د.بشير إدريس محمد زين..

كلَّ يوم يُرِي المولي عزَّ وجل أهلَ السودان من أهلِ الإنقاذ عجباً وآية..وكلّ يومٍ يمتحنُ فيهم بلاءهم، وإبتلاءهم، ثمَّ صبرَهم عليهم..ولكنه يتفضل عليهم سبحانه -مع هذا- بفيوض المعرفة (المبرئة للذمة) من أحوالهم، وتقلباتهم.. ليزداد أهلُ السودان بهم علماً وتمحيصاً، ودرايةً، وإحاطة..

تناقلت الأسافير قبل مدة، ثم في الأيام الفائتة مقطعاً عجيباً للشيخ إبراهيم السنوسي في صلاة تراويح محضورة، ومشهودة، ومنقولة.. ولأن الإمام ربما كان يعلم أنها منقــولة، وكذا الشيخ السنوسي -علي الراجح- فقد إختار الآخيرُ أن يُبديَ لمن شهِد الجماعةَ معه، ومن يشاهد، تخشُّعاً مخصوصاً وعجيباً وعلي نسقٍ جديد، لفت إليه الأنظارَ بشدة، وأصاب غير قليلٍ من الناس بالحيرة والإندهاش..فلقد كان سماحته -والإمامُ يتلُو- يحرِّكُ رأسه يمنةً ويسرة، والعينان مغمضتان، ويشير بيديه ويضمهما إلي صدره، ثمَّ يطلقهما و(يصوصل) بهما المصحف، ثم يرسلهما أخري متحولتين يميناً أو يساراً في سيرورة حركيةٍ عجيبة، ولافتة، مع تحركٍ ممثول، وإيماءٍ شبه ناطق، ظنه الكثيرون أنه أقرب إلي الكُلفة، ثم يرفع الشيخ يديه مجدداً، ويضمهما علي صدره، ويومئ بهما إلي السماء، بحسب ما تشير الآيات المَتلوَّات من الإمام المتخشِّع.. حركات، وإيماءات، وتمثُّلات، لا يختلف إثنان من دهماء المسلمين -لا علمائهم- أنها تُخلُّ بوَقار الصلاة، وتزعزعُ خشوعها، وتُشغلُ مجاور فاعلِها عن ذكرِ الله، وعن الصلاة، أيُّما إشغال، ولربما أبطلت الصلاةَ ذاتها !!

ونحن -طبعاً- لا دخلَ لنا بتقوي الشيخ السنوسي، ولا بسريرته، فهاتان من أعمال القلوب مما لا يعلمه إلا الله، ولكن، ومن معلوم الصلاة المكتوبة، بحسب ما علَّمَ بها المصطفي المصدوق عامةَ المسلمين، وخاصتهم، فإنَّه كان من الأبرأ لهذا الشيخ، ولغيره ممن جاوره، ولتقواهُ هو، لو أنه تحلَّي بالوقار، وبالطمأنينة، وبالسكينة في صلاته، كما هو مأثور، ثم إبتعد -من بعد- عن كل ما يشوبها، أو يصبغها بشبهة المُراءاة، والتشوُّف، والتمثيل، وظنون التخشُّع المُتكلَّف..مما هو معلومٌ من آداب الصلاة ومحاسنها وفضائلها..
ما علينا !!!

ولكن بالأمس نشرت الصـحف عجيبةً أخري من عجائب الشيخ السنوسي..فقد حاول الشيخ، ولاحقاً حراسُه، بمسجد السيدة سنهوري إزاحة شابٍ من مجلسٍ سبق إليه في الصف الأول، وحاولوا إبعادَه عن مقعده هذا عنوةً وإقتداراً، بحجة أن هذا المكان محجوزٌ للشيخ السنوسي وسط دهشة وإستغراب المصلين..نعم والله، هكذا محجوزٌ للشيخ السنوسي!! غير أنَّ الشاب رفض بإصرار قائلاً إنه جاء قبل السنوسي، وهو أولي بالمكان في الصف الأول منه..إلي هنا والمفروض أن تنتهي هذه الحكاية، ولكنها لم تنتهِ.. فقد عمِد حُراس فضيلة الشيخ إلي محاولة إستدراج وإعتقال ذلك الشاب بُعيد الصلاة مباشرةً لولا تدخل الأجاويد، والمصلين، ورجاءاتهم لهم ليصفحوا عنه، ويغفروا له جهلَه علي الشيخ، وتطاوله علي مقامه، ومساواة كتفه بكتفه، ونعله بنعله، ورأسه برأسه..!! كل هذا وفضيلة الشيخ هو من يومئ إلي الصدر، ويتطلع إلي السماء، ويتمايل مع تدفق الترتيل الحكيم بالخشية، والخشوع وما وَقَر من القرآن في القلب !!!
كمان برضو، إلي هنا والمفروض أن تنتهي هذه الحكاية، ولكنها لم تنتهِ..فقد أصـدر الشيخ في اليوم التالي بياناً -ليته لم يصدره- لا ليعتذر فيه للشاب وللمصلين، ولكن ليبرر لفعلته وصنيعه، وصنيع حُراسه الميامين بعد ذلك !!

وهنا يجدُر أن نقول إنه معــلومٌ للكافة، أنَّ من (منجورات) أهلِ الإنقاذ العجيبة، والتي ربما غابت عن فهم هذا (الشاب الطيب)، أن منهم من يُسـمَّون (بالبدريين).. وهؤلاء عندهم مثل (أهل بدر) عند عامة المسلمين.. وكما إطَّلع المولي عزَّ وجل علي أهل بدر (الجد جد) وقال لهم (إفعلوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)  فكذلك حالُ (البدريين) عند أهل الإنقاذ !! يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، ولا يُسألون عما يفعلون، وهم يُسألون.. وكله بفضل هذه (البَدرية) المباركة والمبكرة.. ولا ندري يقيناً ما إذا كان فضيلة الشيخ السنوسي (بدرياً) أو هو من أهلِ (أُحُد الإنقاذية)، أو حُنين، أو مؤتة، أو ذات الصواري..
بيْد أنَّ ما عند أهلِ السودان، هو أنَّ (أهلَ بدرٍ الإنقاذية) هم أشدُّ الإنقاذيين وطأً علي الناس، وأعظمهم جَوراً وظلماً، وأكثرهم تحملاً لإثم الإنقاذ، ومهلكتها للخلق..فهم من أتوا بها، وهم من تولّي كِبرَها، وعليهم يقع إثمُها وإثمُ من عمل بها إلي يوم القيامة.. وكل ما لحق بأهل السودان من شرِّها، وبلائها، ولأواها إنما كان بسبب من أتي بها وهم (البدريون)..
ويحتسبُ أهلُ السودان إن شاء الله- عند الله تعالي أنه آتيهم (أجرَهم) ضعفين، ويحتسبون كذلك عنده أنه لو ربط الواحدُ من هؤلاء المصحفَ في عنُـقه ليلَ نهار، فإنَّ المولي الحكيم، العليم، الفرد، الصمد، الحكمُ العدلُ ما نظنه يغفر له، دعك عن أن يزاحم في الصفوف الأولي، أو يتمايل لتلاوة القرآن !!

إن أسوأ ما حاق بأهل السودان من شرور أهلِ الإنقاذ، وبلائهم ، ليس هو إستعبادهم للناس، ولا إزدراؤهم لهم، ولا النظر إليهم بإحتقار، ولا إستغفالهم والضحك عليهم، وإنما الشرُّ كلُّ الشر هو إلباسُ هذا البغي والإستعلاء لبوسَ الدين !! فلو أن هذا الفعيل كان بلا مسوح التَّديُّن الشكلاني الذي يمارسونه، لكان سَهُل علي الناس سبُّه، ولعنُه، والكفرانُ به.. وأما أنه كان هكذا ديناً، وتديناً، وتقوي، (وهجرةً إلي الله) كما يزعمون، فإنّ من سابَّه عندهم إذن، كمن سابَّ الدين، ومن حاجَّه حاجَّ الدين، ومن قاومه قاوم الدين، ومن أنكره أنكرَ معلوماً من الدين بالضرورة، ومخرِجاً لصاحبه من المِلة..ولا حولَ ولا قوة إلا بالله !!

لقد كان يكفي حتي الأمس أن يكون للرجل من سِيماء (التديُّن الشكلاني) زبيبةٌ مصنوعة، (وسكسوكةٌ) محفوفة، وتمسكنٌ متصنَّع، وجوقةُ كلمات متَكَلفات من شاكلة (حقيقةً، وبداهةً، وأحسبُ أنَّ)، يردمُ بها الواحدُ منهم الناسَ، مع الفركِ علي اليدين، والنظرِ إلي الأرض في تأدُّبٍ متصنَّع ومسكنة..وأما الآن لكأنما أُضيف إلي هذه الصفات (الجليلة) الإيعازُ بحجزِ مكانٍ في صف الصلاة الأول، ولو بالقوة الجبرية الحارسة، إذا لزم الأمر !!

هذا زمانُ التأصيلِ للتمثيلِ يتمدد، بدءً من الصف الأول، ثم الأمثل والأمثل !!!