خالد فضل

حالها كحال الصبي الشقي الذي خاصم أهله وأدعى هروبا من منزل أسرته , فلمّا أجنّ الليل وأظلم الكون أمام ناظريه وهو في وهدته تلك بين الفيافي ووسط الأحراش يجاوبه صدى أنفاسه اللاهثة وتحشرج في سامعيه أصوات دبيب هوام الأرض وصريرها , وتلامس جسده ملامسها الخشنة والناعمة , في تلك اللحظات يتمنى عودة للبيت بأي ثمن , لا يصدق عندما يسمع صوتا من بعيد ينادي باسمه فيتعمّد في البدء أن يُبدي مقاومة فلا يجيب , ولكنه عندما يشعر بابتعاد الأقدام عن مكمنه ذاك ويعود الليل يلفه بعبائته الدامسة تلك , تنكتم أنفاسه مرّة أخرى ليبدأ رحلة التنازل التدريجي عن المكابرة البائرة , يبدأ في خشخشة الأقدام , وتحريك الأيادي وإدعاء القحة وكرير الصدر ليلفت تلك الأقدام الرائحة إلى مكانه حتى تعود فتنقذه من ورطته إياها , وبالفعل تهدأ لوعته كلما شعر بإقتراب لحظات الإنقاذ ويتأهب لرحلة العودة , أمّا إذا تُرك هكذا دون أن يقتفي أثره أحد , فإنّه حتما سيلتمس طريقا يتلصص عبره حتى يلج رة ثانية إلى المنزل دون أن يشعر بأوبته أحد .

   تلك حالة الإنقاذ مع المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي ؛ بدأت عهدها بالهروب من أي إلتزام وعهد وميثاق يربطها بمن حولها , وتحت شعارات فضفاضة وهتافات تصمُّ الآذان تنطلق بها حناجر مدربة على الصياح , نأكل ممما نزرع , شريعة سريعة ولا نموت الإسلام قبل القوت , استقلال القرار , الزارعنا غير الله إجي اقلعنا , فرعون مصر وفهد السعودية المروّض وتنابلة الخليج الأمريكان , وأمريكا وروسيا قد دنا عذابها …. إلخ , وممع كل زخة هتاف تتباعد الخطوات عن المجتمع الدولي والإقليمي , تزداد وتائر الإنكفاء على الحركات والجماعات الإرهابية بزعم نصرة المسلمين والإسلام , تتدفّق أموال بن لادن , وتنسحب قروض الصناديق العربية وهبات الدول المانحة , تمتلئ الخرطوم بذوي اللحى الممتدة والأزياء الفضفاضة الغريبة , وتخلو رويدا رويدا من ربطات العنق الأنيقة والوجوه الحليقة , تجوب في طرقاتها الخيام السوداء , واللهجات الدخيلة , وتنسحب (ست اللهيجى السكرى) وفتنة  التوب والقوام , تضمحل في الخرطوم حلقات الثقافة وجلسات الأنس اللطيف , ومنتديات الذوق الرفيع , ويعلوها غبار (الجكة دي لله ) , يخبو بريق الإنفتاح على العالم وبعثات التبادل العلمي لطلبة الجامعات وحتى (الإجازات السبتية ) لأساتذتهم , فهذا زمان الخليفي وبعثات القتل والترويع .

  تسود العزلة ويصبح العميد فريق ثمّ مشيرا ترصع كتفه العلامات , فتزوي مهنية القوات المسلحة تحت وقع سنابك التمكين لأبناء (المصارين البيض ) من سدنة التنظيم , ويصبح الدفاع الشعبي فرض عين على المهنيين ,وتتراص الفيالق في الميادين لفتح العالم أجمع ! والمجتمع الدولي والإقليمي يرصد ويحلل ويقرر ؛ فتكون أكبر عزلة للسودان في العصر الحديث , تعود السفريات من مطارات العالم بخيبة الجواز السوداني الممجوج , يتعاطى السودانيون جوازات تشاد والصومال عمدا لينجُ من ينجُ من مقصلة منع التأشيرات , وليحصل بعضهم على عقودات العمل في بلدان حرّمت على السودانيين العقودات , وليبصم مجلس الأمن الدولي على أكثر القرارات عددا ضد حكومة الإخوان في السودان مذ رُسمت للسودان خريطة بين البلدان , ويتناوب المقررون الخاصون بحقوق الإنسان المهام هذا يروح ويخلفه خبير , وسيرة العطن في الداخل تفوح بروائح الحرب الكريهة , وبيوت الأشباح الذميمة , وصور القمع والقهر المقيتة , ومع ذلك (حنفوق العالم أجمع) , والعالم يصل إلى مشارف فك شفرة الجينوم , ويودّع د. الباقر العفيف جدّه العباس بغير أسف !

   جاء العام 1998م محمّلا بزخات المطر في أغسطس , وبتوماهوك تدك معاقل الوهم , فأيقن القوم أنّ زمان الدلع قد انتهى وأنّ وقت ترك الحبل على الغارب قد ولّى , فهاهو بيل كلنتون من معقله البيضاوي يعلنها داوية ( الآن يقو سلاح الجو الأمريكي بدك معاقل الإرهاب في أفغانستان والسودان )  فبهت الذي تجبّر وتغطرس على شعبه واستأسد على أحزابه وطلابه ومهمشيه , وعلم أنّ العالم حق , والقوى العظمى لا يهزها هتاف , وسرحت إسرائيل في الأجواء المفتوحة تقصف من يحمل علبة سردين معبأة بالبارود ناهيك عن مورديه ومهربيه لحماس , حتى جاء زمان تدمير مصنع اليرموك في طرف حي جبرة السكني جنوب الخرطوم , إنّه المجتمع الدولي إذا لا ريب , إنّها معادلات القوى التي لا تعترف بشعار يا صاح وإنّه قدر الصبي الهارب وهو يواجه أهوال الليل فيتلصص سبل العودة إن لاح له دليل . فيعترف قوش في طبعته الأولى بالتعاون الإستخباراتي مع (السي آي إي ) , ويعلن أحدهم عن أكبر محطة لها في افريقيا والشرق الأوسط , (أُمّك) ما قلتوا دنا عذابها !وفي سبيل العودة الخائبة للبيت الدولي والاقليمي يسارع النظامم السوداني المضطرب فكريا وسياسيا وأخلاقيا لقطع العلاقات مع إيران تيمنا بمملكة الفهد المروّض وخلفائه الميامين , وتهرول وحدات الجند وكتائبهمم صوب محرقة اليمن بزعم مقاومة الحوثيين وحماية بيت الله الحرام , ويكتمل الإنبراش أمام أوربا بلعب دور الشرطي القذر , فيتم تسليم كارلوس لفرنسا , ويتم نشر حزام من الجنجويد للجم المهاجرين غير الشرعيين عبر الصحراء وشواطئ افريقيا الشمالية , وتتعدد الخدمات القذرة ونهب الأراضي وتخصيصها بدعاوي الاستثمار , وكل ما كان يمكن أن يكون من أدبيات التعاون الدولي يحدث الآن برأس مطأطأ وعيون زائغة ولعاب يسيل طمعا في ريال ودولار وأنبوبة غاز .في هذا الواقع الذليل المقيت تأتي الزوبعة الآن حول المصادقة على سيداو , وهو ما سنحاول التأمل فيه في مقال قادم إن كان في العمر بقية .   

تعليقات الفيسبوك