أدسون جوزيف -مدون

المقدمة

مع مرور سنوات ميلاد دولة جنوب السودان ظل سؤال الأرض محورا ضروريا في العملية السياسية وشكل أهم دافع للصراعات التي أصبحت سمة ملازمة للدولة في جنوب السودان. الأرض في الجانب المادي عامل أساسي ووسيلة لإنتاج الضرورات المادية التي يحتاجها الناس للعيش من مأكل ومشرب ومأوى وأمن، بجانب المواد المكتشفة في الأرض مثل البترول والمعادن فضلاً عن الجانب الرمزي المرتبط بذاكرة المجتمع الثقافية والوجدانية والعاطفية.

مفاهيم وتعريفات:-

الرأسمالية الطفيلية: مفهوم يعبر عن فئة من الرأسمالية تعمل في مجال التداول السلعي والمصرفي بالمضاربة كأساس لعملية تراكم الثروات بالمقابل  الرأسمالية التقليدية هي تلك التي تقوم على المراكمة عن طريق العمل والإنتاج.

المجتمعات المحلية: مفهوم يشير إلى مجموعة من الناس يقيمون في منطقة جغرافية محددة ويشتركون في الأنشطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتجمع بينهم وحدة اجتماعية وقيم. في المقال هنا يتم الاشارة إليهم بهذا الاسم للتفريق بينها وبين القبيلة بعد دخول الدولة حيث أصبحت هناك مصالح وعلاقات خارج إطار القبيلة.

سبل كسب العيش:  يشار بها الى الأنشطة الاقتصادية التي تمارسها جماعة معينة وتعكس طريقة عيشهم. المفهوم مرادف لمفهوم نمط الإنتاج الذي يشير إلى نمط محدد للنشاط البشري ويعبر عن حياتهم في نمط محدد للعيش.

البعد القاري والتاريخي  لسؤال الأرض

المنظور التاريخي للأرض في أفريقيا يعبر عنها الزعيم التنزاني الراحل جوليوس نيريري (من المناهج التي جلبتها الرأسمالية عن طريق الاستعمار إلى أفريقيا الملكية الخاصة للأرض. في افريقيا الأرض كانت ملكية المجتمع كل فرد في المجتمع كان لديه الحق في استخدامها لكي يعيش. إذا لم يستخدم هذا الحق من الصعب أن يعيش) ما قاله نيريري يلخص وضعية الأرض في إفريقيا قبل مجيء الاستعمار حيث كان استخدامها متاح للجميع ولصالح احتياجات المجتمع .

ويذهب الزعيم الغاني كوامي نكروما في نفس الاتجاه حيث يقول (مثال لإحدى وسائل الإنتاج كانت عبارة عن ملكية جماعية ترجع للمجتمع والعمل كان ضروري ومعتاد للجميع،  ولكن عندما يتم إعطاء قطعة من الأرض للفرد لم تكن هناك مشاكل في الاستخدام الشخصي طالما الأرض تنتمي إلى المجتمع ويترأسها  رؤساء الإدارة الأهلية الذين  يتم التحكم  فيهم من خلال المستشارين الذين كان لديهم سلطة عزل شيوخ الادارة الاهلية) الزعيم نكروما هنا يشير إلى نقطة مهمة مفادها  أن عملية توزيع ومراقبة الأرض الممنوحة كانت تتم وفق المصلحة العليا للمجتمع وليس هناك أحد فوق سلطة المجتمع وهذا يؤكد الطبيعية الديمقراطية والتعاونية للمجتمعات الإفريقية .

نكروما أيضا أشار إلى حرية التنقل والحركة في المجتمعات الأفريقية دون قيود قبل الاستعمار حيث هجرة القبائل والإثنيات من منطقة إلى أخرى يتم حسب ظروفها وذلك الجانب يختص بملكية الأرض حيث تؤكد تلك الحقيقة أن المجتمعات الأفريقية لم تكن لديها مشاكل تتعلق بملكية الأرض فهي لكل المجتمعات . وأن الجميع كان يتشارك الأرض ولم تكن هناك نزاعات للسيطرة واستغلال الآخرين. وقد أشار والتر رودني إلى إرتباط وثيق بين وسائل الإنتاج والأنماط الاجتماعية العلاقات التي تنشأ خلال العمل. كان المبدأ السائد في العلاقات الاجتماعية يتمثل في مبدأ الاسرة والقرابة والعشيرة المرتبط بنمط الإنتاج المشاعي وكانت الأرض (كوسيلة إنتاج رئيسة) ملكية للجماعات مثل العشيرة، أو القبيلة، أو الأسرة وعلى هذا الأساس الملكية تتم عبر عملية فلاحة الأرض الخاصة بالجماعة على أساس ملكية عائلية ويكون الجميع على استعداد للمشاركة في أنشطة الزراعة المشتركة مع الأسرة الممتدة والعشيرة. وكانت عملية توزيع المحاصيل والخيرات تجري على أساس علاقات القرابة باعتبار الأرض ملك للأسرة والمنتوج حصيلة عمل الأسرة  .

أهمية سؤال الأرض في جنوب السودان

( الأرض لنا ، كل ما  في الأرض هو ملك لنا ، المعادن في الأرض ملك لنا،  البترول الموجود في الأرض ملك لنا،  الأنهار ملك لنا.. الأسماك  داخل الأنهار ملك لنا، الحيوانات الموجودة في الأرض هي ملك لنا، الجبال الموجودة بالأرض هي ملك لنا)جزء من خطاب  جوليوس ماليما  زعيم حزب المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية في جنوب افريقيا يلخص أهمية الأرض  كقضية أساسية للتحرر من نظام الاحتكار الرأسمالي الأبيض في جنوب أفريقيا. أيضا في جنوب السودان الأرض محور للحياة عندما تضعف خصوبتها أو يصعب الحصول عليها أو تنعدم فرص حيازته فإن مستوى حياة الناس يتأثر بصورة مباشرة . وحينما يترافق كل ذلك مع عوامل الزعزعة الأخرى مثل الضغوط السياسية والصراع المسلح والنزاعات العرقية وتدهور الخدمات الأساسية وانهيار البنى الهيكلية بالاضافة الى فقدان الأمن الشخصي. فإن أهالي الريف يشرعون أما في النزوح بحثاً عن الحماية في المناطق الحضرية أو يتجهون إلى حمل السلاح ضد من يعتبرونهم أعداء لهم

*تعتمد المجموعات الإجتماعية في جنوب السودان على الأرض كوسيلة لكسب العيش  للمجموعات الزراعية المستقرة والتي يحتاج نشاطها الإنتاجي إلى أراضي زراعية خصبة، بينما المجموعات الرعوية في حالة تنقل مستمر مع حيواناتها  بحثا عن مصادر المياه اللازمة للرعي. هذا فيما يختص بالريف أما في المدن  ملكية الأرض ايضا تلعب دور كبير في إنتاج الضرورات المادية التي يحتاجها الإنسان بالتحديد في المسائل المتعلقة بالسكن والمنشأت الاستثمارية وتلعب الدولة والفئات المرتبطة بها دور كبير في الصراع على ملكية الأرض .

الحق التاريخي للمجتمعات في استخدام الأرض

بالنظر الى وضعية الأرض في جنوب السودان كنموذج لدولة ما بعد الاستعمار يجب أن نستجلي  الخلفية التاريخية لمسألة الأرض لتكون الصورة أوضح. دخول القوى الخارجية كانت نقطة تحول تاريخي حيث تغيرت وضعية الأرض من ملكية للمجتمعات إلى أشكال جديدة  مختلفة من الأشكال السابقة كما تم الإشارة  إليها  في الفقرة السابقة حول البعد التاريخي للأراضي في أفريقيا  (يمثل تاريخ إفريقيا جنوب السودان) الملكية الخاصة للأرض برزت تحت أسماء مختلفة ما فتح شهية التملك والسيطرة علي الأرض. ولاحقا كان هذا أهم أسباب النزاعات حول الأرض.

الحكم المصري التركي كان أول من غير في وضعية الأرض حيث أصدر قانون الأراضي وبموجبه أصبحت كل أراضي السودان مملوكة للدولة ما عدا إقليم الجنوب حيث أصبحت الأرض تحت السيطرة التامة  للسلاطين وشيوخ الإدارة الأهلية وكانت تلك وسيلة للسيطرة على الأراضي عن طريق الإدارة الأهلية. التغير الثاني حدث إبان  الحكم الإنجليزي المصري حيث أصدر قانون للأرض الذي يفرض علي أي مواطن يريد أرض أن يبين موقع الأرض مرفقا بطلب وفي ذلك الزمن ومع قلة المتعلمين كان ذلك الشرط تعجيزيا للمواطنين. ونتج من وراء ذلك إعطاء الملكية لفئات معينة من خلالها يمكن للمستعمر أن يفرض سيطرته على الإقليم. أيضا من ضمن سياسات المستعمر التي ساعدت على ميلاد وظهور نزاعات الأرض تقسيم الحدود بين المجموعات على أساس قبلي وتغير أماكن القبائل من مكان لآخر  مما حد من التداخل بين القبائل وساهم في توتر العلاقات بينها .

بعد نيل السودان للاستقلال -عام 1956م – قامت الحكومة المركزية في الخرطوم بتغيير قانون الأراضي، تحديداً  في فترة الرئيس الأسبق جعفر النميري عام 1970، وذلك للسيطرة على الموارد الموجودة في جنوب السودان، المياه (قناة جونقلي) الذي كان  يهدف لتوفير احتياطي للمياه لدولة مصر بالتعاون مع حكومة جعفر النميري الاتحادية وتواطؤ حكومة  أبيل الير الإقليمية على حساب مصالح المجتمعات المحلية  في الإقليم الجنوبي  تلك السيطرة تمثلت في التقليل من الثروة السميكة  وتقليل الحشائش أضعف من وجود الحيوانات البرية التي يصطادونها للغذاء .ولاحقا بعد إكتشاف النفط سارت حكومة الإنقاذ في نفس النهج في استغلال موارد الجنوب لصالح النخبة في السلطة بالتعاون مع الساسة الجنوبيين المتعاونين معهم. مثل قطع الأخشاب والاستفادة من عائدات البترول كانت أهم طرق الاستغلال .

بعد تولي الحركة الشعبية للسلطة في الجنوب بموجب اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) 2005م  قامت بتغيير قوانين حيازة الأراضي لتصبح الملكية للمجتمعات المحلية. وفقا لقانون أرضي عام 2009 .

التغييرات التاريخية لملكية الأراضي في جنوب السودان أفرزت ثلاثة أشكال للملكية. النوع الأول  ملكية المجتمعات المحلية  حسب القانون أن كل أراضي الريف هي ملكية للمجتمعات المحلية وفق القانون العرفي لتلك المجتمعات وتقدر نسبة الأراضي المملوكة للمجتمعات بنسبة 87%ويتم الإشراف عليها من قبل الادارة الاهلية والحكم المحلي.النوع الثاني ملكية الدولة  وهي الأرضي المملوكة بشكل جماعي لكل شعب جنوب السودان عقدت الثقة بشكل كامل نتيجة لوجود  مستويات مختلفة للحكومة لاستخدامها  وتلك الأراضي عبارة مكاتب ووسائل الخدمات والمواصلات بالاضافة الى الشوراع والأنهار والغابات والحياة البرية التي تقع خارج ملكية المجتمعات المحلية. والقانون العرفي. النوع الثالث هي الملكية الفردية وهي الأراضي المملوكة للأفراد ومسجلة بالقانون كتملك حر أو مسؤولية مستأجرة  لفترة معينة من الزمن .

الأراضي المملوكة للمجتمعات المحلية شهدت نزاعات حول الحدود بينهم،  ونشب صراع على الموارد بين مختلف الأطراف داخل المجتمع الواحد ، بالاضافة الي تدخل العامل السياسي في إشعال النزاعات بين المجتمعات .

أعالي النيل

من أهم المناطق التي شهدت نزاعات بين المجتمعات هي مناطق الضفة الشرقية للنيل الأبيض التي تضم  مدينة ملكال ، ويقطنها مجتمعات (الشلك) الزراعية المستقرة التي تسكن في أراضي تتميز بالخصوبة العالية وتقع ضمن مناطق إقليم السافانا المناخي وتغطيها الحشائش والأشجار الكثيفة، ويمارس مجتمع  الشلك حرفة الزراعة وصيد الأسماك وتمتد أراضيهم تقريبا من بحيرة نو في الجنوب حتى نواحي كوستي في الشمال بمحاذاة شريط النيل الأبيض ، بالتحديد غرب  وشرق النيل الابيض بالاضافة الى ضفتي نهر السوباط وفقا للباحث (جيمس ا لالادينج).

والمجتمعات الأخرى هي دينكا خور فلوس وباليت التي تمارس الرعي. لعب العامل السياسي حديثاً  دور كبير في إشعال النزاع ،  في الماضي لم يكن هناك نزاع يذكر وكانت المجموعات الرعوية من الدينكا تاتي الي أرض الشلك حيث المراعي في الصيف وكانت الإدارة الأهلية تلعب دورا في تنظيم تلك العملية. لكن بعد عام 1980م بدأ نزاع حول الحدود الممتدة بينها حول مصادر المياه والمراعي في منطقة (آتار أردبب)  مع  مجتمع دينكا خور فلوس . ومع مجتمعات  وباليت و نقوك حول ملكية مدينة ملكال  نتيجة لتقلص الإنتاج في أنماط الإنتاج التقليدية وسيطرة اقتصاديات سوق العمل .تطور النزاع في بداية التسعينات بمساهمة من حكم المؤتمر الوطني وفشلت الحركة الشعبية في حل الاشكالية بل  عقدت المشكلة عندما لجأ أعضاء من تلك المجتمعات إلى الانحياز لمجتمعاتهم للاستفادة من النزاع في الحشد السياسي .

بالنظر الى الجدل حول ملكية الأراضي بين المجتمعات، فإن الحق التاريخي للمجتمعات الزراعية المستقرة (الشلك) في الانتفاع من خيرات الأرض يظل شئ مهم، كما يؤخذ في الحسبان مصالح المجموعات الرعوية في الاستفادة من الأرض وفق تفاهمات بين المجتمعات  .

غرب بحر الغزال

ماحدث في غرب بحر الغزال وبالتحديد مناطق مجتمعات لوه في نهر الجور ومجتمعات الفراتييت يمثل تراجيديا تعكس مسألة الأرض في جنوب السودان. حيث نجد أن المجتمعات الزراعية المستقرة (لوه ، الفراتييت) وجدت نفسها في صراع من أجل الدفاع عن سبل كسب العيش نتيجة للعوامل البيئية والسياسية .

المجموعة الرعوية من الولاية المجاورة( التونج) وفي فصل الصيف تكون في حالة بحث عن مراعي وتجد ضالتها في المناطق الزراعية لمجتمعات اللوة والفراتييت. في السابق كان هؤلاء الرعاة  يأتون إلى مناطق نهر الجور في فصل الصيف. من شهر فبراير حتى أبريل. ولا يتم السماح لهم بالعودة في موسم الزراعة في الخريف بتاتا، وكانت تلك العملية تتم وفق توافق بين الإدارة الأهلية والرعاة والمزارعين. لكن تغير الوضع منذ العام 2011م  ظهور عوامل جديدة حولت التعايش والتفاهم إلى جحيم. حيث لجأ عناصر من الحكومة إلى تسليح المجموعات الرعوية لتقوم بالهجوم على المزراع في فصل الزراعة والحصاد وعندما يحتج  أصحاب المزارع علي ذلك يتم الاعتداء عليهم وقتلهم  باستخدام تلك الاسلحة. مما أدى لتفاقم المشاحنات و تطور إلى نزاع مسلح متسلسل  في مناطق الفراتيت نتابو والفستاين لاحقا توسع الي بقاري وفرج الله… الخ ثم انتقلت تلك الاعتداءات إلى مناطق نهر الجور. وفي عام 2017م الى مناطق لول ومواج وكوارجينا وملينق… الخ .

تم الاستفادة من المليشيات المسلحة وتسليحها للدفاع  فأصبحت تحل محل أجهزة الدولة الغائبة وتقوم بترويع سكان تلك المناطق الغنية بقصد التهجير القسري من أراضيهم  للاستفادة من خيرات تلك المناطق لصالح قادة وممولي تلك المليشيات.

منطقة الاستوائية شهدت  أيضا ً حالات مشابهة فتم الاعتداء على الأراضي التاريخية للمجتمعات حيث نجد في ولاية مريدي غرب الاستوائية منطقة تسمي (بي دي يو)تم  نهب الأراضي الزراعية لسكان المنطقة من قبل عساكر من الجيش الشعبي .

من الملاحظ خلال تلك الأحداث أن علاقات القوة والسيطرة هي التي تحدد ملكية الأراضي حيث أعطى الاستعمار السلطة المطلقة لزعماء الادارة الأهلية في التحكم في الأرضي وقد غير هؤلاء الزعماء تبعية تلك الأراضي للاماكن اخري ، وعندما تم تغيير ملكية إلى الدولة كانت الفئات المسيطرة على جهاز الدولة فعليا هي المالك الحقيقي للأرض وتستخدمها لمصالحها الاقتصادية عودة ملكية الأراضي إلى مجتمعات بعد تولي الحركة الشعبية مقاليد الأمور في الجنوب اعادة السلطة للإدارة الأهلية في توزيع الأراضي لكن لعبت عوامل أخرى في التأثير على الادارة الاهلية منها السلطة السياسية والطموح الشخصي للثراء للتلك القيادات حيث نجد أن بعض زعماء الإدارة الأهلية يقومون ببيع الأراضي للمستثمرين بدون استشارة المجتمعات .

الرأسمالية الطفيلية ونهب الاراضي

تشكل ظاهرة نهب الأراضي في المدن دليل على التداخل بين وسائل الإنتاج باعتبارها مصدر للدخل وتراكم الثروات وعلاقات الإنتاج فهي مجموعة علاقات مؤسساتية وهيكلية لتدعيم التركيبة الاجتماعية للإنتاج. الدولة هنا المثال  الواضح حيث نجد الفئات التي ارتبطت بجهاز الدولة استفادت من تلك العلاقة للتراكم الطفيلي للثروات عن طريق العطاءات والامتيازات والعمولات الناتجة من التعامل مع رأس المال الأجنبي. تلك العلاقة وظفتها الدولة لخلق فئات رأسمالية للاستفادة منها في السيطرة والهيمنة على موارد البلاد وضمان الولاء السياسي وأيضا لتكون ركيزة الاقتصاد يعتمد جهاز الدولة في إدارة الأنشطة الاقتصادية.كما استفادت تلك الفئات أيضاً من جهاز الدولة بالثراء الفاحش خلال فترة وجيزة. وتلك الفئات تتكون من جنرالات الجيش و رأسماليين طفيلين آخرين جزء منهم لم تكن لديه أي خلفية تجارية.

نهب الأراضي وسيلة تهدف الحكومة من خلالها بتحويل ملكية الأراضي المملوكة لأفراد المجتمعات المحلية لصالح الفئات المرتبطة بها للتمكين الاقتصادي لصالح الفئات المرتبطة بها ،إضافة إلى ذلك كرست الحكومة ميزانيتها لإخضاع الآخرين للشروط التبعية والتغير الديمغرافي لصالح الولاء السياسي ، هذا من جانب الحكومة. من ناحية الرأسماليين الطفيلين فهم يهدفون إلى حفظ قيمة الثروة المراكمة بشكل طفيلي عن طرق المضاربة في العملة والامتيازات فقط وليس عبر مراكمة الأرباح عن العمل والانتاج وتبادل الإنتاج. وبين عشية وضحاها أصبحت الأرض هي الوسيلة الأضمن لحفظ قيمة الثروة دون المجازفة في مشاريع استثمارية انتاجية في القطاعات الخدمية او انتاج السلع. ايضا هدف تحالف الرأسمالية الطفيلية والجنرالات الي ضرب الإنتاج الزراعي وتهجير القبائل الزراعية المستقرة من أجل استمرار برنامج *ال سي* الذي تقدمه الحكومة للولايات باعطاء التجار مبلغ من المال لجلب المنتجات والبضائع التي تشكل احتياجات ضرورية أساسية للمواطنين من مأكل وأشياء أخرى. وقف الإنتاج الزراعي لتلك المجتمعات كان عامل مهم لاستمرار برنامج( الـ سي) الذي يعني استمرار مصالحهم وتراكم الاموال من خلال ذلك البرنامج حيث يقوم الرأسماليين الطفيليين بأخذ تصديق بمبلغ مالي معين غالبا يكون أعلى من القيمة الحقيقة بشكل خرافي يجلبون منتجات باسعار اقل من نصف المبلغ المصدق به ليذهب باقي المبلغ لجيوب هؤلاء التجار.

جوبا:

العاصمة جوبا كانت أول ضحايا عمليات نهب الأراضي حيث بدأت  الأزمة من قِبل جنرالات الجيش الشعبي الذين كانوا يقومون باستئجار البيوت من ملاك الأرض المنتمين للمجتمعات المحلية ثم يرفضون لاحقا دفع الأُجرة أو إخلائها ويصرون على عدم الخروج منها مستخدمين القوة مثل نماذج قومبا وجوبا نبري التي تسميتها تونج بينج وحي مسكين ، وكثيرا ما لجأ أصحاب تلك المنازل الى المحاكم لاسترداد منازلهم المنهوبة حيث يقدر الخبراء بأن نزاعات الأراضي أمام المحاكم الرسمية تقدر بـ النسبة 80%إلى 90%من جملة حالات في المحاكم الرسمية . وأيضا استخدمت تلك الفئات التزوير في شهادات بحث الأراضي لتغيير ملكية الأرض مستفيدين من سلطات الحكومة لتنفيذ ذلك. وجدت تلك التصرفات الرفض من قبل المجتمعات التي اضطرت إلى رفض منح الأراضي للمؤسسات الحكومية الاتحادية عبر الايجار. وذهب جزء كبير منهم الى المطالبة بنقل العاصمة من جوبا لمكان آخر.  بالنسبة لهم إذا كان بقاء جوبا عاصمة للبلاد يؤدي الى نزع أراضيهم منهم بالقوة الجبرية فمن الأفضل لهم أن يتم نقل العاصمة.

واو: تحالف الجنرالات مع الرأسماليين الطفيليين.

كانت أراضي مدينة واو إحدى المناطق المستهدفة بالنهب وشكلت الأراضي التي تحتل مواقع استراتيجية مثل أسواق المدينة، وبالتحديد سوقي واو وحجر أهم المناطق المستهدفة. بالاضافة الى الجنائن والمزارع. ومثل الحالة في جوبا استغل الجنرالات الرأسماليون الطفيليون العلاقة مع أصحاب القرار في الحكومة المركزية للضغط على حكومة الولاية لتمرير القرارات المتعلقة بتحويل ملكية الأرض. وكانت المؤسسات ضحايا للنهب ، حيث تم نهب أراضي مملوكة لمصلحة الضرائب والكنائس لصالح رأسماليين طفيلين مقربين من أصحاب القرار.

نهب الأرض بواسطة الرأسمال الأجنبي: مقابل  العمولات الناتجة في التعامل مع الرأسمالية الأجنبية عن طريق تقديم التسهيلات والمساعدة في تحقيق أهدافه الربحية  كما حدث في حالات بيع أراضي موكايا فايام في الاستوائية الوسطى لصالح مؤسسة أوكلاند الأمريكية ايضا تم بيع حديقة بوما الوطنية في ولاية جونقلي مقاطعة بأريج غيت لصالح الشركة الإماراتية كل ذلك دون القيمة الحقيقية للأرض.

نهب الاراضي بهذا الشكل يعكس النزعة الفردية الجشعة لامتلاك الأرض وتحويلها لصالح الأفراد دون اعتبار للمصالح والاحتياجات التنموية للمجتمعات. ويقدم صورة بشعة لكيفية نهب واستغلال ممتلكات المجتمعات لكي تثرى فئة بسيطة بينما ينتشر الفقر في أوساط المجتمعات نتيجة فقدانهم أهم وسائل كسب عيشهم.

البحث عن إجابة لسؤال الأرض

طرح سؤال الأرض بشكل سليم يعتبر خطوة أولى للإجابة على السؤال المحوري اختزال الإشكالية في ملكية الأرض دون التعرض الى جوهر الموضوع المتمثل في الاستخدام والانتفاع من الأرض يفرغ مضمون أزمة الأرض من محتواه الأساسي . التعامل  مع قضية الأرض كجزء من الخطة الشاملة لإدارة الاقتصاد بهدف التنمية المستدامة وفق احتياجات المجتمعات المحلية تمثل النقطة المفتاحية للإجابة على سؤال الأرض. فالأرض وسيلة إنتاجية للمجتمعات الزراعية المستقرة. يعتمدون عليها في طرق كسب عيشهم. وضمان حقوقهم التاريخية في استخدام الأرض يعتبر اول خطوات الاجابة علي سؤال الأرض بالإضافة الي توفير مراعي آمنة للمجتمعات الرعوية وتطوير الإنتاج الحيواني ليكون هناك تكامل بين النشاط الزراعي والرعوي لخدمة المجتمعات بصفة خاصة، والاقتصاد بشكل عام. توزيع الاراضي وفق سياسات تنموية تلبي احتياجات المجتمعات المحلية. فمن غير المنطقي أن تعج مدينة جوبا بالفنادق *واللوكندات * بينما تفتقد المدينة لأبسط الخدمات. يجب أن يدار النشاط الاستثماري وفق قانون استثمار يضع مصلحة واحتياجات المواطنين شرط أساسي للاستثمار وإيقاف الاستثمار العشوائي. ومن غير المنطقي أن يحتوي حي سكني ليس به فرن للخبز علي لوكندة . وهناك أنشطة طفيلية تسعى فقط إلى مراكمة الثروة. ليس هناك حل لهذه المشكلة  غير إيقاف هذا النشاط الذي اغني فئات بسيطة بدون أن يقدموا اي عمل او انتاج يساهم في خفض دائرة الفقر.

 

الخاتمة

إن قضية الأرض تشكل سؤالا جوهريا في مجرى السياسة في جنوب السودان. إذ لا  يمكن إحداث تنمية أو ايجاد سلام حقيقي دون معالجة قضية الأرض. من خلال السرد التاريخي للقضية نجد أن تجاهل رغبات اصحاب الارض من الملاك الجدد عبر جهاز يمثل فئات معينة من الرأسماليين الطفيليين كان سبب رئيسي لانفجار العديد من المشكلات والنزاعات التي شهدتها أقاليم الجنوب منذ أن كان جزء من الدولة السودانية وحتى تأسيس دولة جنوب السودان المستقلة.

المراجع

من أهم المصادر التي استندت عليها افادات أفراد لهم صلات بموضوع الأراضي جزء منهم كان شهود وضحايا للنهب..

1-التراث الشعبي لقبيلة الشلك جمع وإعداد جيمس *الالادينج* معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية جامعة الخرطوم.

2-السودان حروب الموارد والهوية دكتور محمد سليمان دار كيمبردج للنشر.

3-كتاب أوربا و التخلف في أفريقيا تأليف والتر رودني.

3-collo-boundary-dispute-2015-Dr.LamAkol

 

The Upper Nile Province Handbook

 

https//w.w.w.oaklandinstitstute.org/South Sudan more cases of land grabs

 

Inweb90.worldbank.org.community analyses of conflict in eastern equatorial state in south

 

Julius Nyerere – UJAMAA Essays on Socialism

 

kwame-nkrumah’s-class struggle in Africa

key_housing_land_and_property_hlp_issues_in_urban_areas_of_south_sudan_

USAID_Land_Tenure_Southern_Sudan_Findings_and_Recommendations

https;//radiotamzuj.org/en/news/article/maridi-farmers-accuse-spla-of-grabbing-their-farmlands

 

 

تعليقات الفيسبوك