عثمان ميرغني

تجدون في الصفحة الأخيرة اليوم رداً من جامعة الخرطوم على ما ورد في “حديث المدينة” يوم الخميس 21 يونيو 2018.. وبكل أسف وللمرة الثانية أجدني أعتب على زميلنا عبد الملك النعيم مدير إعلام جامعة الخرطوم نزوعه للذات الشخصية بدلاً من القضية.. إذ فاض الرد بأسماء شخصيات كأنما أي نقد للجامعة قذف في شرفهم المهني أو الإداري..

لنكنْ صرحاء.. جامعة الخرطوم ليستْ كأية جامعة.. عمراً ومقداراً.. فهي واحدة من الرموز الوطنية التي ظلت لفترات طويلة مطبوعة على عملتنا الوطنية من باب الاعتزاز.. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.. الدور المطلوب منها يختلف عن المطلوب مثلاً من جامعة البحر الأحمر أو دنقلا أو النيلين..

ولنضع النقاط فوق الحروف، لعبت جامعة الخرطوم على مدار التاريخ الوطني دوراً سياسياً سافراً غير متوار خلف أية لافتات خجولة.. وخلدت ذلك أغنيات وطنية كثيرة يحفظها وجدان الشعب السوداني الأصيل..

فأين الدور السياسي الوطني لجامعة الخرطوم؟

بكل صراحة ومن أول وهلة عمدت الحكومة على طمس هذا الدور مع سبق الإصرار والترصد.. وتحولت جامعة الخرطوم إلى محمية سياسية تمثل أجندات وسياسات الحزب الحاكم، بصوابها وخطئها بل وخطيئتها.. وشهدت ساحاتها أعنف المعارك الطلابية التي في غالبها الأعظم يشعل شراراتها ويديرها الحزب الحاكم.

وأحكم الحصار السياسي على الجامعة إدارياً وحتى أكاديمياً.. حيث تشكل البطاقة السياسية شرطاً غير قابل للتفاوض في التعيينات وتوزيع المناصب.. وفي سبيل تثبيت المكاسب يجتهد حاملو البطاقات السياسية في تكريس سياسات الحزب الحاكم بالاجتهاد في الإقصاء.. ثمناً للكراسي والمراقي الإدارية.. فتحولت الجامعة إلى مجرد حارس أمين على مكاسب الحزب الحاكم، فرفرفت على الرايات شعارات (لسانك حصانك.. إن صنته صان وظيفتك).. حتى أضحت جامعة الخرطوم مجرد مؤسسة تعليمية منزوعة الهمة الوطنية للدرجة التي عندما تقرر الجامعة تكريم رئيس دولة زائر لبلادنا لا تجد حرجاً أن تفعل ذلك في قاعة الصداقة.. لا في الحرم الجامعي الذي خلد التاريخ سيرته بأدواره الوطنية..

ومثال آخر؛ تستضيف بلادنا هذه الأيام مفاوضات فرقاء جنوب السودان، وهو عمل وإنجاز ضخم بالمعايير الدبلوماسية والدولية.. ولحسن الطالع عدد من أهم قادة الأطراف الجنوبية هم أبناء مؤسسة جامعة الخرطوم بل وعملوا أساتذة في هيئة تدريسها.. أين تجري المفاوضات؟؟ في ضاحية “سوبا” في مقر أكاديمية الدراسات الإستراتيجية والأمنية.. لماذا؟ رغم أنَّ جهاز الأمن والمخابرات الوطني يملك عدداً من المقرات المناسبة في قلب العاصمة.. السبب لأنَّ الجهاز يمنح الأكاديمية فرصة نادرة لترسيخ وجهٍ إقليميٍ خارجيٍ يتجاوز المحلية.. تماماً مثل أكاديميات أمنية شهيرة في عدة دول أخرى ذات صيت واسع في الإقليمين العربي والأفريقي بل والعالم.

لماذا لا تحاول جامعة الخرطوم ترفيع صيتها الداخلي والخارجي بتبني مبادرات مثل هذه؟ الإجابة سهلة تجدونها في رد إعلام الجامعة.