التغيير: الخرطوم

في احد أندية المشاهدة، في منطقة الفتيحاب الواقعة غربي العاصمة السودانية الخرطوم،  انهمك العشرات وهم يتابعون مباراة في كأس العالم، وعندما سألت عددا منهم ماذا يعني لهم تاريخ 30 يونيو فأجاب معظهم انهم لا يربطون هذا اليوم باي حدث.  

وانبري  احدهم،  ويبدو اكبر سنا،  وقال ان هذا التاريخ كانت تحتفل به حكومة الإنقاذ بذكري ” الثورة”. لكنه عاد واستدرك بالقول انه لايهتم بهذا اليوم الذي وصفه بانه يوم عادي.
وقال  ” ذكرى الإنقاذ لم تعد تغري احدا بالاحتفال بها او استذكارها.. هذه الحكومة لم تقدم شيئا لنا ونحن الان في اوضاع اقتصادية صعبة جدا ولا ادري ان كان احدا سيحتفل بهذه المناسبة”. 
فعليا، وعلي ارض الواقع، لا توجد دلائل ومؤشرات على ان الحكومة نفسها متذكرة هذا التاريخ ، فالشوارع والحدائق  والأماكن العامة ومداخل الجسور ،  تخلو من اي ملصقات او شعارات دعائية تدعوا الناس للاحتفال بذكري الإنقاذ. وكذا الامر ينطبق على وسائل الاعلام الحكومية وغيرها حيث خلت من اي دعوات او برامج مرتبطة بهذا الحدث.
وخلا دار حزب المؤتمر الوطني الحاكم، من اي مظاهر للاحتفال بهذا الحدث وكذلك حزب المؤتمر الشعبي الذي كان جزاءا من الحكومة قبل الانشقاق الشهير بين عراب الانقلاب الراحل حسن الترابي وقائده العسكري عمر البشير.
ولم يصدر حزب سياسي مؤيد للحكومة او معارض لها او اي تنظيم سياسي ، مثل الحركة الاسلامية،  اي بيان او منشور سياسي حول هذا الامر. 
وظلت “حكومة الإنقاذ الوطني” التي جاءت للحكم عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989 تحتفل بذكري الانقلاب بشكل سنوي من خلال جعل اليوم عطلة رسمية في كافة انحاء البلاد، وإقامة مناشط وفعاليات دعائية في الساحات والحدائق العامة تحاول فيه إبراز ما تصفه ” بإنجازات  الثورة”. بالاضافة الي تنظيمها لفعاليات جماهيرية ومسيرات يتم تنظيمها بميزانيات ضخمة من خزينة الدولة.
كما ان قائد الانقلاب المشير عمر البشير دأب علي إلقاء خطاب ” للأمة” ليلة الذكري عبر التلفزيون الرسمي يتناول فيه ماتم تحقيقه ويعقد مقارنات ما بين سنوات حكمه ومن سبقوه . 
غير انه ومع مرور السنوات ، بدات في التقليل من مظاهر  الاحتفال والصرف عليه ، وتراجعت عن اجبار العاملين في الدولة بالاحتفال بهذا اليوم في الساحة الخضراء، وصولا الي عدم الاحتفال بهذه المناسبة ونسيانها تماماً كما يصادف اليوم الذكري رقم 29.
وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي  ابراهيم الامين ان هنالك سخطا كبيرا علي الحكومة بسبب سوء الاوضاع الاقتصادية المتردية ، مشيرا الي انه لا احد يحتفل بهذه الذكري سواء من الحكومة او الناس علي حد سواء.
واضاف يقول ” لا احد سيتذكر ذكري الإنقاذ بطبيعة الحال لان اصحاب الثورة أنفسهم لا يتذكرونها.. هنالك حالة من الإحباط تسيطر على الشارع السوداني بسبب سياسات الحكومة التي أوصلتهم الي هذه المعاناة غير المسبوقة في حياتهم.. ارتفاع شديد في اسعار السلع وندرة كبيرة في بعض منها .. ولا يستطيعون سحب أموالهم من البنوك .. في مثل هذه الظروف سيتذكرون الإنقاذ بكل مساوئها والاحباط الذي سببته لهم”. 
ولم يتبقي من ” ضباط الثورة” في الحكم سوى ثلاثة ضباط  من اصل 15 ضابطا قادوا الانقلاب وهم المشير البشير ونائبه الاول الفريق بكري حسن صالح ووالي ولاية الخرطوم الفريق عبد الرحيم محمد حسين. 
وتباينت مصائر بقية الضباط، ما بين قتيل في حوادث طيران غامضة مثلما حدث للزبير محمد صالح حين كان يتقلد منصب نائب رئيس الجمهورية وإبراهيم شمس الدين وزيرا للدولة بوزارة الدفاع ،  ومتوفي وفاة طبيعية، ومريض يعاني من مشاكل جسدية ونفسية وآخرين في الرصيف لا يعلم احد عنهم شيئا كما قال اللواء الطاهر حمدون عبارته الشهيرة ” لقد صرت نسيا منسيا”.   
ويري الامين انه لم يعد هناك شيئا اسمه الإنقاذ بعد مرور هذه السنوات من عمرها الطويلة. 
واوضح يقول: ” هنالك مجموعة من اصحاب المصالح المتقاطعة من ضباط في الجيش والامن وسياسيين وانتهازيين يديرون امر البلاد ولا تجمعهم سوي مصالحهم ويعملون تحت مظلة حزب اسمه “المؤتمر الوطني”  .. لا احد منهم يتذكر الإنقاذ ولا يريدون ذلك”.