د.عقيل سعيد محفوظ*

لدى أردوغان فلسفة خاصة بشأن فلسطين، أن تتكلّم عنها بما يريده جمهورك، وأن تفعل ما تقتضيه مصالحك وارتباطاتك. ولا داعي للقلق بشأن أن يُخالف فعلك قولك. وهو هنا، لا يختلف كثيراً عن أكثر الزعماء العرب والمسلمين، بل يزيد عليهم أحياناً في مواقف وتصريحات يتخيّر لها توقيتاً وتظهيراً مناسبين.

يبدو أن أردوغان أخذ دروساً بليغةً من طريقة تعاطي الزعماء العرب مع فلسطين، كأن يقول أو يعلن شيئاً معها وضد إسرائيل، فيما يفعل أشياء مُناقضةً بالتمام؛ وأن يحرص على الطقوس الخطابية واللفظية الداعمة لفلسطين وشعبها، والمناهضة لإسرائيل؛ وأن يكون لديه جمهور يؤيّده في ما يقول، ولا يدقّق في ما إذا طابق قولُهُ فِعْلَهُ. والأهم هو أن يكون لديه من أهل القضية نفسها مَن يواليه، ويكيل له المديح، ويقول له ما يودّ هو سماعه، وما يودّ إسماعه لجمهوره وللآخرين. 

وقد حدث أن تمكّن أردوغان من الحديث كثيراً عن فلسطين، من دون أن تتأثّر صلاته العميقة مع إسرائيل أو مع اللوبي الصهيوني ومؤيّديه في الغرب وحول العالم، حتى بدا بنظر كثيرٍ من الفلسطينيين والعرب الآخرين، والترك بطبيعة الحال، كما لو أنه مُمسِك بلواء القضية، قابضاً على الجمر، مُعادياً لإسرائيل، أو أنه الأكثر مُناهضة لها بين العرب والمسلمين!
تتّسم القضية الفلسطينية بجاذبية عالية لدى شعوب المنطقة، العرب والترك والإيرانيين وغيرهم، وقد خبر أردوغان ذلك، وأمكنه على الدوام توظيفه في السياسات الداخلية والخارجية، وثمة منافسة بينه وبين خصومه في هذا الباب، وخاصةً أنه يريد تزعّم “العالم الإسلامي” أو بالأحرى “العالم السنّي”. ويبدو أن تواتر الكلام عن القضية ومحاولة استثمارها في السياسة يتّخذ طابعاً تكرارياً أيضاً، وخاصة في المناسبات الدينية، والاجتماعات والمنتديات والقمم السياسية والاقتصادية وغيرها، وبالأخص خلال الاستحقاقات الانتخابية، كما يحدث اليوم في تركيا المقبلة على انتخابات رئاسية وبرلمانية مُبكِرة في 24 حزيران/يونيو المقبل، والتي من المتوقّع أن تؤدّي إلى تطوّرات كبيرة في طبيعة النظام السياسي والدولة.
وفي الأنماط التكرارية لسياسة أردوغان حيال فلسطين، أنه يتحدّث عن مُعاناة الفلسطينيين، وينتقد بشدّة ممارسات إسرائيل ضدّهم، كنوع من التسويق الانتخابي وتحفيز المخيال الديني والسياسي لدى الناخبين في تركيا، بوصفه الرجل الحامي لتركيا والمدافع عن “دار الإسلام”، لكن من دون أن يتأثّر التبادُل التجاري، ولا أن ينخفض عدد رحلات الخطوط الجوية التي بلغت 9 رحلات يومياً، ومن دون أن يطرأ أي تغيير على برنامج التعاون العسكري والأمني معها.
وإذا عدنا إلى مُنظِّر حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو في كتابه “العمق الاستراتيجي”، سوف يتّضح لنا الأساس المعرفي المكين للعلاقات بين تركيا وإسرائيل، إذ تُمثّل إسرائيل ضرورة استراتيجية لتركيا، بوصفها عامل توازن في العلاقات بين أضلاع المثلّث الاقليمي: العرب، تركيا، إيران، فضلاً عن الحاجة للعلاقات مع اللوبي اليهودي والغرب. وقد ذهب داوود أوغلو، إلا أن آراءه وتقديراته السياسية لا تزال حاضرة.


هذا يُفسّر كيف أن التوتّر في العلاقات بين تركيا وإسرائيل على خلفيّة الموقف في فلسطين المحتلة، يكون في الشكل وليس المضمون، في القول لا في الفعل، وكيف أن الطرفين يجمعهما إلى جانب السعودية وأطراف أخرى، تحالف مُناهِض لحلف المقاومة، وأن أردوغان يحافظ على خطوط تفاهمٍ عميقٍ ودقيقٍ مع إسرائيل والغرب حيال إيران والأزمة السورية، و يتحسّب موقعه ودوره ومكاسبه في “صفقة القرن” مثلاً، التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية بصورة نهائية.
ما يفعله أردوغان حيال فلسطين والأطماع الإسرائيلية اليوم يُوضِّح ما فعله السلطان عبد الحميد حيالهما قبل أكثر من مئة عام، ثمة خيط يجمع موقف الرجلين من القضية، ذلك أن ظاهر الأمور يختلف عن باطنها، والقول بمُناهضة الصهيونية، وحدوث بعض التوتّرات الثنائية، يخالفه واقع التعاون بل التحالف المستمر بلا انقطاع بين تركيا وإسرائيل. وسوف تبقى قضية فلسطين عنواناً مُربحاً للرجل طالما أن أقصى ما يفعله هو الكلام، و”كَبُر مُقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.

*دكتوراه في العلاقات الدولية – باحث وكاتب وأكاديمي سوري. له دراسات وأوراق بحثية عديدة عن سوريا وتركيا، والشرق الأوسط – المقال نقلا عن صحيفة (الميادين)

تعليقات الفيسبوك