حوار/ عبد الوهاب همت

 

لخمسين عاماً ظل الفنان التشكيلي السوداني “إبراهيم الصلحي”، يتحرك في مدى واسع من الأعمال الفنية – كما يقول تلميذه التشكيلي صلاح حسن – والتي تحاول اكتشاف كل ما يمكن اكتشافه من استراتيجيات التلوين والرسم، إلى الحد الذي حدا بالبعض لأن يطلقوا على مساهماته لقب “رؤى الحداثة الأفريقية”. ويقول الصلحي في إحدى حواراته:”بلادنا تتميز بوجود الشمس الساطعة، والمعروف أن الضوء القوي الساطع كشمسنا يُسطِح الأشكال، ولا يعطيك الشكل الحقيقي، حيث ترى فقط الألوان القاتمة، إضافة إلى تقديري الخاص، في أن كثافة الألوان أو قوس قزحية الألوان، لا تعطيك المعنى والعمق الحقيقي للأشياء، وهذه الأسباب مجتمعة دفعتني لاختزال الألوان واكتشاف درجات لونية جديدة”. فالصلحي هو الطفل الذي التجأ إلى التشكيل في صباه الباكر حينما تأمل “اللوح” و”الشرافة”، في خلاوي تحفيظ القرآن، واتخذت أعماله – في نهاية الأمر – موقعها في المتاحف العالمية، إلى جوار أعمال بيكاسو ورفاقه من أساطين التشكيل. ونحن هنا نحاوره في كل ذلك، ليحدثنا عن تاريخه مع التشكيل، وعن عمله بوزارة الثقافة، وتأسيسه لمدرسة الخرطوم للتشكيل، وعن حاله في مهجره البعيد، ومساهماته الثرة في الفن التشكيلي العالمي، في نصف قرن من الزمان.

 

تعلمت رقص الجاز إبان دراستي ببريطانيا وكانوا يلقبونني بالراقص القاتل

 

أداء دور “الشيخ الحنين” في فيلم عرس الزين تجربتي الوحيدة في التمثيل السينمائي

 

اهتممت بالمسرح وفنون الستارة والكواليس والمكياج في المرحلة الوسطى و الثانوية من دراستي

 

ألا تعتقد أن تاثير دخول العرب المسلمين في السودان أثر في بقية التقاليد الموروثة كالاحتفالات أثناء الحصاد والرقص ومناسبات الزواج والختان..الخ؟

لم يؤثر كثيراً لأن هذا جانب شعبي وهو قوي، والناس يقومون بهذه النشاطات مهما كان وإلى الآن، ومنذ فترة من الزمن حاولوا إيقاف الرقص والأغاني والموسيقى وكذا وكذا لكنها إستمرت، وإن لم تكن بالشكل الأول لأنها كانت مرتبطة بالطقوس والتقاليد والعادات، لأنه عندما تنفد المعتقدات، لابد أن يكون هناك بديل، وللأسف البديل لم يأتي  في جانب الفنون، وهي الأكثر تضرراً من هذه المسائل.

أعود بك إلى الوراء قليلاً متى حضرت إلى بريطانيا  أول مرة وما هو أكثر شئ لفت إنتباهك في لندن كفنان تشكيلي؟

جئت إلى بريطانيا في العام “1954”، وما لفت نظري هي البيئة بالذات، وجدت الخضرة والجو المنعش مع التشكيل الهندسي الجميل، وسقوف المنازل، والناس تتحرك بنشاط وهمة، مثلاً نحن عندما تهطل الأمطار عندنا في السودان الناس لا يخرجون من منازلهم، لكن هنا لفت نظري خروج الناس أثناء إنهمار الأمطار بشكل عادي، فقط بعضهم يحمل المظلات لتقيهم من الأمطار، والتي لا توقف عمل، ولا نشاط، ولا حركة.

الناحية الثانية لفت انتباهي الإنتظام في الطرق والمكاتب والنظافة والترتيب والدقة، والحياه في قمة دقتها، وبعد أن بدأت أتعرف على بعض الناس وجدت عندهم الصدق والأمانة وقليلاً جداً ما تجد شخص يكذب أو يخون العهد والأمانة، ووجدت كمية من القيم وقد طوروها، وأصبحت جزءاً أساسياً من حياتهم، وأتذكر نحن أقمنا في سكن لمدة اسبوع ولم نذهب للتسجيل في الجامعة، وعندما افتقدونا وهم كانوا على علم بوصولنا منذ اسبوع، أرسلوا لنا شخصاً سأل عن أسباب عدم حضورنا للتسجيل، فقلنا له كيف نتحرك وهذه الأمطار تهطل بكثافة؟ .. يضحك… وجاءت إجابته:” إذا كانت الأمطار ستؤثر فيكم، فإنكم لن تتعلموا شيئاً. وكان معي المرحوم “عبد الله محي الدين الجنيد”، و”نصيف اسحق جورج”، من أبناء امدرمان، وبعدها جاءنا “الماحي اسماعيل”.

يقال عندما ذهبتم من المطار إلى السكن وجدتم الجرسون كان خواجة جاء لخدمتكم وفي ذهنكم أن الخواجة لا يمكن أن يمتهن مثل هذه المهن المتدنية؟

مش الجرسون خواجة فقط بل حتى الذين يخدموننا في المكان الذي نسكن فيه كانوا خواجات، عمال نظافة وسفرة …الخ، وهؤلاء في السودان يكونون مُدراء، ومفتشين ..الخ في المراكز، وهنا يعملون في هذه الوظائف، وهي بالنسبة لي كانت غريبة، وكنا متوقعين أن من يخدمونهم كما حالنا في السودان خدم أو عبيد “ناس سود”.

عندما أخذوكم من المطار هل ذهبتم إلى الفندق مباشرة؟ وما هو شعوركم وهناك خواجة أبيض في خدمة اناس سود؟

بدأنا نتساءل عن كيف وصل هؤلاء الناس إلى هذه الدرجة، وصاروا خدم ويكنسون الشوارع، ويعملون كعمال، وفي ذهننا أن الخواجة هو المدير والمفتش ومدير المركز و”حاجات كبيرة كبيرة”، هذه كانت غريبة علينا، وكان الخدم عندما يحاولون حتى أن يرفعوا شئ نقول لهم اتركوه نحن من سيفعل ذلك.

كيف كان وقع ذلك عليكم هل شعرتم بأن هؤلاء الناس متساوون أم أن هؤلاء الجرسونات والعمال من طبقات اقل تعليماً؟

نحن فهمنا أن هذا وضع آخر ونحتاج إلى زمن حتى نتمكن من التعرف والتأقلم عليه، وكان الوضع غريباً وغير طبيعي، والناس هنا لا تتأفف من العمل، ولكن “ناسنا”، في السودان، وبحكم العقلية هناك وظائف لا يمكن أن يعملوا فيها أبداً، بإعتبار أنها أدنى من أوضاعهم. لكن الناس هنا لديهم نظرة واقعية نحو العمل، والعمل مشرف بالنسبة لهم، فالإنسان العامل أفضل من الإنسان العاطل الذي يكون عالة على من يعملون.

هل حاولتم العمل اثناء العطلات الدراسية لتوفير بعض المال؟

لا، نحن كنا مبتعثين من الحكومة، والمبلغ الذي كان يصرف لنا كان كافياً جداً بالنسبة لأقراننا، وكان وضعنا كأننا أبناء أثرياء، وأتذكر كانوا يعطوننا مبلغ “33” جنيه في الشهر، وهو مبلغ ضخم في ذلك الزمان، وكنا “مرتاحين” جداً، وحتى أقراننا الذين كانوا يأتون لزيارتنا، كنا نمارس معهم الكرم السوداني، وندفع لهم في المطاعم والكافتريات، وبالتالي بعضهم إستغل هذه الناحية، وكانوا يأتون إلينا مباشرةً وخلقنا معهم علاقات صداقة ومودة.

هل ذهبتم إلى المراقص الليلية مع زملاءكم الطلاب؟

المراقص العامة تعرفنا عليها لاحقاً، لكن في الأول في الكلية كان عندنا فرقة لموسيقى الجاز، وكل مساء جمعة كانوا يقيمون حفل. وهو المكان الذي تعلمنا فيه الرقص، وأنا بالذات تعلمت رقص الجاز “الجايفينق”، والرقص السريع، وكنت قد اشتهرت بين الناس بأن لي خبرة في مجال الرقص الأفريقي وإيقاعاته، وأشياء كثيرة يأخذها الناس كأنها واقع. مثلاً عندما كنت في السودان كنت أخجل حتى من أخذ الشبال، وعندما جئت إلى انجلترا تعلمت الرقص بالذات، والبنات اللائي كنت اراقصهن كُن طالبات معي في الكلية، وكانوا يسمونني بـ”الراقص القاتل”، وقد كنت لا أتعب من الرقص رغم انه كان ذو إيقاع سريع، وكنت عندما أرقص مع اي واحدة من زميلاتي الطالبات يرفضن ويقلن لي:”أذهب إلى واحدة اخرى لتقتلها”، “شوف آخرتا بقوني كتال” … يضحك… أنا كنت مهتم بالفن الحركي، وأنا في السودان أنظر إلى الرقص القبلي وأندمج معه رغم انني لا أشارك فيه. لكن هنا بالذات إختلف الأمر وكان الجو جميلاً.

عندما كنتم تدخلون المراقص كمجموعة من السودانيين هل كان دخولكم يلفت إنتباه البنات وكانت نظراتهن نحوكم مختلفة؟

الفنانين ليست لديهم فوارق بين الألوان، وأنا لم أجد سوى واحد فقط من نيوزلندا، وكان لا يجيد الرقص، وتتضارب أرجله  مع بعضهما والبنات كن يحاولن إجتذابي كي اراقصهن، وكان ذلك يثير حفيظة هذا الشخص النيوزلندي، والذي كان يقول لي “أيها الزنجي الحقير”، وقد قضى عاماً واحداً وعاد من حيت أتى، لكن الانجليز لم تكن لديهم عنصرية وطبعاً بعض الناس كانوا يرون أن الافارقة لا يعرفون شيئاً سوى الرقص والغناء، ويحكمون بشخص واحد على الكل، لكن “ما كان في مشكلة”.

في تلك الفترة هل فكر أي منكم في الإقتران بخواجية؟

نحن طبعاً في تلك الفترة أتينا من بلد به تفرقة بين الجنسين وما في طريقة تتعرف على شابة كما هو حادث الآن وهذا كان سلوك سوداني، وهنا وجدنا تعاطفاً من بعض البنات، وبعضهن قد ينفرن من السود ولا يخالطوهم، هناك من يحاول أو تحاول التعرف عليك وهي مجازفة لمعرفة هؤلاء السود. وأنا عرفت الحب لأول مرة وحب المرأة على قدم المساواة والإنسان الذي تعرفت عليه وشعرت انه قريب من نفسك ويحصل الإختلاط والإقتران.

عندما جاءتني البعثة وسافرت وبعد أن وصلت إلى بريطانيا وأثناء تواجدي فيها تعرفت على شابة انجليزية وهي كانت زوجتي الأولى وبعد فترة من الزمن تزوجنا كان ذلك في العام 1956 اي قبل ان تخلص فترة الدراسة.

عندما خلقت علاقة مع زوجتك الاولى وهي زميلتك في الدراسة هل تقدمت لخطبتها على الطريقة السودانية وهل وافقت اسرتها بإرتباطها بشخص أسود؟

والدها كان رافض جداً وجاء إلى الكلية وطلب منها عدم الإرتباط بهذا الأسود وهو كان عنصري، لكنها رفضت وقالت لي دعنا نتزوج وذهبنا إلى السودان وأمضينا 13 عاماً هناك ومن ثم افترقنا، وأنا قبل الزواج كنت احدثها عن السودان وبالتالي كانت لديها خلفية وهي كانت تعرف انها ستذهب لتعيش هناك وكانت لديها رغبة في ذلك ولتساعد في بعض النواحي الطبية.

في زواجك منها ذهبتما إلى الكنيسة؟

لا.

هل انتهت علاقتها بوالدها؟

لا بعد عام من زواجنا كنا قد رزقنا بابننا محمد سامي، وبعد ذلك والدها تقبل الفكرة وجاء لزيارتنا في السودان وأنا لم اتحدث معه لكن مجيئه إلى السودان يعني انه قد تنازل خاصة وانه شخص عنصري.

هل أقام معكم في منزلكم؟

لا أنزلناه في الفندق وبعد ذلك جاء إلينا في امدرمان وقابل والدي وعملنا له حفل عشاء وهو كان صامت اثناء الحفل وكان يرتدي نفس ملابس الانجليز ولحسن حظه كان الطقس بارداً وحفل العشاء هذا كان في دارنا في العباسية وهو بيت طين عادي وكان عدد الحضور بسيطاً ولم يكن هناك خواجات خلافه وابنته أي زوجتي.

تجربتك في التمثيل في عرس الزين هل كانت لديك خلفية وكيف جاءت الفكرة؟

أنا كنت مهتماً بالجانب المسرحي وليس كممثل مهتم بفنيات المسرح وفنون الستارة والكواليس والمكياج خاصة. في المدرسة الثانوية و المدرسة الوسطى  لم يكن هناك مجال، في المدرسة الاهلية كان هناك يوم مفتوح تقدم فيه المسرحيات وفي الثانوي اهتميت بالمسرح اكثر خاصة واني كرسام كنت أحب أن أكون موجوداً ومشاركاً في الأعمال المتعلقة بالستائر والكواليس كما كنت اشارك في عمل فن المكياج وبطريقة بدائية لانه لم يكن لدي فكرة حول عمل المكياج الحقيقي مثل المساحيق والملبوسات ..الخ واتذكر كنت استعمل الصمغ وحب الشاي لابراز الشوارب واللحية.

فيما يتعلق ومشاركتي بالتمثيل في فيلم عرس الزين حقيقة أنا لست ممثلاً وعرس الزين بالذات الاستاذ خالد الصديق اصر علي إصراراً شديداً وقال لي أن الشيخ الحنين الذي في باله يجسده وجهي ولابد من المشاركة وحينها كنت وكيل وزارة الثاقفة والاعلام و رفضت الفكرة لكنه اصر على موقفه وكذلك تدخل الطيب صالح، وعندما تذرعت بأنني لا أحفظ الأدوار أي النص الذي يقدمه الممثل، قال لي:”في السينما لا توجد مشكلة كبيرة كما يحدث في المسلسلات، لانه تتم تجزئة اللقطات والمناظر في التصوير، وطمأنني.

كيف حدد الاستاذ خالد الصديق انك يمكن أن تلعب دور الشيخ الحنين هل كانت لديكم سابق معرفة؟

انا كنت قد قابلته عن طريق الفيلم نفسه عندما سمعت عنه، لكن لا أتذكر ربما كان قبل ذلك وأتذكر انني كنت قد قابلته في الكويت في العام “1973” في الإجتماع الأول لتكوين اتحاد الفنانين التشكيليين العرب، وبعد كتابته لنص الفيلم تعرفت عليه أكثر وأكثر وسافرنا إلى الدبة و كرمكول.

هل يمكن أن تحدثنا عن المواقف الطريفة والمحزنة اثناء تصوير فيلم عرس الزين؟

نعم أنا كدت أن أموت أثناء تصوير هذا الفيلم. هناك مشهد الشيخ الحنين يأتي إلى القرية وبعدها يأتي إلى كرمكول ومنها يذهب إلى الصحراء وبالتالي التصوير كان في شهر رمضان وقد كنت صائماً وذهبنا إلى الدبة وعبرنا النهر لنقطع الرمال في الصحراء والمفروض المشهد يكون جاهز من بعيد بإعتبار اني قادم إلى القرية ومن القرية سأرجع بعد فترة من الزمان.

ولكي نختصر الموضوع بدأنا بالعودة بدلاً عن المجئ كسباً للوقت وكنت ارتدي سروالاً وعراقي حاملاً معي الفروة والابريق ودارع المسبحة فوق رقبتي وسخونة الرمال كانت تعادل سخونة الربع الخالي ووضعت رجلي فوق الرمال فغطست رجلي حتى الركبة وكانت الرمال عبارة عن نيران ملتهبة تشوي شواء كأنها فرن وعندها حاولت أن اضغط رجلي الاخرى لأسحب الاولى من الرمال فانملص الحذاء وذهبت حافياً وأنا كنت أحمل جهاز (ووكي توكي) لأعود عندما يطلب مني ذلك وأثناء سيري شعرت بنار شديدة كأنها جمر واكتشف أن بطارية ال(ووكي توكي) كانت منتهية وكلما أذهب كان حلقي يجف وأصبح كأنه ممتلئاً بالدقيق ولا تنسى انني  كنت صائماً وحينها شعرت انني في مواجهة الموت وجهاً لوجه وبدأت أتشهد والمسافة كانت بعيدة وقلت إذا واصلت المسير يمكن لهذه الكثبان الرملية أن تغطيني، لذلك قررت العودة بما تبقى لي من طاقة في جسدي وباقي المجموعة العاملة في التصوير قالوا لي انهم كانوا ينادونني عبر ال(ووكي توكي) وقلت لهم انني لم أسمع لهم اي صوت ولحظتها اكتشفنا ان البطارية كانت منتهية، هذا يوم لا يمكن انساه أبداً ما حييت. ولولا صداقتي العميقة بالطيب صالح لما أقدمت على قبول تلك الفكرة. هناك مشاهد تم تصويرها في الجريف لأن الشيخ الحنين كان يطوف بين عدة مناطق وبالتالي المشاهد كلها اخذت وقتاً طويلاً وأنا كنت متأثراً لشئ واحد وهو مشهد من ناحية تشكيلية بحتة شكلي وأنا راجع (مكندك) بالرمال ووجهي جاف وكان هناك مشهد اظهر لي بعض الرمال في جبهتي، عندما تم عرض الفيلم وشاهدته لأول مرة في الكويت قلت له في مشهد العودة إلى القرية قاطعاً كل تلك المسافة منظر وجهي كان بشعاً فقال لي حذفنا بعض الأشياء وقال كانت هناك دومة لديها شلختين في شكل سبعة والشيخ الحنين كان قد انتصر على ظروف الحياه العادية، وانه رجل قوي ولا تهمه قسوة الحياة مهما كانت. التأكيد لو كان عرض المشهد الذي كنت متعباً فيه لكان قد عكس الفكرة نفسها.

هذه كانت تجربتي الاولى والاخيرة مع التمثيل السينمائي وأنا كنت اقدم بعض البرامج في التلفزيون مع الناس وبيت الجاك وكذا وكنت أعمل مقابلات واشرف على إدارة البرامج لكن التمثيل السينمائي فقد تبت منه توبة نصوحة إلى الله. وانا بقدر ما اصريت وقلت لخالد الصديق التمثيل عايز خبرة وأنا لا أحفظ النصوص الطويلة وبالتالي العذر الحقيقي أنا كنت مشغولاً جداً في الوزارة لانني كنت أعمل على إعادة تنظيم العمل فيها ومن ناحية مهنية هذا لا يجوز مما إضطرني لأخذ إذن من الوزير عمر الحاج موسى.

هل مارس عليك الطيب صالح أو خالد الصديق اي ضغوط لتقبل دور تمثيل شخصية الحنين أم انك شعرت بانك يمكن أن تقدم شئ؟

من ناحيتي عملت شئ ارضى الطيب صالح وكان يصعب علي أن ارفض له طلباً وكان ذلك هو السبب الحقيقي بعيداً عن اي شئ آخر، أعتقد انني وللحقيقة قد إندمجت في الدور بعد أن استوعبت الفكرة وفي الأول كانت هناك زيارات للأولياء الصالحين واهل القبب والمشي في المروج والحدائق والمزارع العامة هذه كانت جولة يذهبها شيخ الحنين يطوف على حيرانه ومؤيديه، بعد ذلك ذهبنا إلى كرمكول ولو عرفت ذلك من الأول لكنت صرفت نظر عن الموضوع، لكن الطيب صالح رجل فاضل وخالد الصديق حبوب وممتاز لذلك تقبلت الفكرة واندمجت في الدور واعتقد انني أديت الدور بشكل مناسب. رغم اني مهتم جداً بالفن السينمائي كمشاهد أفلام وبرامج وقلت لهم هناك شئ واحد وأنا طبعاً عملوا لي مكياج وركبوا لي باروكة وذقن ولكن انا اتابع الفيلم كمشاهد لاحظت أن يدي كانت يد شاب صغير وشعري فيه شيب والباروكة مع الشعر لم تكن مناسبة وبالتالي كان هناك فارق بين الاثنين وهم لم ينتبهوا إلى ذلك يعني كان مفروض تحصل كرمشة للأيدي حتى تتناسب وشكل الوجه والعمر. كنت مع المرحوم “جاد الله جبارة”، والذي طلب مني في مرة من المرات أن أكون معه، قال لي انك ملاحظ دقيق، وأريد منك أن تنظر إلى بعض الأشياء لانه في السينما يحاولون عمل تدقيق مثل “ماذا كان يرتدي الشخص آخر مرة؟ وماذا كان يضع في جسمه، ليظهر نفس الشكل في حالة إعادة التصوير.

كان هناك مشهد بيني وبين “علي مهدي”، والذي كان يقوم ببعض الأعمال البهلوانية، والشيخ الحنين كان يحب هذا الشاب، وأتذكر كان الناس يتسألون هل تم تكسير أسنان علي مهدي أو إزالتها، لكن في حقيقة الأمر فقد تم تلبيس الأسنان التي لا يودون ظهورها عن طريق الزفت فظهرت سن واحدة فقط.

أتذكر عندما ذهبنا إلى “كرمكول”، في منتصف الليل، ذهبنا إلى زيارة العمدة لنتعرف عليه، ونأخذ شيئاً عن الظروف التي عاشها الطيب صالح وكل الروايات التي كتبها، وهي تجسيد للواقع، حتى أنه قال لنا أن الطيب صالح وفيما يتعلق بكل الروايات التي كتبها، هناك اناس حقيقيين أخذ عنهم الطيب صالح وقولبهم بصورة فنية في رواياته. والطيب صالح كان قد أخذ تفاصيل حياة الناس الموجودين، والمزارعين بالذات وأحاديثهم وظروفهم، وهي الظروف الحقيقية الموجودة في البلد كما هي، وهو صادق فيها وبنى حولها بتشكيل روائي، ولم يحدث فيها تغيير إنما هم شخصيات حقيقية لكنه عبر عنهم أدبياً.