عمر الدقير
في سرده لذكريات سنوات سجنه الطويلة، يقول نلسون مانديلا إنَّ كرة القدم كانت هي البهجة الوحيدة التي يحظى بها المسجونون وأنها كانت من العوامل التي ساعدته ورفاقه على الصمود وتحمل قسوة السجن وأبقتهم على قيد الحياة وعلى قيد الأمل، فهي تبعث في المرء “روح المقاومة ورفض فكرة الهزيمة”، تلك الكلمات التي بقيت نشيداً على لسان مانديلا وهو يردد قصيدة “الشخص الذي لا يقبل الهزيمة” حتى بعد أن منعته سلطات السجن من لعب كرة القدم وبنت حائطاً سميكاً لتشديد عزلته في زنزانته الانفرادية عن بقية رفاقه حتى لا يشاهدهم وهم يمارسون هذه اللعبة .. وبعد انتصار شعبه على نظام الفصل العنصري، رأى مانديلا أن كرة القدم يمكن أن تساعد في بناء مجتمع مترابط وخلق شعور وطني يتجاوز الاختلاف الإثني والثقافي ويجمع أمة جنوب أفريقيا التي سماها أمة قوس قزح.

ثمة نواحٍ أخرى إيجابية لكرة القدم، التي تتفوق بشعبيتها على كل الألعاب الرياضية في معظم أنحاء العالم، ومن ذلك ما يتصل بإقامة التوازن الحاذق بين عبقرية الفرد والعمل الجماعي وبين التنافس والتعاون بحيث لا يتعارض أداء الفريق بكامله مع تنافس أفراده على النجومية، كما أنها تتيح فرصاً متكافئة للأفراد الذين يمارسونها ليحصدوا مادياً ومعنوياً وفقاً لمهارتهم فيها وعطائهم في ميادينها بغض النظر عن منابتهم الإجتماعية أو الإثنية، مثلما تتيح لدولٍ صغيرة وليست ذات نفوذ سياسي أو اقتصادي أو عسكري كبير – مثل السينغال والأرغواي – أن تُلَقِّن الدول الكبرى دروساً في المهارة والبراعة والخطط الهجومية والدفاعية وتنزل بها الهزيمة وكأنها تنتقم من تهميشها على أرض الواقع.

غير أنَّ المفكر البريطاني تيري إيجلتون له رأيٌ آخر في هذه اللعبة الأكثر انتشاراً في العالم، إذ يعتبرها مؤامرة رأسمالية تجب محاربتها .. يرى إيجلتون أنَّ كرة القدم هي وسيلة فعالة لتشتيت انتباه الناس عبر أوقات فرحٍ زائف ونشوةٍ مختلسة عن واقع الظلم والفوارق الاجتماعية والاقتصادية وكل المشاكل التي تسببها سياسات النظام الرأسمالي، كما أنها تُوهم كل فردٍ من المشجعين بأنه أصبح خبيراً في خطط هذه اللعبة واستراجياتها ويستطيع أن يمارس حق التقييم والنقد ويتعرض لأداء ألمع نجومها من اللاعبين والمدربين بالقدح أو الثناء .. لهذه الأسباب وغيرها، يدعو إيجلتون إلى إلغاء كرة القدم أو “أفيون الشعوب”، كما يصفها، ويعتقد أن دعاة التغيير السياسي لا بدّ أن يشعروا بالمرارة وهو يرونها تساهم في إبعاد الناس عن العمل من أجل من تحقيقه.

رغم أنَّ هذا الرأي قد لا يعجب مئات الملايين من الذين يدمنون عشق هذه اللعبة، إلّا أنَّ هناك شواهد تجعله جديراً بالاحترام .. فكثيرٌ من الحكومات تحاول أن تجد في كرة القدم تعويضاً عن افتقارها لأي مشروع تلتف حوله الجماهير – بعد سقوط مشاريعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في امتحان الواقع – وتستخدمها لإلهاء الجماهير عن همومها وقضاياها الأساسية وعن المطالبة بحقوقها المهضومة، ولهذا السبب تحديداً فإنَّ الحكومات المستبدة التي تضيق ذرعاً بأقل مساحة لحرية الرأي، تحرص على توفير هذه المساحة بكرم حاتمي لأجهزة الإعلام الرياضي لحشد أعداد هائلة من المشجعين بولاءٍ أعمى خلف فريقهم ضد عدوٍ وهمي وتبديد طاقاتهم في جدلٍ عقيمٍ لا ينتهي وحماسةٍ هستيرية تتواصل بتواصل المنافسات التي لا تتوقف إلّا لتبدأ من جديد، محلياً وإقليمياً ودولياً، بدلاً من توجيه هذه الطاقات وهذه الحماسة نحو تغيير الواقع الموسوم بأزمات تراوح مكانها ولا تحظى إلّا بهامشٍ محسوبٍ من الحرية لمناقشتها.

لا أحد يستطيع أن يمنع الناس من أن يحتشدوا بأعدادٍ غفيرة في مدرجات الملاعب أو أن يتسمّروا أمام أجهزة التلفاز لمتابعة مباريات كرة القدم .. لكن هل لدى السودانيين فائض من الوقت والرفاهية والدموع للإنشغال بهذه اللعبة عن قضاياهم الأساسية وأزماتهم المستفحلة، للدرجة التي تحولت فيها متابعة المباريات وردود الفعل على نتائجها إلى بديل عن الحراك السياسي بحيث تخرج المظاهرات الهادرة فرحاً بانتصار هذا الفريق أو ذاك، مثلما تحولت الأندية الرياضية إلى بدائل رمزية عن الأحزاب؟، وهل لدى السودانيين فائض من العملة الصعبة يتم صرفه على أنصاف المواهب – أو من يطلق عليهم بعض مشجعي الكرة السودانية “المواسير” – من اللاعبين والمدربين الأجانب؟

كانت كرة القدم هي البهجة الوحيدة التي حظي بها نلسون مانديلا ورفاقه في سجون النظام العنصري، ويبدو أنها أصبحت البهجة الوحيدة التي يحظى بها السودانيون في سجنهم الكبير .. لكنها بهجةٌ تُحاكي رقصة الطائر الذبيح.