رشا عوض

تحت الوطأة الثقيلة لواقعنا المأزوم ينزع كثيرون للبحث عن تبسيط المشكل السوداني وربطه بسبب رئيس يكون وسادة لاتكاءة مريحة للنفس والعقل معا من عناء سبر أغوار “الخيبة الوطنية” بمنهج عقلاني يدرك أنها انعكاس  “لأزمة مركبة” ولا سبيل لاختزالها في عامل واحد.

في هذا السياق سادت أسطوانة مشروخة قديمة تعلو كلما استحكمت الأزمات: الشعب جبان! الشعب تافه! الشعب يستحق هذا النظام الذي يشبهه! الشعب لا يستحق التضحية! ويدخل المنطق الذكوري الفج على الخط مستدعيا مقولات حسن طرحة( أحد مستوزري العصابة  الإنقاذية حاليا، الذي قال عندما كان يمثل دور المعارض الشرس” إما ان نسقط هذا النظام أو نلبس طرح وندخل بيوتنا”)! فتجد من يرددون: “البلد دي ما فيها رجال”!  “ودا شعب نسوان ساكت”!!

وفي المقابل يتصدى المدافعون عن الشعب السوداني مرددين عبارات التمجيد ” شعب معلم” و”شعب عملاق ولكن  يتقدمه أقزام”!

من وجهة نظري، الشعب السوداني ليس عملاقا وليس قزما، ولا ينبغي لنا ان ننفق جهدا ووقتا في مثل هذا الجدل الأسطوري غير المنتج!

الشعب السوداني  مثل كل شعوب هذه الدنيا، فيه الأخيار والاحرار، وفيه الأشرار والجبناء، فيه الأذكياء والأغبياء، الأقوياء والضعفاء، الأغنياء والفقراء، المستنيرون والظلاميون، وككل الشعوب هناك محددات جينية وجغرافية وتاريخية وبيئية ساهمت  بدرجات متفاوتة في صياغة الخصائص العامة والعقل الجمعي للشعب  السوداني المتعدد ثقافيا، وفي ثقافاته المتعددة تكمن قيم وسلوكيات وأعراف وعادات وتقاليد بعضها  إيجابي وبعضها الآخر سلبي.

المنصة الراسخة التي يجب أن ننطلق منها في سياق البحث عن حل ومخرج آمن من واقعنا المأساوي الراهن هي ان الشعب السوداني بحكم  انتمائه للعشيرة الإنسانية جدير بالكرامة وأهل للتمتع بحقوق الإنسان، ومن واجب نُخبه الفكرية والسياسية والإبداعية والمهنية والأكاديمية السعي بإخلاص واجتهاد في إنجاز مشروع نهضوي شامل يهدف لتحريره من إسار التخلف المزمن، وهذه النخب لن تنجح في مسعاها بإصدار  الأحكام “القيمية” المطلقة على الشعب سواء الإيجابية أو السلبية، بل تنجح في ذلك بالدراسات الموضوعية لمعطيات الواقع ، والبحث المسترشد بالعلوم الاجتماعية  في خصائص الشخصية  السودانية لاستكشاف ما يكمن فيها من محفزات للتقدم ومن معوقات كذلك، ومن ثم بلورة الخطاب السياسي والإعلامي والتعبوي “لقوى التغيير” على بصيرة، هذا في المدى القصير الذي يواجه فيه السودانيون تحدي انجاز الخطوة الأولية “المفتاحية” نحو نهضتهم وهي الانعتاق من نظام الاستبداد والفساد الحالي الذي يوصد بإحكام نوافذ الأمل حتى أمام الإصلاحات الجزئية.

أما على المدى المتوسط والبعيد فهناك حاجة لبلورة مناهج تعليمية وتربوية وثقافية متكاملة لإصلاح “العقل السوداني” في اتجاه كل ما نفتقده من أفكار وقيم وسلوكيات ضرورية لنهضة مجتمعنا، على سبيل المثال لا الحصر نبذ العنصرية وإعلاء المساواة والاخاء بين الإثنيات المختلفة، العدالة النوعية، احترام المؤسسية وسيادة حكم القانون، تقديس المصلحة العامة، تعزيز ثقافة العمل المشترك، إدراج الواسطة والمحسوبية والرشوة وكل صنوف الفساد المالي والإداري في خانة “العيب والحرام المستهجن اجتماعيا”،احترام الزمن وإتقان وتجويد العمل، وإعلاء الالتزام  بالواجب المهني وأداء مطلوبات الوظيفة العامة على المجاملات الاجتماعية والمصالح القبلية والعشائرية إلخ.

الشعب السوداني في محنته هذه لا يحتاج لنخب تتعالى عليه وتستفزه وتدخل في روعه اليأس، وبذات القدر لا يحتاج لنخب تضلله وتخدره بالتمجيد والتضخيم الزائف، بل يحتاج لنخب ذات عقلية نقدية قادرة على استكشاف معوقات النهضة واجتراح طرق تجاوزها، والخطوة الأولى نحو ذلك أن تقدم النخب المتصدية لواجب العمل من أجل التغيير السياسي والاجتماعي “القدوة الحسنة” في كل ما تبشر به من قيم.

أخيرا : اعتراف واجب!

ان مسؤولية الخراب الذي حل في السودان منذ استقلاله تقع على عاتق النخبة السياسية التي أساءت التصرف في السلطة، أما بعض النشطاء السياسيين الذين يصفون  الشعب السوداني  بالجبان والخنوع والمتخلف والذي لا يعرف حقوقه وواجباته فهناك سؤال مشروع يجب طرحه عليهم وهو ماذا قدمت النخبة السياسية في سبيل تعليم وتثقيف  وتنوير الشعب؟ ما هي قنوات تواصلها معه من إذاعات وفضائيات ومطبوعات؟ أين هي مؤسساتها المفتوحة لتدريبه السياسي ليصبح واعيا بحقوقه وطرق انتزاعها؟!

إن التغيير السياسي الحقيقي المقبل والقادم لا محالة يجب  أن  يشمل الثقافة السياسية ويجعلها تتحول كليا من خانة “السياسة المخدومة” إلى “السياسة الخادمة”

إذ لا مكان في السودان المنكوب لسياسي يرتزق من السياسة ويوظفها لإرضاء غروره وإشباع غرائزه التسلطية وجنون العظمة المسيطر عليه!

يحتاج السودان لسياسيين محور عملهم باختصار هو خدمة الشعب بالتوظيف الأمثل لموارده في تطوير حياته ووضع اولوياته في صدارة بنود الانفاق، والاجتهاد المستمر والمثابر في تنمية موارده لا سيما بعد نكبة النهب الانقاذي الاسطوري لموارد البلاد!

نكبة السودان الكبرى سواء في المركز أو الهامش الثائر عليه هي “السياسة المخدومة”

موارد الشعب مسخرة في خدمة نزوات وأطماع وأوهام سياسيين فاقدين للحدود الدنيا من الأخلاق والضمير!

تحويل السياسة المخدومة الى سياسة خادمة يحتاج إلى جبهة قوية للحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية مسلحة بالوعي والمؤسسات ومتقنة لمهارات الضغط على الحكومات!