نبيل أديب

رغم الضجة التي أثارها المرسوم المؤقت (تسهيل الأعمال)، فإنه سقط دون مجهود يذكر، حين إنتهت دورة المجلس التشريعي القومي دون أن يجيزه، مما يعني دستوريا أن المرسوم المؤقت رقم 11 لسنة 2018 لم يعد له وجود الإ في أقبية التاريخ التي تتحدث عن صدوره وسقوطه، وما سببه ذلك من إضطراب في أحكام التقاضي المدني

أما وقد ذهب تسهيل الأعمال لحاله فعلينا أن نتدبر ما تم لنتخذ منه العظات الضرورية. وأول ما تجدر ملاحظته في هذا الصدد هو أن المرسوم المؤقت هو سبيل إستثنائي لمقابلة طارئ عاجل وليس ممرا لتجاوز الإجراءات المطولة للتشريع أمام السلطة التشريعية.

حدود سلطة إصدار مراسيم مؤقتة

معلوم أن الهيئة التشريعية القومية هي السلطة المختصة بالتشريع على المستوى القومي وفقاً للمادة (91) من الدستور، ولكن المادة (109) من الدستور، وبشكل إستثنائي، منحت رئيس الجمهورية سلطة التشريع لمعالجة ظروف إستثنائية عن طريق إصدار مراسيم مؤقتة. وهي سلطة أحاطها الدستور بقيود لا يجوز تخطيها أولها هو شرط غياب المجلس التشريعي وثانيهما هو شرط وجود ظروف ذات طبيعة مستعجلة، وهو شرط أساسي بدونه ما كان الدستور ليمنح سلطة التشريع للسلطة التنفيذية لما في ذلك من مخالفة للمنهج الذي إختطه في الفصل بين السلطات، مع المراقبة المتبادلة، والموازنة بينهم. وقد قصد الدستور بهذا الشرط أن لا تتحول سلطة التشريع للسيد رئيس الجمهورية تلقائياً لمجرد غياب المجلس التشريعي في فترة بين الدورتين، بل تطلب عنصر قيام أمر عاجل يستدعي ذلك. وإلا فما الذي يمنع من أن يترك التشريع المراد إصداره لحين عودة المجلس التشريعي، حتي يتم إصداره بالطريق المعروف الذي يوفر النقاش المطلوب في عملية إصدار القوانين. والثالث هو قيد موضوعي تمثل في أنه حظر عليه أن يُصدر مراسيم مؤقتة في المسائل التي تمس مسائل معينة اولها وثيقة الحقوق وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 109.

 وسنرى فيما يلي أن أن المرسوم المؤقت رقم 11 لسنة 2018 لم يجتز إلا شرط غياب المجلس التشريعي وإن كان ذلك بشكل ضيق أو كما يقول الفرنجة only just لذلك فقد أدهشني تماما دفاع الدكتور عوض الحسن النور وزير العدل الأسبق عن المرسوم شكلا وموضوعا، لما أكنه له من إحترام سببه ما أعرفه عنه من علم وسبق في الفقه القانوني، مما يدفعني لمناقشة ما كتب مولانا عوض، إعترافا مني بعلمه وسبقه بحيث لا يصح تجاهل موقفه في هذه المسألة، وبغية أن يتم التوصل في هذه المسألة الهامة لرأي موحد فيها بين القانونيين ومولانا عوض من أبرزهم.

بالعودة للمرسوم المؤقت فإن موقفي منه هو الرفض التام، وهو موقف مؤسس أولاً وأخيراً على عدم دستورية المرسوم، وذلك يشكل سببا كاف في نظري لرفضه، ومناهضته، وإسقاطه، حتى لو كان من حيث محتوى أحكامه مقبولاً، أو حتى مرغوبا فيه، لأنه لن يأتي عن طريق مخالفة الدستور إلا الخراب.

قد بدأ مولانا العالم الدكتور عوض الحسن النور مقاله بتهنئة مولانا الدكتور محمد أحمد سالم بموقعه الجديد وزيرا للعدل، وأنا بدوري أهنئه بسقوط المرسوم المؤقت، فذلك أزاح عنه عبء أن يفتتح عهده في المنصب بهذا المرسوم، فهو أكثرنا كتابة عن شروط إصدار المرسوم المؤقت والتي خالفها هذا المرسوم.

خالف مولانا عوض الحسن في مقاله حول المرسوم الدستوري مولانا محجوب الأمين، رئيس القضاء بالإنابة، في قراره الذي أصدره في 15 مايو 2018 والذي وجه فيه إدارة المحكمة العليا ودوائرها بالولايات بقبول طلبات المراجعة المدنية وطلبات الإذن حتى 30 مايو 2018 ورأى أن صدور القانون قبل أسبوع من عودة المجلس للإنعقاد سببا لنفاذه الفوري. ولعله من سوء حظي أن أخالف مولانا العالم فيما ذهب إليه، فما رأيت في صدور المرسوم قبل أسبوع أو عشرة أيام من عودة المجلس التشريعي للإنعقاد، إلا ما يجعله في قلب موطن الريب، إذ كيف لنا أن نتصور مسألة من العجلة بحيث لا يمكن معها الإنتظار أسبوع واحد تتطلب تعديل كل هذه النصوص في هذا الكم من القوانين؟

وعلى وجه الخصوص أختلف مع مولانا في قوله “ومن الثوابت الدستورية أن تقدير الضرورة الداعية لإصدار المراسيم المؤقتة متروك لرئيس الجمهورية تحت رقابة المجلس الوطني باعتبار ذلك من عناصر السياسة التشريعية التي لا تمتد إليها الرقابة الدستورية” وسنرى حالاً أن المحكمة الدستورية المصرية والتي تبنت هذا القول أضافت له قولها “أن ذلك لا يعنى إطلاق هذه السلطة فى اصدار قرارات بقوانين دون التقيد بالحدود والضوابط التى نص عليها الدستور”  

أعتقد أن مولانا عوض قد بنى رأيه هذا على الدستور الهندي، ولكنني أرى أن موقف الدستور الهندي في هذا الصدد يحمل حكما مخالفا للحكم الذي يحمله دستورنا. ونفصل فيما يلي ما أجملنا  

الوضع في الدستور الهندي

 السؤال الذي واجه المحاكم الهندية هو هل تملك المحكمة سلطة الرقابة الدستورية على سلطة الرئيس في إصدارالمراسيم الدستورية؟ المعلوم أن المسألة تتطلب شرطين: فمن حيث الشكل يجب أن لا يكون أحد المجلسين في حالة إنعقاد، وهذه المسألة لم تجد المحاكم الهندية صعوبة للقول بصددها أن سلطة الرئيس فيها تخضع للمراجعة القضائية، ولكن السؤال يدور حول الركن الموضوعي، وهو الظروف التي تدعو لإصدار المرسوم. أجابت المحكمة العليا الهندية بعد تردد قصير أن مسألة إقتناع الرئيس لا يجوز وضعها موضع التساؤل أمام المحكمة، لأنها مسألة خارج المراجعة القانونية، حيث أنها لا تجوز المقاضاة بشأنها لأن  لغة المادة تبين بوضوح أن الرئيس، والرئيس وحده هو الذي يتوجب عليه أن يقتنع بوجود ظروف تستلزم صدور مرسوم. إقتناع الرئيس بهذه الضرورة ليست Justiciable  أي مسألة تقبل الطرح في المحاكم، لتقرر فيها بتطبيق اختبار موضوعي. موقف المحكمة هو أن المادة لم تتطلب قيام الظروف نفسها كحدث خارج ذهن الرئيس، بل تطلبت فقط إقتناع الرئيس بأن هنالك ظروف تستدعي تدخله، وطالما أن المطلوب هو أن تتكون قناعة لدى الرئيس بذلك فليس هنالك ما يمكن إثباته في هذا الصدد. of Venkata Reddy v. State of Andhra Pradesh (1985) 3 SCC 198

بالنسبه للهند فإن موقف قضائها الفريد يستند إلى تاريخها الدستوري والنص الدستوري الذي يحكم المسألة وفقا لما اسفرت عنه التعديلات المتعاقبة. يذكر بيان الأغراض والأسباب للتعديل التاسع والثلاثين لتعديل عام 1975م للدستور الهندي ما يلي ” المادة 123 تخول الرئيس إصدار المراسيم عندما لا يكون أيا من مجلسي البرلمان في حالة إنعقاد، إذا كان مقتنعا، بأن الظروف تجعل من الضروري اتخاذ إجراءات فورية. وقد منحت سلطات مشابهة للولاة في ولاياتهم بموجب المادة 213 من الدستور. من اللغة البسيطة المستخدمة في المواد 123، 213 و 239B  ليس هناك شك في أن إقتناع المذكورين في تلك المواد هو إقتناع شخصي، ولا يخضع للمقاضاة أمام المحاكم.  ولم يكن هناك شك في أن نية واضعي الدستور قدد إنصرفت لذلك. ومع ذلك، فقد تم رفع دعاوي قيد النظر تهدف لمراجعة هذه المسألة، بدعوى أنها مسألة تخضع للرقابة القضائية.  لوضع المسألة في موضع لا يدع مجالا للشك، يُقترح أن ينص في الدستور على أن إقتناع الرئيس، أو الوالي هو إقتناع نهائي وقاطع، ولا يجوز مراجعته في أي محكمة لأي سبب. ومن ثم فقد تمت إضافة الفقرة التالية، على المادة 123 من الدستور، واعتبرت كما لو كانت دائما مدرجة فيها، ونصها: -“(4) على الرغم من أي شيء في هذا الدستور، فإن إقتناع الرئيس، المذكورفي البند (1) هو إقتناع نهائي وقاطع، ولا يجوز مراجعته في أي محكمة لأي سبب”

من هنا نرى أن الأحكام الهندية في هذه المسألة ليس لديها أي إنعكاس على حكم المادة (109) من الدستور السوداني، لأن المادة السودانية لا تتحدث أصلاً عن إقتناع الرئيس، بل تجيز لرئيس الجمهورية، إن لم تكن الهيئة التشريعية القومية في حالة انعقاد، ولأمر عاجل، أن يْصِدر مرسوماً مؤقتاً تكون له قوة القانون النافذ، فالمعيار هنا موضوعي، فهذه السلطة مقيدة بشرطين موضوعيين لا تتحقق السلطة إلا بوقوعهما معاً، وهما من المسائل التي تقبل الطرح في المحاكم  Justiciable لأنه  يمكن التحقق من وقوعهما بالأدلة المادية. الدستور الهندي إشترط أن يقتنع الرئيس بأن الظروف تستدعي إصدار المرسوم دون تفصيل لهذه الظروف، أي أن أساس سلطة إصدار المرسوم أن يتوصل الرئيس لضرورة ذلك، وهي لغة مختلفة تماماً عن لغة الدستور السوداني الذي لم يشر أصلاً لقناعة الرئيس، بل لعجلة الأمر، مما يجعل المعيار في نشوء الأمر العاجل هو معيار موضوعي يخضع تقدير الرئيس فيه لمراقبة المحكمة.

التاريخ الدستوري السوداني

بالعودة للتاريخ الدستوري السوداني نجد أن إلتزام السلطة التنفيذية بعنصر الإستعجال كشرط لازم لإصدار الأوامر كان ثابتاً في جميع العهود الدستورية التي تبنت هذا الحكم حيث كان الإلتزام بتوافر عنصر العجلة يرتبط بالإلتزام بنص وروح الدستور وهو ما رصده وزير العدل الحالي الأستاذ محمد احمد سالم حين ذكر ” ففي السودان نجد أول مثال لحالات الاستعجال ، ذلك الذي اشار اليه السكرتير الاداري البريطاني وهو يقدم مشروع قانون المجلس التنفيذي، والجمعية التشريعية ،للمجلس الاستشاري لشمال السودان. لقد إفترض المسئول البريطاني أن تعديلاً قد جرى في مصر يتعلق بفئات الرسوم المتحركة الجمركية الأمر الذي يقتضي أن تسري الفئات الجديدة وبسرعة في السودان أيضاً . فإذا كانت الجمعية التشريعية ،غائبة فلا مندوحه من إصدار التعديل الجديد بأمر مؤقت . وفي الواقع فإن نظرة سريعة إلي المسائل التي نظمت بأوامر مؤقتة طيلة فترة الحكم الذاتي وفترة ما بعد الاستقلال قلبيل نظام مايو ، تبين أن معظم هذة المسائل كانت مالية . وكانت الأوامر المؤقتة تصدر – في غياب البرلمان – لتعديل قوانين الضرائب، والجمارك ،والرسوم الداخلية ،وكذلك لتخصيص أموال من الإحتياطي، أو للحصول علي إعتمادات اضافية . ولا ينكر أحد أن عنصر العجلة هنا متوفر بل ولازم ، خاصة إذا كان الاحتياج للأموال المذكورة ملح لتسيير دقة الحكم . من جهة أخرى فان بعض الإجراءات الماليه تعتمد في نجاحها علي السرعة وربما السرية ، فزيادة سلعة ما مثلاً من شأنه إذا تأخر أو فشا أمره أن يؤدي لإضرار خطيرة بالإقتصاد الوطني وبالمواطن العادي.ومن الأمثلة أيضا قانون إنتخابات الجمعية التأسيسية لسنة 1968م الذى أصدره مجلس الوزراء بعد حل  الجمعية التأسيسية الأولي ، إذ لم تكن هناك هيئة تشريعية وكان لا بد من إجراء الإنتخابات العامة باسرع وقت ممكن.هذا عن الفترة السابقة لمايو أما في عهد النظام المايوي فقد تحللت السلطة من شرط الإستعجال بصورة شبة كاملة وكانت الأوامر المؤقتة تصدر دون وجود حاجة ملحة لإصدارها ،وفي مواضيع كان يمكن أن تنظم بالطريق العادي ، فكانت الأوامر المؤقتة تصدر مثلاً لتعديل قانون الأوسمه والأنواط أو لتعديل قانون اكاديمية السودان للعلوم الادارية أو لإدخال معهد القرش ضمن تعريف الهيئات العامة.”

الأستاذ محمد احمد سالم في رسالته المعنونة “الأوامر المؤقتة كأداة تشريعية في السودان والرقابة البرلمانية عليها” ص 73 و 74

التاريخ الدستوري المصري

الملاحظ هو أن  دول العالم الثالث وحدها هي التي أخذت بسلطة إصدار المراسيم المؤقتة، و أهمها الهند ومصر ولقد رأينا أن الدستور الهندي قد إختار معياراً ذاتياً لإصدار الدستور ولكن بالنظر للتاريخ الدستوري المصري نجد الأمر مختلفا. كانت المادة 147 من الدستور المصري عام 1971 تنص على أنه إذا حدث في غيبة مجلس الشعب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات تكون لها قوة القانون. ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائماً، وتعرض في أول اجتماع له في حالة الحل أو وقف جلساته، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، وإذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب على آثارها بوجه آخر

وهو نفسه حكم المادة 156 من دستور 2014  والتي تنص على أنه إذا حدث في غير دور انعقاد مجلس النواب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، يدعو رئيس الجمهورية المجلس لانعقاد طارئ لعرض الأمر عليه. وإذا كان مجلس النواب غير قائم، يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين، على أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوماً من انعقاد المجلس الجديد، فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة، أو تسوية ما ترتب عليها من آثار.

 هكذا نرى أن الوضع في مصر مشابه تماما للوضع لدينا، والقضاء المصري مستقر على أنه يترتب على عدم استيفاء الشروط اللازمة لإصدار القرارات بقوانين التي يصدرها رئيس الجمهورية عدم دستورية تلك القرارات.  ولقد أصدرت المحكمة الدستورية العليا عدة أحكام بعدم دستورية قرارات صدرت من السلطة التنفيذية استناداً لهذه المادة دون أن تستوفي الشروط اللازمة لإصدارهاوتقول في هذا المحكمة الدستورية المصرية “حيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة بدءا بدستور سنة 1923 وانتهاء بالدستور القائم تفصح جميعها عن اعتناقها لنظرية الضرورة وتضمينها لأحكامها في صلبها تمكينا للسلطة التنفيذية – حال غيبة السلطة التشريعية – من مواجهة أوضاع قاهرة أو ملحة تطرأ خلال هذه الفترة الزمنية وتلجئها إلى الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير في شأنها، ومن ثم يكون تدخلها بهذه التدابير، وتطبيقا لها، مبررا بحالة الضرورة ومستندا إليها، وبالقدر الذي يكون متناسبا مع متطلباتها، بوصفها تدابير من طبيعة استثنائية. وقد حرص المشرع الدستوري على أن يضع لهذه السلطة الاستثنائية – في مجال ممارسة الوظيفة التشريعية – من الضوابط والقيود ما يكفل عدم تحولها إلى ممارسة تشريعية مطلقة تتغول بها السلطة التنفيذية على الولاية التشريعية المعقودة دستوريا لمجلس الشعب. ذلك أن نصوص الدستور إنما تمثل القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها باعتبارها أسمى القواعد الآمرة وأحقها بالنزول على أحكامها. وهذه القواعد والأصول هي التي يرد إليها الأمر في تحديد ما تتولاه السلطات العامة من وظائف أصلية وما تباشره كل منها من أعمال أخرى لا تدخل في نطاقها بل تعد استثناء من الأصل العام الذي يقضي بانحصار نشاطها في المجال الذي يتفق مع طبيعة وظيفتها. وإذ كانت هذه الأعمال الاستثنائية قد أوردها الدستور على سبيل الحصر والتحديد وبين بصورة تفصيلية ضوابط وحدود ممارستها – كقيد على مبدأ الفصل بين السلطات الذي التزمه الدستور الحالي الصادر عام 1971 منحازا بذلك إلى القيم الديمقراطية في الدول المتحضرة – فقد تعين على كل سلطات الدولة أن تلتزم تلك الحدود الضيقة وأن تردها إلى ضوابطها الدقيقة الصارمة التي عينها الدستور، وإلا كان عملها مخالفا للدستور مما يخضعه للرقابة القضائية التي عهد بها إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، بغية الحفاظ على مبادئه وصون أحكامه من الخروج عليها”. قضية رقم 15 لسنة 18 قضائية المحكمة الدستورية العليا

خضوع المرسوم للمراجعة القضائية يحتمه سيادة حكم القانون

“ما أقوله هو أن السلطة لايجب ابداً أن تكون موضع ثقة مالم تكن خاضعة للمراجعة “

جون آدامز في خطابه لجفرسون

الحكم الوارد في المادة 109 مشابه للمادة 147 في الدستوري المصري القديم وقد رأت المحكمة الدستورية المصرية تطبيقاً لأحكام المادة 147 من دستور 1971 إن تقدير الضرورة الداعية لإصدار القرارات بقوانين عملاً بالمادة 147 من الدستور متروك لرئيس الجمهورية تحت رقابة مجلس النواب بإعتبار ذلك من عناصر السياسة التشريعية التى لا تمتد إليها الرقابة الدستورية. إلا أن ذلك لا يعنى إطلاق هذه السلطة فى اصدار قرارات بقوانين دون التقيد بالحدود والضوابط التى نص عليها الدستور، ومن بينها اشتراط أن يطرأ – فى غيبة مجلس الشعب – ظرف من شأنه توفر الحالة الداعية لاستعمال رخصة التشريع الاستثنائية وهو ما لم يكن له قائمة بالنسبة للقرار بقانون المطعون عليه الأمر الذي يحتم اخضاعه لما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية. (قضية رقم 28 لسنة 2 ق ).

 النص في المادة 4 (1) من الدستور على تأسيس الدولة على سيادة حكم القانون يخضع الدولة بكل مكوناتها لحكم القانون وتقول في ذلك المحكمة الدستورية المصرية “وإذ كان الدستور قد نص في المادة 65 منه على خضوع الدولة للقانون، دالا بذلك على أن الدولة القانونية هي التي تتقيد في كافة مظاهر نشاطها – وأيا كانت طبيعة سلطاتها – بقواعد قانونية تعلو عليها، وتكون بذاتها ضابطا لأعمالها وتصرفاتها في أشكالها المختلفة، باعتبار أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازا شخصيا لأحد ولكنها تباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها؛ ومن ثم فقد أضحى مبدأ خضوع الدولة للقانون مقترنا بمبدأ مشروعية السلطة هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة القانونية. متى كان ذلك وكان الدستور يؤكد في المادة 73 منه مسئولية رئيس الجمهورية عن احترام الدستور وسيادة القانون ورعاية الحدود بين السلطات فإنه إذا ما قرر ملاءمة إصدار قرار بقانون لمواجهة أحد الأخطار التي أشارت إليها المادة 74 من الدستور فإن هذه السلطة تكون مقيدة بالضوابط المقررة لممارسة هذا الاختصاص التشريعي الاستثنائي وأخصها تلك التي تضمنتها المادة 147 من الدستور، ذلك أن ما تقرره المادة 74 من سلطات لرئيس الجمهورية لمواجهة الأخطار المشار إليها فيها، لا يعني الترخص في تجاوز الضوابط والخروج على القيود التي تضمنتها مبادئ الدستور الأخرى وفي مقدمتها ألا تمارس السلطة التنفيذية شيئا من الوظيفة التشريعية إلا على سبيل الاستثناء وفي الحدود الضيقة التي أجاز فيها الدستور ذلك في المادة 147 منه.” قضية رقم 15 لسنة 18 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”

مخالفة الدستور من حيث الموضوع

المعلوم أن الفقرة الثانية من المادة 109من الدستور تنص علي أنه ” على الرغم من نصوص البند (1) لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يُصدر مراسيم مؤقتة في المسائل التي تمس وثيقة الحقوق أو نظام الحكم اللامركزي أو الانتخابات العامة أو التخصيص السنوي للموارد والإيرادات المالية أو التشريعات الجنائية أو المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُعدل حدود الدولة.”

والسؤال هو هل كان المرسوم بما قرره من تعديلات في حدود السلطة الدستورية لرئيس الجمهورية؟

في تعداده لمزايا التعديلات التي أدخلها القانون في قانون الإجراءات المدنية يذكر مولانا عوض النور أن التعديلات التي إستحدثها المرسوم، ترسخ  مبادئ المحاكمة العادلة

حسنأ إذا كان ذلك كذلك الا توافقني مولاي علي ان المرسوم قد سبح خارج مياهه، وبالتالي فهو من حيث الموضوع مستوجب الإسقاط؟ اذا كان الغرض من التعديلات هو أن يتماشي القانون مع الدستور باالنسبة للحق في المحاكمة العادلة، فان ذلك لايمكن التوصل إليه عن طريق مخالفة الدستور

نبيل أديب عبدالله

المحامي