سيف الدولة حمدنا الله
لم تضعني الإنقاذ في إختبار على المستوى الشخصي بمثلما فعلت عند تعيين الفقيد حازم عبدالقادر محافظاً لبنك السودان، ذلك أن من يكون محافظاً للبنك المركزي يطاله سهم من بين كل ثلاث يوجّهها أي مُعارض مثل حالي للنظام، يقابِل ذلك أنه، وبحساب صلة الدم والقربى، فقد خرجنا المرحوم حازم وأنا من رحم واحد، فوالدته شقيقة والدي ووالده إبن عمة والدي، وقد نشأنا وتربينا في بيت واحد، ولكن هذا لم يمنعني من مجابهة حازم بآرائي حول سياسات البنك المركزي في عهده بما كان يُغضِب من حوله أكثر مما كان يفعل به، والحقيقة أنه منذ لحظة تعيين حازم في هذا الموقع كانت قد توالت عليه التهاني والتبريكات من أبناء الأسرة في “القروب” الذي يضمني مع أبناء العائلة الآخرين، وحينها كتبت لحازم كلاماً بما يعني أنه مِمّا يُثلِج صدري أن أرى تقدُّم أحد أبناء الأسرة في مراتب عمله، ولكن سوف يظل في نظري حازم المحافظ هو صاحب الوظيفة لا حازم الذي تربطني به صلة القربى.

لم تربطني من قبل حازم صلة شخصية بأي صاحب مركز أو قرار في نظام الإنقاذ سوى ما حدث في السنوات الأخيرة بتعيين الزميلين الجليلين حيدر دفع الله وعوض الحسن النور في منصبي رئيس القضاء ووزير العدل على التوالي، وقد أقنعتني تجربتي معهما أن الإنقاذ تعمل بنظام الدفع الأمامي بحيث يستحيل إصلاح العُطب الذي أصابها سوى بمعالجة القاطرة التي تسحب بقية الجسد وراءها، ذلك أن قضاء الإنقاذ في زمن القاضي الشرعي جلال محمد عثمان هو نفسه قضاء الإنقاذ في زمن حيدر دفع الله وسوف يظل كذلك لو جلس على المقعد مولانا محمد أحمد أبورنات أو الخواجة “إدجار بونهام كارتر” وهو السكرتير القضائي البريطاني الذي أنشأ النظام الحديث للقضاء السوداني (1899- 1917). ثم أن تجربة الزميل عوض الحسن النور في وزارة العدل والنائب العام لم تكن بأفضل مما إنتهى إليه زميلنا حيدر، وكنت قد تفاءلت بمقدم الدكتور عوض النور لهذا المنصب، لمعرفتي اللصيقة بما يتمتّع به الرجل من معرفة وما لديه من خبرة ودراية وصرامة وإعتداد بالنفس وأهم من ذلك إستعداده للمقاتلة في سبيل إستقلال رأيه، وعند تعيين عوض النور كتبت شيئاً من هذه المعاني في تقديمه، وقد جعلني ذلك في نظر كثير من القراء مسئولاً معه بالتضامن عن كثير من أخطائه، فكلما جاء ذكر عوض النور في خبر، كتب من يقول”الله يجازيك يا فلان فقد ضلّلتنا في الرجل“.

برغم تحقيق عوض النور للحلم الذي كان يُنادي به كل أهل القانون بفصل منصب النائب العام من وزارة العدل بما كان يُعتقد بأنه سوف يُحقِّق إستقلال مهنة النيابة العامة، إلاّ أن ذلك قد حُسِب عليه، فما أن فرغ من مهمته “شمِت” فيه خصومه في ديوان الوزارة ب “المزيكا” وأقاموا “زفة” بالمزامير وموسيقى حسب الله للشاب الذي جرى تعيينه في منصب النائب العام وقيل أنه من أقرباء رئيس الجمهورية، بما جعل عملية فصل منصب النائب العام تنتهي إلى تحقيق عكس ما أُريد منها.

على الصعيد العام لم أتفق يوماً مع أيّ قرار إتخذه محافظ بنك السودان الفقيد حازم عبدالقادر، وكان الرأي عندي (في أوساط الأهل) أن حازم قد ظلم نفسه بقبول هذا المنصب الذي دنّسته أيدي من سبقوه وكان المنصّة التي إنطلقت منها كل عمليات النصب والإحتيال والسلب التي طالت الخزينة العامة حتى أضحت خاوية يتسوّل القائمون عليها ثمن شحنة باخرة جازولين بعد أن كان قد دخل في جوفها (الخزينة) عشرات المليارات من الدولارات عبارة عن عائد صادر البترول، توزّعها لصوص الإنقاذ فيما بينهم، وهم “يتفشخرون” بها علناً أمام ضحاياهم من أبناء الشعب في هيئة قصور ومباني وزيجات ومهور للأنجال بما يُشبه الأساطير ورحلات وسفريات وتحويلات للخارج .. إلخ.

بيد أن تناول سيرة الشخص بعد موته لها قواعد وأصول، فليس هناك ما يمنع – في الدين أو الأخلاق – من التعرض لسيرة المتوفي فيما يتصل بكونه شخصية عامة، فقد تناولت كتب التاريخ الإسلامي سيرة الخليفة الراشد العادل سيدنا عمر بن الخطاب عمر رضي الله عنه ولم تحذف منها ما كان يفعله من أفعال الجاهلية قبل دخوله الإسلام، ولا شيئ أضاع معالم التاريخ السوداني خلاف الفهم الخاطئ لقاعدة (الإحسان في ذكر الموتى)، فقد بدّلنا فشل القادة إلى نجاح في كتب التاريخ حتى لا يُقال أننا نُسيئ إليهم، كما بدّلنا كثيرا من الهزائم إلى إنتصارات حتى نزهو بأمجادنا ونتغنّى بها ونطرب، فزيّفنا التاريخ بالحد الذي لم يعد في إمكان شخص اليوم أن يُجاهر بخلاف ما إستقرّ في عقول الناس بسبب ما يتعرّض له من إرهاب أنصار أي فترة يتم تناولها بالنقد أو بيان الحقيقة، ويصدق هذا الكلام من فترة المهدية حتى الديمقراطية الأخيرة.

والحال كذلك، من حق الجميع تناول وتقييم تجربة المرحوم حازم خلال تقلده منصب المحافظ، بيد أن الذي لا يليق هو التعرُّض لشخصه ومطاردة روحه بعد أن صعدت للسماء، وليس من اللائق التعرّض لشخص إنتقلت روحه للسماء باللعنة والشتيمة الشخصية، ويذكر التاريخ أن أتباع الفكر الذي ينتمي إليه الراحل الدكتور حسن الترابي (والصحيح الذين ينتمون إلى فكره) كانوا أول من أدخل هذه الجرثومة إلى أدب الخلاف الفكري والسياسي، فقد أطلقوا – ولا يزالون – على الشهيد محمود محمد طه وصف “الهالك”، بما يعني أنه خارج دائرة الرحمة وكأنهم وقفوا معه يوم الحساب، وهكذا يفعلون مع كثيرين غيره من الخصوم السياسيين، فحينما توفى الفريق فتحي أحمد علي نهشت سيرته أقلام النظام من قبل أن يصل جثمانه من القاهرة، وحينما كتب عُقّال منهم بأن هذا عيب، ردّ عليهم الصحفي حسين خوجلي في إفتتاحية صحيفته (ألوان) يقول: “نعم أن ديننا يأمرنا بذكر محاسن موتانا .. ولكنه ليس من موتانا” ثم واصل في لعنه للمتوفي.

الفقيد حازم رجل تحكي مسيرة حياته المهنية أنه شخص مهني كان في حاله ولا ينتمي لتنظيم الجماعة الحاكِمة، فقد تخرّج في كلية الإقتصاد جامعة الخرطوم (1984) وإلتحق دون تزكية أو وساطة بوظيفة أفندي متدرّب ببنك السودان، وقد تدرّج في العمل بأقسام البنك المختلفة حتى بلغ منصب مدير إدارة قبل سنوات قليلة من بلوغه سن التقاعد، وقد شاء القدر أن تنتهي حياته بعد فترة قصيرة أمضاها في منصب المحافظ.

لقد مضى حازم وهو اليوم في رحاب الله، ونسأل الله أن يُحسن وفادته ويغفر له خطاياه،،

سيف الدولة حمدناالله
saifuldawlah@hotmail.com