مشكل التاريخ هو تاريخ المشكل

حامد على نور*

غزو واحتلال دارفور:-

لمدى اكثر من نصف قرن من الحكم التركى المصري لمملكة الفونج ومقدومية كردفان، ظلت سلطنة دارفور دولة مستقلة ولها سيادتها وإرادتها الوطنية  الحرة. وكانت ملاذا آمنا للفارين من تسلط النظام التركى فى مناطق النيل وكردفان. لقد هيأت دارفور بالفعل الفرصة المواتية للتماسك الوجدانى لشعوب السودان فى المناطق المحتلة اجنبيا، ومن الطبعى الا تسمح السلطة الاجنبية لتلك الفرصة ان تستمر، فعملت كل ما فى وسعها لزعزعة الاستقرار فى سلطنة دارفور، فشنت حربا اقتصادية عليها، وعرقلت تجارة درب الاربعين، وهى شريان التجارة والعلاقات الخارجية للدولة، وجندت بعض الجلابة من تجار المسافات البعيدة فى استخباراتها لتمدها بكل المعلومات، كما لم تكن السلطة التركية تجهل الصراعات الدائرة داخل الاسرة المالكة، فاستقطبت المعارضين منهم، واغرتهم وهيأتم لتولى السلطة فى دارفور بعد غزوها. وككل انظمة الحكم الاستعمارية الاجنبية فقد سعت السلطة التركية الى تجنيد عدد وافر من المتعاونين معها والداعمين لها من نخب الوسط والشمال النيلى، ومن الكيانات القبلية والقيادات الاهلية والدينية والطائفية وكبارالتجار وبخاصة تجارالرقيق. كل هولاء كانوا طوع بنان السلطة التركية وقد تقوًت بهم فى ادارة البلاد وفى الاستعدادا لغزو دارفور. وما ان اصبحت الفرصة مواتية بمبررالخلاف المصطنع بين الزبير باشا واثنين من اعيان الرزيقات التابعين  لدارفور، ورفض السلطان قرض تسليمهم للزبير، وسرعان ما انكشفت الخطة المعدة سلفا لغزو دارفور، كما سنرى.

والزبير باشا تاجر رقيق معروف وطبقت شهرته الآفاق. فقد كان ذا قوة وسطوة، حقق ارباحا إسطورية في تجارته بالرقيق، ونجح فى  تدريب وتسليح جيش خاص به من رقيقه والذين عًرفوا (بالبازنقر)، وقد دربهم على العسكرية و استعمال السلاح النارى ، لحماية تجارته ومصالحه في اقليم بحرالغزال بالجنوب، واجزاء الاخرى من البلاد التى تمر بها تجارته. وقد إستطاع الزبيرأن يفرض سيطرته علي إقليم بحر الغزال، وان يوظف تناقضات نظام الحكم  التركي لمصلحته، مما ادى الى تعينه حاكما عليه، باسم الحكم التركي، وبذلك اصبح جزءً من النظام الحاكم، الا انه ظل يركز على تجارته بموارد الجنوب واهمها تجارة الرقيق. وحينما تم منع التجارة بالبشر رسميا، وشددت الحكومة الرقابة على ترحيل الرقيق عبر النيل الابيض، اصبح الزبير يوجه تجارته عبر دارالرزيقات بجنوب دارفور.

ولما تعرض بعض فرسان الرزيقات لقوافله، تصدى لهم الزبير وطاردهم،  فهربوا وإحتموا بسلطان دارفور، فطلب منه الزبير  تسليمهم له، فرفض السلطان ذلك لكونهم من رعايا دولته، فاستشارالزبير السلطة فى الخرطوم برغبته شن الحرب علي سلطنة دارفور. وكان الزبير التاجر والحاكم على بحر الغزال فى نفس الوقت، يدرك مدى التقاء مصلحته وطموحه الشخصى بمصلحة موكله بالخرطوم. و سرعان ما عرضت الخرطوم الامر علي الجناب العالي بمصر، فإهتبل خديوي مصر، إسماعيل باشا السانحة التي ظل يترقبها منذ أكثر من نصف قرن، فأرسل قوة من العسكر ومزيد من السلاح والمدافع لدعم الزبير، وفى نفس الوقت اصدر الأوامر لإسماعيل باشا أيوب حاكم عام السودان، بالاسراع بتجهيز الجيش والشروع فى غزو دارفور.(1)  وكانت الخطة الحربية هى أن يتحرك الزبير رحمة بجيشه من الجنوب وإسماعيل أيوب بقوته من الخرطوم عبر شرق دارفور ثم يطبق الجيشان علي دارفور من الجهتين. الا ان الزبير قد سبق اسماعيل باشا ايوب بحسم المعركة وقتل السلطان ودخول مدينة الفاشر.

لعل من المهم هنا ان نطلع على الخطوط العامة للخطابات التي كتبها الزبير بنفسه  إلي سلطان دارفور لنقف على الصورة  الواضحة لطبيعة العلاقة بين الزبير باشا والسلطة التركية المصرية المستعمرة،  (ثم ليقارن القارىء الكريم بعد ذلك  بينها وبين الخطابات  السابقة التى كتبها السلطان محمد الفضل لمحمد على باشا، والمقدوم مسلم للدفتردار!):

“إلي حضرة أمير الأمراء الكرام مولانا السلطان/ إبراهيم حسين صاحب العزة والإقتدار والهيبة والفخار ادام الله علاه آمين.

أما بعد فنحن عبيد أفندينا ولي النعم  خديوي مصر العظيم أتينا منذ عام ١٢٧٠هـ  لفتح بلاد العبيد فدانت لنا بلاد الفرتيت برمتها وفتحنا الطريق منها إلي كردفان عن طريق شكا فتعهد مشايخ الرزيقات بحفظه نظير جعل معلوم وضعناه لهم علي التجارة، ولكن لم يكن إلا اليسير حتي نكث الرزيقات العهد (…)” (الخطاب). وفى خطاب اخر الى السلطان يقول الزبير: ” وقد بلغنا ان الشيخ منزل والشيخ عليان من اكبر طغاة الرزيقات قد التجأ اليكم وهما يحثانكم على حربنا، فغاية ما نرجوه الا تسمعوا لاقوالهما الفاسدة فتقوموا بحرب الدولة المصرية ذات السطوة الغالبة والمدد غير المنقطع”

 لم يحتاج السلطان ابراهيم قرضل لكبير عناء او حدة ذكاء ليدرك ان الامر ليس امر نصائح من الزبير، او انه آتِ  لتاديب الرزيقات كما يدعى، وإنما الامر مجرد حيلة من السلطة التركية المصرية لغزو دارفور، وان دور الزبير هو دور الوكيل اوالعميل لها.  فسعي السلطان للتعاون مع زعيم الرزيقات مادبو، لتنسيق المقاومة،  وكتب اليه خطاباً بهذا المعني، إلا أن ذلك الخطاب وقع في يد الزبيرالذى كان قد قطع الطريق بين دار الرزيقات وعاصمة السلطنة. فكتب الزبير إلي السلطان إبراهيم بتاريخ ١٢ نوفمبر ١٨٧٣م متحدياً هذه المرة بعد أن ضمن الدعم والتأييد من السلطة التركية المصرية بالقاهرة والخرطوم:

. “من الزبير رحمة الجميعابيإلي السلطان إبراهيم قرض، أما بعد فقد كتبت إليكم أولاً وثانياً بخصوص الرزيقات فلم أخطر بجواب منكم، بل رأيت خطاباً مكتوباً إلي الشيخ مادبو وغيره من مشايخ الرزيقات تكثرون فيه الفاظ الشتم والسباب إلينا بقولكم أنني جلابي باغِى وتقولون انكم تجردون الجيوش لطردي من البلاد (…..) وبعد هذا الإنذار الجلي فإذا حاربتمونا فاعلموا إننا منصورون عليكم لأننا بجانب الحق والعدل (…..)، فضلاً إننا ليوث حربية وصلة عباسية وسلالة هاشمية ولنا النصر من رسول الله كما قال عليه الصلاة والسلام: ” اللهم أنصر العباس وأبنائه” …. (…..) فأعلموا أن خروجنا بعد الذي صرفناه علي إحتلالنا بوجه شرعي، لا يكون بالقوة والحرب وإنما بالتراضي بينكم وبين  سمو ولي نعمتنا الخديوي المعظم وأن تضمنوا لنا نفقات الحملة علي الرزيقات والتي بلغت ١٠ الف كيس ونيفاً من الذهب، فإذا إتفقتم مع سموه علي ذلك وكتب لنا امراً نرفع يدنا عن البلاد فنعود إلي حيث كنا”

هذا  الخطاب ليس مجرد وعيدا وتهديد لسلطان دارفو، وانما هو إبتزاز متواطئ عليه من قبل خديوي مصر التركية والحاكم باسمه فى الخرطوم ليتم تنفيذه عبر وكيلهم الزبير الذى منح منصب الباشوية لنجاحه فى تنفيذ المهمة التى اوكلت اليه. وفي العام 1874، ولما يكن قد مضي عام واحد علي تنصيب السلطان الشاب إبراهيم، (المشهور بإبراهيم قرض)، شن الزبير حملته علي دارفور، فإضطر السلطان إبراهيم قرض ان يمضي عامه ذلك وهو يتصدي لمعارك شرسة ومتواصلة قادها الزبير بجيشه الحكومي إلي جانب قواته من (البازنقر)، ضد سلطنة دارفور. وقد تصدى السلطان بجسارة لهذه الحرب الغاشمة التى شُنت على دولته وفقد خلالها أعظم قادة جيشه و كبار رجال دولته،  فقد قًتل في تلك المعارك المقدوم سعد النور والوزير أحمد شطة والشرتاي أحمد نمر وأربعة من القادة من أبناء السلاطين والكثير من أولاد وأكابر الدولة من أهله وعشيرته. ولقد وصف الزبير باشا بنفسه لنعوم شقير تلك المعركة التى قادها السلطان ابراهيم قرض ضد جيشه فى معركة منواشى قائلا: “رتب (السلطان) عساكره ميمنة وميسرة وقلبا وكان هو ومن معه من الابطال المعدودين من اقاربه مع المدافع فى القلب (…) فهجمت علينا عساكر الميمنة والميسرة واشتد القتال، فما مضى الا خمس دقائق حتى انكشفوا عنا وتقهقروا الى الوراء، (بسبب حصاد المدفعية وآلة الحرب الحديثة لهم)، وعند ذلك هاجم السلطان ومن معه فى القلب فهزموا مقدمة جيوشنا ودخلوا القلعة واشتبك القتال بالسيوف والحراب، وكنت ترى السلطان يحوم فى وسط المعمعة ويقاتل كأنه الاسد، ولم يكن الا القليل حتى خرً صريعاَ هو ومن معه من الفرسان والشجعان وفيهم الكثير من اولاده واخوانه واكابر دولته..”

تلك كانت شهادة الزبير باشا عن السلطان ابرهيم قرض، ولم يملك الزبير، الذي كان بدوره يتمتع بصفات فرسان القبائل السودانية الأصيلة، لم يملك أزاء هذا الموقف إلا ان يُعجب بشجاعة وجسارة السلطان (إبراهيم قرض). رأي الزبير أن يكون له شرف تكفينه “بأفخر الثياب” – وهل تروق دفينا جودة الكفن”- والإحتفاء بدفنه في جامع منواشي. وليس غريبا على الزبير رحمة المتشرب لروح النبل وشهامة القادة العسكريين من ابناء القبائل السودانيةالعظيمة، ان ينصف حتى من رآهم اعداءً له، ولسادته فى السلطة الاجنبية التى اختار الوقوف معها والعمل تحتها والدفاع عنها ضد ابناء وطنه!.. وبالرغم مما دار بينه وبين السلطان الشهيد من سجالات وعنف لفظى ثم من المعارك الدامية الشرسة، فقد أقام  الزبير مراسم دفن تليق بالشرف العسكري لسلطان جسور ومازال فى ريعان شبابه الا انه اخترق الحواجز الى المجد، فاستشهد هو وقادة جيشه الميامين فى ميادين المعاركضد العدو المغتصب . اولئك رجال إختاروا قدرهم أن يموتوا وطنيون انقياء بدلا ان يعيشوا مدنسين، ولعمرى: “موتُ يشهي الموتَ كل جبان”.      

لم تنتهى المعركة فى منواشى، فشعب دارفور لم يرضخ وجيشه لم يستسلم رغم الهزيمة الكبيرة بل تقهقر الى منطقة جبال مرة، وإستمر في تحديه ومواجهته للسلطة الأجنبية، فأعادوا ترتيب امرهم، وجددوا خططهم لإعادة حرية وإستقلال البلاد. فنصبوا حكومات سرية من الأمراء وزعماء القبائل، وكونوا جيشاً موحداً يقوده أمير متوج ومكلف بملىء مكان السلطان، عُرف (بسلطان الظل). وسلاطين الظل  منذ مقتل السلطان ابراهيم قرض هم علي التوالي: الأمير حسب الله بن السلطان محمد الفضل والأمير بوش ثم الأمير هارون. وقد تلقى الزبير، الأوامر من الحاكم التركى الجديد لدارفور بان يستمر فى قمع بؤر التمرد المشكلة من سلاطين الظل بمناطق جبل مرة، واستمرت تلك المعارك متواصلة حتي قيام الثورة المهدية بعد اقل من عشر سنوات من اسقاط سلطنة دارفور والحاقها بما عرف عندئذ بالسودان التركى المصرى.  لقد قتل الزبير خلال معاركه ضد المقاومة الوطنية لشعب دارفور كل من الأمير يونس وشقيقه سيف الدين بن السلطان محمد الفضل وعدد كبير من القادة منهم سبعة وعشرين من الأمراء، وأسر العشرات منهم رجالاً ونساءً وأرسلهم إلي مصر ليحتجزوا كأسري بمنطقة سوق السلاح بالقاهرة.

اٍضاءة أخري في تهميش التاريخ:-

مجدداً يلح علينا السؤال المشروع: من الذى يعرف اليوم السلطان إبراهيم قرض بن السلطان حسين بن السلطان محمد الفضل، سليل السلاطين إلي سليمان سلونق الأول!؟ وكم الذين علموا عنه كبطل وطني،  دافع عن شعبه ودولته ورفض ان تخضع بلاده للسلطة التركية الغازية؟ ولماذا لم يُدون هذا التاريخ المشرف ويُوثق له كجزء من تاريخنا الوطني المجيد، وتراثنا البطولى المشرف، الذي كان علينا أن نفتخر به ككل الشعوب والامم التي تفتخر بملوكها وسلاطينها وأبطالها كرموز للعزة والسيادة الشرف الوطني؟  لقد صدقت مقولة السياسى البريطانى ونستون تشرشل: “ان التاريخ يكتب حوادثه المنتصرون.” فالذين كتبوا تاريخنا هم النخب التى كانت الاقرب فى التعاون والتعامل مع السلطتين الاستعاريتيين، والذين تعلموا منهما اساليب الادارة الاستعمارية للبلاد، ومن ثم ورثوا السلطة منهما وتمكنوا من السيطرة على كل مقومات الوطن لوحدهم ، وتمادوا فى خطيئتهم بأن تظل لهم وحدهم، ولذلك رأوا ان يضعوا معايير تدوين التاريخ الوطنى بانتقائية تخدم اهدافهم.

ان صورة ” الزبير باشا المنتصر”، وهو يرتدي بدلة الباشوية المحلاة بالحرير وعلي رأسه الطربوش التركي مازالت ماثلة فى مخيلة كل الذين تعلموا فى المدارس الحكومية. لقد أرادوا لهم ألا يتركوها معلقة علي جدران فصول دراستهم المبكرة أو علي صفحات بعض كتب تاريخنا المزيف، بل اُريد لهم ان يظل تاريخ الزبير وامثاله من المتعاونيين مع الاستعماريين الطغاة، عالقا في جدران ذاكرتهم الوطنية.. كتأكيد لإستلاب وعيهم!! ..لقد نسوا او تناسوا الحقيقة التاريخية الدامغة، وهي أن (الباشوية) اعلى درجة تشريفية ينعم بها المستعبد التركي اكراما منه لأؤلئك الذين قدموا خدمات جليلة وكبيرة لتحقيق أهدافه وخدمة أغراضه بتفان واخلاص!! …الباشوية أو البكوية التركية لم ولن تكن ابدا رمز فخر وإعتزاز على الاطلاق، لقائد وطنى كالسلطان (إبراهيم قرض) وانما يفتخر بها اولئك الذين يفتخرون باسيادهم!.. اما السلطان قرض فسيظل رمزا يمثل اعلى درجات السمو والاصالة  والنبل الوطني. وسوف لن يستطيع قامعوا التاريخ ومزيفوه مهما فعلوا أن يطمسوا او يخفوا وطنيته وعظمته وتفانيه كملك وقائد عسكرى عظيم، أو أن ينزعوه من التاريخ كبطل وطنى تصدى للغزاة، الاجانب المستعبدين وعملائهم المحليين، ولم يدنس جسده بزي الباشوية، إنما وشحته الجسارة الوطنية بالدم الغالي.

ان تاريخنا الوطني قد تعرض ومازال يتعرض لأكبر عملية تزوير (في التاريخ)، وناشئتنا مازالوا يتعرضون لعمليات تغييب لوعيهم الوطني عبر منهج التعليم النظامي المخادع، “فالتعليم الذي تصممه تلك النخب من أجل الحفاظ علي السلطة والثروة إنما هو تعليم يسعي لطمس الفطرة السليمة ويقضي علي الحراك من أجل التغيير.” (2)  ولعل التغييرالذي عناه الدكتور النور حمد هو انسنة المشاعر اولا ومن ثم خلق وجدان وطني جامع وموحد لكل كيانات السودان العرقية والدينية والثقافية المتنوعة من اجل وطن يسع الجميع.

نواصل(5-6)

*nurdarfur@gmail.com