التغيير : قرشي عوض

مشاكل عديدة تعاني منها الزراعة المطرية في كردفان تنذر بانهيارها، تتمثل في صيغ التمويل التجاري، وعدم تمكن صغار ومتوسطي المنتجون من استخدام التقانة المناسبة للتربة والدخل، الى جانب عدم الاستقرار الذي يسود بعض مناطق الانتاج، مما انعكس سلباً على النشاط الزراعي.

وقال مزاعون التقتهم (التغيير الالكترونية) ان التحكم في صرف الوقود من قبل جهات نافذة في الدولة حد من انسيابه الى مناطق الزراعة الى جانب المشاكل الامنية التي قيدت حركتهم وعرقلت دخول التجار اليها،  مما انعكس على ارتفاع اسعار السلع والخدمات وضاعف تكلفة الانتاج. ويضيف مزارع بان الرعاة يدخلون قطعانهم الي المزارع في ساعات متاخرة من الليل، ومن يعترضهم يقتلونه، وقد وقعت حوادث كثيرة في المواسم السابقة.

وركز اخرون على ان صيغ التمويل البنكي بشروط صعبة ومنحازة لأغنياء المزارعين وليست في صالح صغارهم، ويعتبرونها مجحفة خاصة في مجال الاليات.  ويصف  بروفيسور عبد الرحمن الخضر المدير السابق لمحطة بحوث الابيض الزراعية، اهتمام الدولة عموماً بالتمويل الزراعي بالضعف،  وينصب على القطاع المروي، ونجده يخصص للقطاع المطري التقليدي فقط 15% من جملته، رغم ان الاخير ينتج 80% من السمسم ، 75% من الفول السوداني  و45% من السمسم، اضافة الى الكركدي وحب البطيخ، وهذه كلها محاصيل صادر، مضافاً اليها المحاصيل الغذائية مثل الذرة الرفيعة التي ينتج منها 15%، هذا غير الانتاج الحيواني. لكن رغم ذلك يعاني من عدم التركيز الحكومي عليه، مما جعله منطقة تركيز للفقر في السودان.

ويشير مرتضي مهدي المتخصص في الاقتصاد الزراعي الى ان التمويل المصرفي الزراعي الان ربحي  وليس انتاجي ويتعامل مع الزراعة  كانها احد عروض التجارة ، وكل البنوك تتعامل مع الاليات الزراعية الكبيرة، ومعظمها في مناطق الزراعة الواسعة، في حين لا تجد الحيازات الصغيرة والتقليدية حظها منه، مما يحد من ادخال تقنيات التي تناسب الارض ودخل المزارع، وان الصيغ الحالية تختصر المكنكة الزراعية في فقط في التراكتورات،  في حين انها تشمل اليات تحضير الارض واعداداها وزراعتها والحصاد،  وان أي توصيف غير ذلك لها من الناحية العلمية يصب في الخانة الربحية التي تفاقم الفقر من ناحية وتركز الثراء في الجانب الاخر، عن طريق استهداف مناطق الزراعة الالية الضخمة في القضارف ، جنوب كردفان والنيل الازرق.

هذا التعامل جعل  الزراعة المطرية اثيرة الاساليب التقليدية وحرمها من استخدام التكنولوجيا والبذور المحسنة، والدورات الزراعية  وعدم ملاءمة الاليات المستخدم لنوعية التربة، مما تتسبب في اجهادها،  مع ازالة الغطاء النباتي الذي يقلل من حدة الرياح و البخر ويساعد على الاحتفاظ بالرطوبة ويحد من الانجراف. ويركز  مهدي على ان  التربة في الحزام الرملي   طبقتها العلياء سمكها 10 سنتمرات، وان أي استعمال لتكنولوجيا تغوص فيها اكثر من ذلك تقود الى تفككها، مما يعرضها لعوامل الجفاف  والتصحر وهبوب الرياح وفقدان العناصر الاحيائية، وبطول الزمن تكون غير صالحة للزراعة مما يقود الى النزوح وفتح مزارع اخرى تحدث فيها نفس  ممارسة الحرث العميق. وتكرار هذه الظاهرة قاد في نهاية ثمانينيات القرن الماضي الى نقص القلة والغذاء سواء للامن الغذائي او المعيشي او التجاري، و تسبب في زيادة معدلات الفقر والتشرد.  ويرجع مهدي كل ذلك الى غياب التكنولوجيا الوسيطة التي تقع بين البسيطة  والمتقدمة، وهى متوفرة في العالم، وقامت عليها النهضة الزراعية في كثير من الدول،  لكننا محرومون منها بسبب ضعف البحث العلمي وعدم اهتمامه بالزراعة، الى جانب عدم الانفتاح على تجارب الاخرين، والفهم القاصر للتمويل الزراعي لمفهوم المكنكة الزراعية.  وهذا الغياب قلل انتاج الحبوب  واداء الى هجر الزراعة. وان الحل في وجود عناصر تودي الى التنمية الزراعية المتكاملة، والنظر الى الزراعة باعتبارها من العمليات طويلة المدى، وعلى المصارف مراعاة ذلك ضمن مؤسسات التمويل الصغير، وتشجيع الدولة لجمعيات المزارعين الانتاجية والتعاونية حتى يتوزع العب المادي بين الافراد، كما ان الجمعيات يسهل  التعامل معها من حيث التمويل ونشر التقانة  والتوعية الزراعية وتحويل ثقافة النفير الى عملية انتاجية. ويتوقف  مهتمون عند حقيقة ان تجمعات المزارعين الحالية ضعيفة  او انها غير موجودة،  وان بعض اعضاء التعاونيات قد تركوا الزراعة  للاسباب المذكورة.  ويركز عبد الرحمن الخضر على ضعف الخدمات والبحوث  والارشاد الزراعي،  والذي يعتبره من اضعف حلقات وزارة الزراعة في كل السودان. الى جانب سياسات التسويق  التي  تجعل المزارعين مكبلين بالديون وتضطرهم للبيع باسعار منخفضة للايفاء. وان بعض التجار من اصحاب الامكانيات الكبيرة يشترون منهم بسعر محدد نظير التمويل، ولا يتغير عند الحصاد وهي طريقة تعرف محلياً (بالشيل)، ثم يقومون بالتخزين مما يجعلهم يتحكمون في فجوة الحبوب. وان بعض التمويل المصرفي قد اعتمد هذه الطريقة التي تجعل المزارع يبيع محصوله بسعر منخفض ويشتريه بسعر مرتفع.

وطالب مزارعون بالرجوع الى سياسة البنك الزراعي القديمة القائمة على تركيز سعر الشراء عند بداية الموسم، كما انه يقوم بالتخزين لصالح المزارع، واذا احتاج الى سيولة يشتري منه بالسعر الجاري في السوق، والذي يكون اعلى من سعر التركيز. كما يواجه المزارعون مشكلة  الرهن والتي تكون في عقارات اخرى مثل المنزل او الاليات وليس الارض،  لان قيمتها متدنية مقارنة بالجزيرة.

كل هذه المقدمات اعتبرها المشتغلون بالزراعة والمختصون مؤشرات واضحة على انهيار القطاع المطري التقليدي. مما يتطلب تدخلات واضحة، توفر الاليات الزراعة المناسبة لطبيعة الارض وصيغ التمويل التي تعمل في صالح الزراعة كعملية انتاجية طويلة الاجل، مما يتطلب وجود مصارف مختلفة.