د. حيدر إبراهيم علي
ظلَّ الإسلامويون السودانيون في الفترة الأخيرة يتبارون في نقد حركتهم بما يشبه نعيها بأسلوبٍ رحيم متجنبين صدمة الفراق والفقدان ثم دفنها بجلالٍ واحترام ولكن الوفاء ليس من شيم الإسلامويين، وفي هذا الصدد يكفي النظر لشعائر قتل الأب في مفاصلة عام 99 الشهيرة واعتقاله وإذلاله، ولعل الأب نفسه لم يستغرب فعلتهم تلك لأنها نتاج تربيته .. كان علي الإسلامويين لو كانوا أناساً طبيعيين – بعد النقد والشجب الذي كالوه لمشروعهم الحضاري – أن يكرموه بالتشييع اللائق.

ليس من أغراض هذا المقال لوم أو إدانة الإسلامويين فهم يستحقون الشفقة والعطف أكثر من اللوم والإدانة، وحالهم الآن أقرب إلى شخوص تراجيديات سوفوكليس الإغريقية أو إلى هاملت شكسبير: ضائعون، حائرون، مترددون وممزقون داخلياً .. كانوا يبشرون بيوتوبيا إسلامية في السودان، فإذا بها تتحول إلي ديستوبيا (dystopia)، وعدوا بالمدينة الفاضلة فجاءوا بالمدينة الفاسدة، أعلنوا أنهم يريدون استعادة مجتمع المدينة المنورة، ولكنهم شيدوا مجتمع المدينة المظلمة حرفياً بانقطاع الكهرباء ووأد التنوير.

رجعت إلى تصورات منظري الحركة في السنوات الأولى لتطبيق ما يسمى بالمشروع الحضاري الإسلامي، (مجلة قراءات سياسية الصادرة عن مركز دراسات الإسلام والعالم، Tampa، العدد الثالث السنة الثانية صيف 1412-1992)، حيث كتبوا عن السودان وتجربة الإنتقال للحكم الإسلامي، وفي هذا السياق يقول التيجاني عبد القادر عن سرية وضعف نظام الإنقاذ في البداية: (بالرغم من المدارة والترفق والتمسك بشعرة معاوية، فإن للإسلام شعائر لابد أن تظهر وحدوداً لابد أن تقام ولهجة لابد أن تُعرَف، والقرآن يذكِّر المسلمين بأن الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفون الإسلام كما يعرفون أبناءهم – الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم – لقد عُرِفَت الانقاذ منذ عامها الأول بأنها ذات صبغة إسلامية وصارت تُعامَل علي هذا الأساس)، ثم يواصل قائلاً: (وأمام الضغوط الداخلية والخارجية لم يكن أمام ثورة الإنقاذ إلا أن تحتمي بالعمق الشعبي، أي أن تنقل جمهور المسلمين من هامش الحياة إلى داخل حلبة الصراع متجاوزة الأعراف الاستعمارية والأطر النظامية التقليدية التي كانت تمر عبرها السلطة والثروة ولكى تتضح منهجية التجاوز هذه، يمكننا أن نذكر النماذج التالية التي سارت عليها ثورة الإنقاذ: أ- الدفاع الشعبي، ب- الدبلوماسية الشعبية، ج-الغذاء الشعبي، د- التعليم الشعبي المستمر، هـ- نطام المؤتمرات الشعبية .. غير خط الحركة الإسلامية الحديثة المتمثل في تفكيك دولة ما بعد الإستقلال العلمانية وإعادة ربطها بمنظومة المفاهيم والقيم الإسلامية – ص53) وهنا خطيئة الإسلامويين الكبرى، فقد قاموا بتفكيك الوطن والمجتمع وليس الدولة العلمانية المتوهَمة التي أدارها حزبان دينيان طائفيان منذ الاستقلال عام 56 .. وما لبث التيجاني أن أصبح من أوائل المُحبَطين حين تساءل مبكراً: (العسكريون الإسلامويون، أمناء على السلطة أم شركاء فيها؟)، ثم صار يكتب عن الفتنة لوصف الوضع الذي بشر بخيراته.

أما المقال الآخر في تلك الإصدارة، فقد كان لمحمد محجوب هارون الذي كان وقتها متحمساً ونشطاً بين لندن والخرطوم، قبل أن يدفن في حفر الإسلاميين العديدة والخبيثة .. كان مقاله بعنوان: (المشروع الإسلامي السوداني “1989-1992” حصاد التجربة وآفاق الغد – ص59)، والذي ختمه بقوله: (إن ثورة الإنقاذ تطرح مشروعاً حضارياً مضامينه إسلامية، ووسائله إعادة تفعيل الدين وتشغيل دينامياته وتحريك سكونه، وغايته بناء مجتمع إسلامي معاصر في أمثل صورة).

أما عبدالوهاب الافندي، فقد كان من أوائل المطالبين بالنقد الذاتي بعد اكتشافه لـ (السوبر تنظيم) وظل ناقداً مثابراً للتجربة، ولكنه رغم ذلك يقول أنه ما زال إسلامياً !! .. لقد حيرتني هذه المكابرة، ولكنني تذكرت أنهم أبناء الترابي.

وقفزت إلى ذهني الحادثة الموحية وذات الدلالة والتي رواها الشيخ/ عيسى مكي عثمان أزرق في كتابه (من تاريخ الإخوان المسلمين في السودان)، حيث يقول في ص 105: (أثيرت قضية الأخ الركابي التي فحواها شكواه من التصريح الذي نشره حسن الترابي في شأنه بخصوص مهاجمة الصادق المهدي فيما يحتص بقضية فلسطين، فقد صرح الترابي أن المحرر الذي هاجم الصادق “محرر غير مسؤول” .. وطالب الركابي في شكواه لأعضاء المجلس برد اعتباره أمامهم بصفته المسؤول عن الجريدة “الميثاق”، لأن التصريح المنسوب لأمين عام جبهة الميثاق فيه إساءة له .. وعندما طلب الحاضرون من الأخ حسن أن يعتذر له، رفض حسن بحجة أنه لم يتعود أن يعتذر أمام الملأ !!، وأحيل الأمر للمكتب التنفيذي لتتم معالجته هناك).

المقال القادم: (الإسلامويون والمكر السيىء)

تعليقات الفيسبوك