د.شريف حرير
“نسمع بين الحين والآخر البعض وهم يستخدمون تعبير “معارضة المعارضة”، و كأن هناك اتفاق عام حول معانيها و مكنوناتها! و لكن ماذا تحمل هذه العبارة من إسقاطات نفسية مستخدمها إذا كان أصيلاً، أو إبتلاع النوق ” الإبل” إذا كان المستخدم مستهلكاً للعبارة، لأنها تعجبه فى جرسه و غموضه؟
أبداً تقريب المعنى بسرد قصة حقيقية، كان من أبطالها أديبنا المدخر صاحب العبارة الخالدة، “من أين أتى هؤلاء؟” الأستاذ المرحوم الطيب صالح، فى بوسطون، الولايات المتحدة، 1994 …
كان أن حضرت مع زملاء من جامعة برجن بالنرويج لحضور المؤتمر السنوي للجمعية العالمية للدراسات السودانية، ووجدنا حضوراً سودانياً علمياً باذخاً، إلى جانب قمم أوروبية و أمريكية شماء فى المجالات العلمية المختلفة، بما يفوق الأربعمائة باحث و مهتم بالسودان. بالرغم من أن الحضور السوداني كلهم يستحقون الذكر لجمال علمهم و معرفتهم و نفوسهم إلا إنني، ولأغراض هذه المداخلة، إكتفي بمن لهم صلة مباشرة بما أودّ قوله هنا. أولهم الأديب الأستاذ المرحوم الطيب صالح، ثم الأستاذة المناضلة الخالدة، المرحومة السيدة فاطمة أحمد إبراهيم، و الأستاذ المحامي محمد آدم فضل المولى كنجوم، والبروف جعفر شيخ إدريس، و الأستاذ بونا ملوال، وشخصي الضعيف (شريف حرير)، و ما يربو على مائة و ستة و ثلاثين باحث من سودان المليون ميل مربع وقتها. و قد كان فى داخل هذا العدد الكبير من القمم السودانية حوالي الثلاثين من “الجنوبيين”، كما كان تعريفهم التمييزي حينها، فى المجتمع السياسي و الإجتماعي السوداني، أو مجتمع الشمال النيلي على عمومه.
بدأت الدراما السياسية، عندما تحدث السيد بونا ملوال، كمتحدث رئيس فى الليلة السابقة أمام الجلسة الكاملة للمؤتمر و قال ما فحواه الآتى: “إنهم كجنوبيين قد قرروا الإنفصال! وعليه على الشمال الحاكم أن يعطيهم ما يحفزهم على البقاء، بدلاً عن سؤالهم المرة تلو الأخرى عن أسباب ذلك القرار”. بالرغم من أن هذا الكلام ليس جديداً على كل الحاضرين، لأنهم باحثين و قادة، إلا أنه خلق هلعاً وأزمة، مما أدى إلى الإسراع بالدعوة إلى إجتماع “للسودانيين” لكي يتشاوروا حول هذه “الكارثة” ظهر اليوم التالي.
ولما أتينا قاعة الإجتماع، والشعور بالمسؤولية يثقل عواتقنا، لاحظت غياباً كاملاً للمكون “الجنوبى” فى ذلك الإجتماع الذى ترأسه أديبنا المرحوم الطيب صالح، صاحب العبارة المثال: “من اين أتى هؤلاء”. رفعت يدي مستاذناً للكلام بعد أن فرغ أديبنا من إفتتاحه، ببلاغة ذربة اللسان، إجتماع “السودانيين” للتعامل مع الكارثة التى تكاد أن تحيق بالسودان، من جراء حديث بونا ملوال الخالي من مساحيق التجميل، خلال تناوله لمشكلة السودان كمتحدث رئيس فى جلسة اُمسية اليوم السابق للمؤتمر.
سألت أستاذنا الطيب صالح: هل هذا هو إجتماع أهل السودان للتعامل مع الخطر الوشيك على خلفية كلام السيد بونا ملوال بالأمس؟ أجاب الأستاذ، ولم يستطع إخفاء مسحة الذهول والضيق الذى أصابه من هكذا سؤال فى موضوع واضح كل الوضوح، “نعم يا دكتور”. و دون أن أترك له فرصة للإسترسال والشرح، سألته، “ولكن أين أهلنا من جنوب السودان و هم عدد معتبر”؟ كان رده مذهلاً إذ قال، و همهمات الآخرين المستحسنة لقوله واضحة المعنى و المرمى، حيث قال، “إنهم قد قرروا الإنفصال”، و هذا القول معطوف على كلام فرد واحد، مهما عظم شأنه، و هو بونا ملوال! سألته: هل إستشرتوهم أو دعوتموهم فرفضوا الحضور؟ بالنسبة للأستاذ الأديب فإن الموقف واضح لا يحتاج إلى إستيضاح جديد! هكذا تعاملنا نحن، الصفوة مع الجنوب، وهو تعامل توافق مع تعامل الذين لم نعرف من أين أتوا، حتى كان سؤال الأستاذ الأديب الأريب، الطيب صالح و الذى أصبح مثلاً، مثل رصفائه الأقدمين: “سبق السيف العزل” أو “قطعت جهيزة قول كل خطيب”، “من أين أتى هؤلاء”!
لما رأيت أنني لا أنجز أي خطوة فى إتجاه إنتاج “فهم مشترك” مع أديبنا الأستاذ فى هذه الدراما التي تجري أمامنا وداخلنا، و نحن من جملة أبطالها و منتجيها، حولت إتجاه أسئلتي و قلت للأستاذ الطيب و هو رئيس الإجتماع: الآن فهمت! هذا إجتماع “للشماليين” إذا قبلنا بالمنطق السائد فى أن كلام بونا ملوال، وزير إعلام النميري، يصبح كلام كل الحضور من الأكاديميين و الباحثين الذى ينحدرون جغرافياً من جنوب السودان، فسؤالي للسيد الأستاذ هو: ماذا نكون و أخي الدكتور المحامي كنجوم فى هذا الإستقطاب الحاد بين الجنوب، الذى تحول من جغرافيا إلى “إثنية”، و الشمال الذى تحوّل، كذلك، من جغرافيا متعددة و متنوعة إلى “إثنية”. بتلك الدعوة التى أدت إلى هذا الفرز الحاد، أصبحنا أصحاب حرفة بناء للحيطان الأسمنتية بين بني وطننا، بدلاً من أدباء و باحثين يزيلون بأقلامهم و مقولاتهم حيطان العزل و يمدون جسور التواصل بين المجموعات الإجتماعية و الثقافية!
على كل كانت إجابة الأستاذ أيضاً مذهلة، إذ قال بدون تردد: “أنتما شماليان!” كان ردي، و أيضاً بدون تردد: “هذا كلام فيه خداع (يعني كلام غش) لأنني أعلم”، و كما يورد دكتور منصور خالد، بعض الحقائق الإجتماعية فى دوائر مجتمعات الشمال المغلفة ما يجعل منا أشياء أخرى كثيرة إلا “شماليين” هذا . هذه الأشياء الأخرى، تشمل فيما تشمل، الجهوي “غرابة”، و “تكارنة” و هو يشير إلى أصل غير سوداني، و أسوأ من كل ذلك “قرقور” و “عب”.
و هنا جاءت عبارة معارضة المعارضة. فلما طفح كيل أسئلتي، و عيل صبر الأستاذ الأديب المرحوم الطيب صالح، قال لي فى مخاطبة عاطفية، “لماذا تريدون يا دكتور شريف أن تكونوا معارضة المعارضة”، و هو تعبير بليغ يجب إضافته إلى أخته الصغرى الشهيرة، “من أين أتى هؤلاء”.
ذلك تاريخ موجز للعبارة فى إستخدامها فى جيلنا، و هى ككل عبارات الأديب الطيب صالح، أصبحت من الإكليشيهات المستخدمة من قدماء القوم و أصاغرهم فى دوائر المعارضة، و هى لقمع الناقدين “للكنكشة”، أو الذين حولوا الجهد الثوري،المبذول من الكل، إلى وكالة توظيف لتحقيق المكاسب الفردية أو الأسرية. أن النقد والنقد الذاتي لا يشكلان معارضة للمعارضة، و لكن الذى يرفضهما بإعتبار إنهما ينتقصان من مكانة الزعيم، أو الرئيس أو التنظيم، هو الذى يشكل المعارضة الإستراتيجية للمعارضة، لأن هذه الأفعال تنتج الإحباط، و تفرق الثوار من معارضة لاتنتج إلا تحسين مستوى معيشة القائد او الزعيم، و لايذهب فى إتجاه إنجاز الأهداف الجماعية. (معارضة المعارضة) تكون بالهجوم الفعلي و المادي على رفاق السلاح لتدخلهم “بيت الطاعة”، أو خذلانهم، بالعبور إلى العدو فى مصالحات مربوطة بفوائد تعود لمن يقود، و التهوين من شأن رفاق النضال الذين رفضوا الإغراءات و عضوا على الجمر لإستمرار الكفاح و النضال.
كما أنه يتوجب على مستخدم عبارة معارضة المعارضة، أن يسأل عن من هو الذى يحدد الشكل الصحيح للمعارضة حتى لا تتم معارضتها من معارض؟ هل للذين لهم وجود بالإنابة أو الأصالة فى أجهزة و أبنية النظام فى الخرطوم، دخولاً و خروجاً، هل يحق لهم أخلاقياً أن يحددوا من هو المعارض؟ ألا يكونون بذلك الخصم و الحكم، يريدون أن يأكلوا الحلوى، و فى نفس الوقت، يودون الإحتفاظ بها؟ هل، لمن يستطيعون الذهاب إلى الخرطوم لأخذ قسط من الراحة من وعثاء “المعارضة” و تعبها، مع الخروج الآمن عندما يشتاقون لأخذ درجات نضالية أخرى، أي حق (أدبي، أخلاقي، نضالي أو تاريخي) لتحديد من هو المعارض الذى لا يجوز نقده و معارضته؟ هل لأهل الطائفية التى أنتجت قمة أزمتها الكامنة فيها بنائياً (إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية) أي حق فى تحديد مواصفات المعارض الحقيقي و الجلوس على مقعد قيادته؟
أن نقد المعارضة التى راجعت كل مفاهيم المعارضة و جردتها من أهدافها، و أرجعتها إلى صفة وكالة توظيف و إستوزار ، بينما بقايا الإبادة الجماعية ما زالوا فى معسكرات النزوح و اللجوء و المهاجر (و قد كدنا أن ننسى أسماء شهدائنا) ، لهو واجب نضالي يتساوى فى عظمته مع كشف عورات النظام عبر الوسائط الإعلامية المتاحة للمعارضة.”….

تعليقات الفيسبوك