بشير إدريس محمدزين..

• لم أجد توصيفاً مناسباً للحكومةِ السودانية في تخبطـاتها، وتنكُّباتها المتكررة-هذا إذا كان ثمة حكومة أصلاً- أحسنَ من (أنها عدوةُ نفسِها)..إذ ما تكاد (تتفكفك) -بمعاونة أصدقائها طبعاً- من براثن أمريكا، والمجتمع الدولي، أو تقارب، حتي (تتلعبث) هي نفسها، وبمحض إرادتها، في ذات البراثن مجدداً، بإرتكاب مُوبقة من الموبقات غير المغفورة، لتعود تستجدي الأصدقاء، لحلحلتها من أمريكا مرةً أُخري !! ومثلما قال الإمام الصادق المهدي فهذه الحكومة موفقةٌ فقط في إرتكاب الأخطاء أيُّما توفيق !!

• إنَّ ضرب مواطن، أيِّ مواطن، من قِبَل مسؤولي الأمن، أو الشرطة، أو الجيش، أو أيِّ جهةٍ حكوميةٍ كانت، هي عمليةٌ مذلة، ومخالفة للقانون،  وعديمة المروءة، وتنتهك كلَّ الأعراف المحلية، والدولية، ويجب ألا تحدث..ولكن المواطنين الســودانيين حــين يضربهم رجال الأمن، أو الشرطة، أو حتي الجيش، أو المليشيات الحكومية، فإلي مَن المفروض أن يجأروا بالشكوي ضد ضاربيهم؟؟!! المفروض إلي الحكومة طبعاً.. ولكن إذا كانت الحكومة هي نفسُـها الأمن، والدعم السريع ثم الجيش والشرطة بدرجةٍ أقل، وغيرها وغيرها، فهل معقول أن يشتكي المواطن إلي نفس الخصم ليكونَ حَكَماً؟! طبعاً لا..لأن النتيجة الحتمية عندئذٍ، هي مزيدٌ من الضرب، والتجريس، والإذلال.. ولهذا تجد أن المواطنين إعتادوا أن (يأكلوا) ضَربَهم، وإذلالهم (وتأديبهم) من هؤلاء (من سُكات)، ويمارسون معهم أقصي (درجات ضبط النفس)، والتعاون، والأدب، والإنصياع لأن أي تصرفٍ غير هذا معناهُ مزيدٌ من الضرب، والمهانة، وربما مصيرٌ مجهول فيما وراء الشمس..

• المشكلة الآن أنَّ الحكومة تعــتبر أن المواطن السوداني، أيَّ مواطنٍ سوداني، (هو مواطنها وحدها) مهما كان وضعه، ومكانته، وصفته، أو (جنسيته الأخري)..وبالتالي فهي (حرةٌ ومخيَّرة) أن تفعل فيه ما تشاء، وسوف لن يسألها أحد. (أليس هو مواطنها وحقَّها)؟!..وهذا الإعتقاد غير صحيح، ومُوَرِّط، وساذج بذات الوقت، ولكن من يُقنع الحكومة أنه غير صحيح !! ومن يُقنع مخالب الحكومة !!

المعلومة البدهية البسـيطة هي أنك لست وحدك في هذا العالم، مهما أعتقدت أنك كذلك..

• فإذا كانت الحكومة لم تَزَل تدفع أثماناً باهظة -وتحمِّل الشعب معها أضعافاً مضاعفةً من هذه الأثمان الباهظة- فقط لإعتقادها في وقتٍ ما أنها وحدها، وأنها حرة، وسوف لن يسألها أحد، ولن يراها أحد، حين تفعل ما تريد (بشعبها) في الأقاليم النائية في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق وكل أماكن النزاعات الأخري..وإذا كانت لا تزال تكلّف أصدقاءها شططاً، وتحرجهم في كل محفلٍ وهم يحاولون (مخارجتها) من وعثاء ما تجشمت من حماقات ضارة.. فلماذا لا تعِي الدرس إذن، من (قُصرُو) وتُقلِع عما كانت تفعل من هذه الحماقات والمخالفات، وتريح وتستريح ؟؟!!

• إنَّ ثلاثين سنةً من الحكم كافيةٌ جداً أن تعلّم الحِمار-إذا إمتد به عمرُه إليها- كيف يتجنب الحُفر والمطبات، وأغصان الشوك المُتَعارِضة، التي ظل يمر بها طوال رحلة حَمْلِ الأسفار علي ظهره علي ذات الدرب..ولكن يبدو أنها غير كافية لتعليم حكومتنا كيف تتجنب مطبات أمريكا والمجتمع الدولي !!

• إنَّ دلالة ضرب مواطن أمريكي من قِبل منسوبي الأمن السوداني في مطار الخرطوم هي واحدة: أنهم يفعلون ذلك كسلوك معتاد، ومستمر، ودون حسيب، ولا رقيب..وأنهم لم يُدَربوا علي أن أخطاءهم، وإنتهاكاتِـهم حقوق مواطنيهم، أو رعايا الدول الأخري، إنما هي وصمةٌ في وجه الدولة، ولن يُسكَت عليها، وأنها ستُعلم مهما فعلوها خلف الأبواب المغلقة وفي الظلام..

ولو أن هؤلاء المنسوبين، الذين يضربون الناس، يُنهَي إلي أسماعهم بإستمرار، من رؤسائهم، وقادتهم فداحةَ هذه المسؤوليات المُلقاة علي كواهلهم، ويُبيَّن لهم خطورة إنتهاك كرامة الإنسان أياً كان، لما تجرَّأوا علي تعذيب هذا المواطن بكل هذه القســوة والجبروت دون أن يطرف لهم رمش، ويمضوا كأنَّ شيئاً لم يحدث!!

• ولكن إذا كان الرئيس البشير نفسه أيّد في ديسمبر ٢٠١٦م عقوبة الضرب في المدارس، وإنتقد إلغاءها، وقال إنَّ هذا الإلغاء إنما (هو تقليدٌ أعمي للغرب) لا غير، فماذا يمكن أن يقال لمنسوبي الأمن، والشرطة، مثلاً عندما يضربون مواطناً سودانياً، أو غير سوداني ؟! بل ماذا يمكن أن تقول حكومتنا نفسُها إذا بلغها أنّ مواطناً سودانياً ضُرب، وعُذِّب، وأُنتهكت كرامته في دولةٍ ما، وينتظر من دولته (نفرتها) لحماية حقوقه وصيانة كرامته من إنتهاك تلك الدولة؟؟!!..لا أعتقد أنها ستفعل شيئاً لأن فاقد الشئ لا يُعطيه !!!

المثلُ يقول:- إنَّ من يأمن العقاب، يسئ الأدب..
ولقد ظل كــبار المسؤولين في الدولة يهينون مواطنيهم وبإستمرار، ويصفونهم بأقذع الأوصاف اللفظية، ودون تردد، وإذن فإن من يختلي بالمواطن، ممن هم دونهم من منسوبي الأمن، أو الشرطة، وغيرهما فلن يجد من سلوك هؤلاء المسؤولين إلا ضوءً أخضراً مشجعاً له ليفعل هوَ كذلك بالمواطن ما يشاء..

إنَّ ما تحتاجه الحكومة فعلاً، وبأعجل ما تيسَّر، هو أن تقتنع أنه لابد من فَرمَتَة (عقليتها الضَّربية) التي تحكُم، وتتحكم بها علي أقدار الناس حتي تكون مواكبةً للعالم المتحضّر وقيَمـه، وثوابتَه، (التي منها تحريم، وتجريم ضرب الإنسان)، ولكن يبدو أن هذا غير ممكن حتي الآن، ولهذا ستظل هذه الحكومة تقع علي قَـذَر الإنتهاكات المختلفة، كما الذباب، كلما هشَّها الأصدقاء والمشفقون عن هذا القَذَر سقطت فيه مراراً وتكراراً..

أزمةٌ جديدة، تجشِّمنا إياها الحكومة، وبالمجان، وبلا مبرر..حكومةٌ يجتهد معها الأقربون، والأبعدون لتجميل وجهها، وإعادة تسويقها، وهي تفتأ تنقُضُ لهم (غزلهم من بعد قوةٍ أنكاثاً) المرةَ تلو المرة..

تعليقات الفيسبوك