الأوروبيين إزاء قضيتي اللاجئين والإرهاب اللتان سيطرتا على السياسة الدولية منذ فترة ما بعد ثورات الربيع العربي.

أمس القريب، عاد ذات المشهد، حيث بدأت الشرطة الفرنسية في إجلاء مئات المهاجرين من مخيمات مؤقتة في باريس، الصور التلفزيونية أظهرت العشرات من المهاجرين من المخيم ينتظرون نقلهم إلى مراكز إقامة مؤقتة.

قبل نحو عامين أيضاً، لقي (880) مهاجر على الأقل حتفه في البحر المتوسط، وقدرت مفوضية اللاجئين عدد الذين فقدوا حياتهم في البحر المتوسط خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2016م، نحو (204.000) شخصاً، أي بمعدل (40.000) في الشهر الواحد، هؤلاء يدفعون أرواحهم ثمناً مقابل وطن بديل وحياة إنسانية.

بحسب الأمم المتحدة، فإنَّ عدد اللاجئين حول العالم بلغ 65 مليون بنهاية عام 2015م الغالبية من سوريا، أفغانستان والصومال، وحسب مفوضية اللاجئين فإن (واحداً من كل 113 شخصاً في العالم مشرد، وهو إما طالب لجوء، نازح أو لاجئ).

تبدو قضية اللاجئين أكثر تعقيداً مما يعكسه الإعلام، الفئة العمرية لهؤلاء اللاجئين هي فئة الشباب، عمر الإنتاج، هذه الطاقة فرت ولا تزال من جحيم أوطانها بحثاً عن أوطان بديلة لتواجه هذا المصير، ولا يدري أحدهم كم يتعين عليه الانتظار وخصم سنوات من عمره حتى يصبح فرداً منتجاً بدلاً من متلقي للعون.

والذي ينبغي أن يحرض العالم على الوقوف عند هذه القضية الشائكة هو أن الموت في البحر أحد خيارات هؤلاء الشباب، ولنا أن نتخيل شاباً في العشرينيات استطاع جمع مال بالكاد يوصله إلى معسكر لجوء في إحدى بلدان أوروبا، وليس أمامه مصير واضح كما لم يترك خلفه أملاً فهو خرج بلا عودة، تخيلوا أن هذا الشاب يلقى مصرعه في البحر قبل أن يبلغ الخطوة الأولى من حلمه، بل هو لا ينبغي أن يتحول إلى حلم، هو الحق في الحياة الكريمة.

ويبدو كأن لا خيار أمام الشباب.. إما العيش تحت وطأة جحيم الوطن أو الموت بحثاً عن وطن بديل.

التيار