عثمان نواي

(يجب أن نلعب اللعبة التي صنعناها ويجب أن يلعبوا اللعبة التي وضعناها)
نيكسون، 1971

ان قواعد اللعب التي تحدد إطار الفضاء العام لمشاركة الأفكار والتعبير عن الرأي وطرح مشاريع التغيير السياسي والاجتماعي في السودان، لم تنجو من أن تكون تحت رحمة القلة التي تضع خطوط اللعبة في الواقع السوداني علي كل مستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أيضا. ولذلك فإن القوالب المريحة المفصلة علي مقاس وحجم هذه القلة المهيمنة علي السودان دولة وشعبا هي التي تتحكم في وتصدر أحكاما قيمية في مدي صلاحية أو عدم صلاحية مشروع ما، او فكرة ما أو حتي وجهة نظر ما. في هيكلة مترابطة من النظام الأبوي المغلق علي نفسه حيث أن بطرياركية المعرفة والتنوير والتحضُر يحتكرون عمليات التعميد للدخول في عباءة المرضي عنهم، ولكي يتم اجازتهم من قبل هذه البابوية الأبوية المقدسة التي تقيس الحقيقة علي مقاسها فقط.

هذه العقلية التي تتبنى هيكلة للأخلاق توائم وضعيتها التاريخية الامتيازية، بحيث يتم وضع معايير الاستنارة والأخلاق نفسها بحيث لا يتم المساس باستمرارية منظومة الامتيازات التي من ضمن أهم مكونات ضمان استمرارها هو تثبيت هيكلة القيم التي تضمن أن تبقي هذه الامتيازات نفسها محصورة في فئة معينة دون غيرها. حيث أن اللعبة وقواعدها يصنعها طرف واحد فقط بينما بقية اللاعبين مضطرين قسرا علي الالتزام بالقواعد التي صنعها ذلك اللاعب الوحيد دون أي استشارة لغيره. يقول مارتن لوثر كينج 🙁 القانون الغير عادل هو التشريع الذي يفرضه الأغلبية علي الأقلية ولكنه لا يُطبق علي الاغلبية، وبهذا يتم تقنين التمايز . وفي المقابل فإن القانون العادل هو التشريع الذي تلزم الأغلبية الأقلية باتباعه، بينما تتبعه هي أيضا، وهنا يتم تقنين المساواة .) علي مدي تاريخ الدولة السودانية الحديثة تم احتكار وضع التشريعات والقوانين وكل قواعد اللعب علي مستوي السياسية والاقتصاد وسبل الترقي الاجتماعي ومنظمات التعليم وهرميات المعرفة والثقافة والعلوم والفنون وحتي تم تصنيف التراث الشعبي واللغات المحلية وبالتأكيد وقبل كل شي تم صناعة قوالب التمايز بين البشر التي علي أساسها تمت صناعة كل تلك النظم الحصرية للانتماء الي نوادي صناعة القرار ونشر الوعي والاستنارة والتي يتبعها الثروة والسلطة في الدولة السودانية. حيث أن قيم هذه القلة التي فرضت علي الآخرين ليست سوى تقاليد لاعلاقة للأخلاق بها فهي، ليست سوى إشباع نزوات حب المال والجاه والثروة والسلطة والتكويش . حتي أصبحت العنصرية ممارسة صامتة الي درجة انها عادية لا يشعر بها سوي من تمارس عليه، فلا حاجة إلي تعليق يافطات لمنع دخول مجموعات اثنية معينة للمكاتب أو المؤسسات التابعة للدولة أو القطاع الخاص حيث أن آليات تاريخية طويلة عملت علي أن يتم بها منعهم بشكل اوتوماتكي عبر الافقار والتجهيل والتنزيح علي اساس اثني عبر عقود طويلة، وبالتالي لم يعد هناك حاجة لوضع لافتة منع لمن لن يستطيعوا الاقتراب من الأساس، حيث تم ضمان منعهم مسبقا عبر آليات وضعت بدقة لكي لا يصلوا ابدا الي هذه المناطق المحظورة دون حتي ان يتم إعلان حظرها.

علي قمة الهيكلة الهرمية للهيمنة نجد عملية فرض اللغة العربية كلغة رسمية وحيدة للتعليم والتعاملات في دولة فيها ما لايقل عن 100 لسان بشرى يتم التحدث بها علي مدي تاريخي لا يقل عن 3 آلاف عام لسكان أرض السودان ذو المليون مربع ما قبل الانفصال، لكن يفرض علي كل هؤلاء لغة وحيدة تتغاضي عن كل اختلافات نطقهم وتنوعهم ودون أي مراعاة الي خلفياتهم الرمزية التي تعبر عنها لغاتهم الأصلية. ولكن فرض هذه اللغة وجعل اجادتها هو عامل أساسي لدخول الطبقات المغلقة للعلم والثقافة الحديثة، الغرض الرئيسي منه هو تأكيد امتياز كل أصحاب اللسان العربي على غيرهم. وبالتالي وضع اول قواعد اللعبة والتأكد انها ستضمن تماما سيطرة مجموعة معينة وربما تقبل في داخل النادي الحصري بعض الذين يتم تبيئتهم ومن ثم ضمان عدم قدرتهم على الاحتجاج علي قواعد اللعب ناهيك عن صنع أو فرض قواعدهم الخاصة. ومن هنا تتجلى أولي عتبات البناء اللاخلاقي لما تسمي بالطبقة المستنيرة في السودان والتي تهيمن عليها مجموعات معينة وضعت لنفسها سياجات تحجب عنها أي منافسة أو تحدي حقيقي من مكونات السودان الثقافية والاجتماعية الأخري. وبالتالي يصبحون هم اللاعبين والحكام والمدربين والجمهور مجبر فقط على المشاهدة والقبول بما يرى والتشجيع إذا سمح له بذلك. وفي قاعدة هرم المنظومة نجد آليات الفرز الاجتماعي الأخري إضافة إلى العامل الرئيسي في التمايز المتعلق بالوضعية الاقتصادية. حيث تم احتكار مسبق لوسائل الإنتاج عبر عقود من الهيمنة علي الدولة وصياغة علاقات إنتاج لا ينتج عنها سوي افقار ونهب الشعوب المضطهدة ومزيد الغني للمجموعات القلة المهيمنة حتي اتسع الفارق وجعل بعض الشعوب المستغلة والمضطهدة غير ذات قيمة فأصبحت ابادتها أكثر ربحا وأقل تكلفة من استغلالها.

ان القوي الحديثة التي تحاول الان التعبير عن نفسها بأنها تشكل طوق النجاه للبلد باعتبارها طبقة مستنيرة، هي في ذاتها غارقة في عقلية السلف الصالح الذي ورثوا منه لعبة صناعة وإدارة المعايير في السودان ودون أن يقوموا هم أنفسهم بالنقد الذاتي اللازم لمن ورثوا منهم تلك القوانين المجحفة في حق الآخرين، بل إنهم يستمرون في الحكم بها بل وفي أحكام سيطرتهم علي ساحة صناعة اي قوانين أو شروط لما يسمى الوجود في أطر الاستنارة والنضال من أجل التغيير في السودان. هذه النوادي المغلقة تريد أن تحكم من علياء صوالينها علي آلام ومعاناة المجموعات السودانية الأخري، وهي تتناسي انها هي شريكة في صناعة ماساتهم . فكيف الجلاد أو ابنه يصبحون هم أيضا القضاة وصناع السلام والتغيير. ولكنهم يريدون أن يستمروا في صناعة قواعد اللعب باستخدام أسلحة اللغة الجوفاء في إدانة الآخر دون العودة الي حقيقة ذواتهم ومراجعتها ومحاكمتها أخلاقيا اولا عبر كشف التاريخ المخزي والاعتراف بالواقع المزري حيث أن السودان أصبح مقترنا بالحروب والنزوح وجرائم الحرب. أين هي الاستنارة في ظل إنكار هذا الواقع. ان الاستنارة الحقيقة هي إشاعة النور علي حقائق الذات المظلمة قبل محاولة نقد مثالب الآخرين، لكن كيف ينتقد المستنيرين آبائهم الأولون وسلفهم وهم لايجدون في أنفسهم اي جدارة ولا قدرة علي صناعة مكان جديد لأنفسهم غير الذي ورثوه بلا مشقة ولا جهد.

ان سلفية العقل الذي تحمله الطبقة المستنيرة يتجلى في بقائها هي نفسها في أسر القواعد المعيبة واللااخلاقية التي صنعها اباؤهم وسلفهم (الصالح) في نظرهم)، وعدم قدرتهم علي نقد هذه البنية والعقلية التراثية التي جرت السودان الي دوامات الموت والدمار. لا تري هذه المجموعات ابدا عوجات رقابها لكنها تري جيدا عوجات الآخرين ليس بميزان المهنية والعلمية والمنطق بل بميزان استراتيجية الهجوم التي هي أفضل وسيلة للدفاع. وهم يعون جيدا أن تاريخهم الملئ بالعار هو الذي يجب محاكمته وليس محالاوت الآخرين من شعوب السودان المقاومة للخروج من نير التمييز والاضطهاد الي الحرية والعدالة. ومهما كانت هذه التجارب التحريرية معطوبة وناقصة ومؤلمة أيضا الا انها يكفيها شرفا انها تسعي الي التحرر في النهاية وهي أعلى قيم ونضالات الإنسان علي مستواه الذاتي وعلي المستوي الجمعي. ويكفي المرء شرفا وفخرا أن شعوب السودان المضطهدة ظلت تناضل وتقاوم الرق ومن بعده التمييز والافقار والنهب والتهميش واخيرا الإبادة بلا توقف منذ قرون وليس عقود. وبنفس القدر الذي تراكمت عند طبقات المستنيرين المهيمنة علي البلد من اثنيات ومجموعات معينة ثروات وسلطات سياسية واقتصادية وثقافية أيضا، فان هذه الشعوب المقاومة تراكمت لديها الشجاعة وقيم الصبر ومحبة الحياة والحرية والعدالة والقدرة علي المواجهة والصمود في وجه مصاعب لا يتخيلها احد. حتى أن دراسات وبحوث تكتب في أساليب النجاة التي تتبعها مجموعات منهم مثل أهلنا في مناطق النزاعات الذين يعيشون تحت القصف والتجويع القسري منذ سنوات دون التنازل عن حقهم في الحياة والعدالة والمقاومة.

لكن سلفية عقول الطبقة المستنيرة تطوف حول ذاتها وتريد أن تطبق أحكاما أخلاقية علي الآخرين. في حين أن سلفيتهم وتقديس ماضيهم وتقديس قادتهم وابائهم والبحث عن أشجار نسبتهم يشغلهم عن الجلوس والقيام بنقد حقيقي للذات. فكيف يكون في السودان طبقة مستنيرة بينما لا يزال أكبر حزبين في البلد هما لطائفتين إحداها مبني علي اضغاث احلام رجل ادعي المهدوية والحزب الآخر مبني علي قبة ورجل يفترض التمسح بصلاحه. واي استنارة تلك في أحزاب أخرى تتبنى التقدمية لكنها أيضا مرتبطة بالسلف الصالح التقدمي ولا ترى سببا للتوقف والمراجعة في فشل تجارب العالم والذي اتبع ايدلوجيتها في القرن الماضي، هذا ناهيك عن متوهمي العروبة واحزابهم الذين لازالوا يؤمنون أن صدام حسين سيظهر يوما ما! . أما خارج الأحزاب فإن طبقة الاستنارة لا تكاد تنير شمعة في ليل السودان المعتم. فهاهم بروفيسرات الجامعات بعضهم يضرب طالباته والآخر يتحرش بهن بينما يفضح مدير جامعة في تسجيلات صوتية عنصرية فجة لا تليق بأهل العلم. وبين هذا وذاك تجد الفساد والانحلال والفشل والانفصام والانتهازية وبيع السودان وأهله بثمن بخس عند كل ملف.
وفي داخل هذا الملعب لازالت الطبقة المستنيرة ترى نفسها جديرة بالقيادة وتعتقد انها قادرة على توجيه تجارب الآخرين، بأي منطق واي معايير واي أخلاق. وهي وريثة امتيازات تجار الرقيق وما تسمي بالراسمالية الوطنية ألتي لم ترعي للوطن حرمة ونهبته منذ الاستقلال الي هذه اللحظة. أي أخلاق لديها وهي لا تخرج ابدا عن معلباتها لترى خارج الصندوق. لكي تحاكم عجزها عن خوض معركتها التحريرية الحقيقية من السلفية التراثية، ليس فقط من خلال الخطاب بل من خلال الفعل والعمل المباشر والمؤثر الذي يعكس مسار التاريخ الذي وضع سلفهم قاطرته في سكة الخطر والدمار. يقول رسول التحرير المدني اللاعنفي مارتن لوثر كينج :(لقد وصلت إلي الخلاصة المؤسفة وهي أن العقبة الكبرى في طريق نيل السود للحرية ليست في المواطن الأبيض المتعصب المنظم في منظمات عنصرية مثل kkk ولكنه المواطن الأبيض (المعتدل) الذي يكرس نفسه اتجاه النظام أكثر من اتجاه العدالة، وهو الذي يفضل السلام السلبي، والذي ما هو إلا غياب التوتر بدلا عن السلام الإيجابي الذي هو ترسيخ العدالة. ذلك المواطن الذي يقول باستمرار :”انا اتفق معك ومع الأهداف التي تسعي إليها، ولكنني لا أستطيع الاتفاق مع منهجك في الفعل المباشر.” وهو يشعر بشكل أبوي انه له الحق في وضع خارطة زمنية لنيل الآخرين لحريتهم.) هؤلاء الذين يعتقدون أنهم مستنيرين هم في الحقيقة العقبة الكأداء الأولي في طريق التحرر والانعتاق لكل الشعوب السودانية المضطهدة، حيث انهم يصرون علي أن يضعوا للآخرين قوانين التغيير والحراك من أجل التغيير، في حين أنهم لا يريدون لايؤمنون وغير مستعدين للقيام بأي عمل حقيقي ومباشر. بل يريدون التأكد من فرض السيطرة والهيمنة المستمرة التي ورثوها علي مشاريع تحرر الآخرين. ويبدو أنه كما وصل كينج الي خلاصته، فأن علي الشعوب المقاومة في السودان أن تصل الي ذات الخلاصة وان تزيح هذه العقبة من طريقها حتي تنطلق في طريق التحرير والسلام الإيجابي، كما وصفه مارتن لوثر، والذي هو ترسيخ العدالة والذي لن يتم الوصول إليه سني بالعمل المباشر ووضع قواعد جديدة للعبة يسيطر عليها الممسكين علي جمر المقاومة والنضال والعمل المباشر الفعال حيث أن زمن الركون الي اوهام العقول السلفية المدعية الاستنارة قد انتهي. وحتي نعي أن العقل السلفي لازال يحكم الطبقة المدعوة المستنيرة الان كما في السابق فإن كلمات تيسير محمد علي في وصف حال أعضاء مؤتمر الخريجين والآباء المؤسسين لهذه الطبقة السلفية يوضح أن لا شئ تغير. يقول تيسير في كتابه زراعة الجوع في السودان: (هذا التحالف بين الخريجين وزعماء الطوائف الدينية فرضته ظروف ضعف المجموعة الاولي وعدم رغبتها في تعبئة الجماهير الشعبية المضطهدة والمحرومة. فالخريجون لم يفكروا قط في التحويل الهيكلي أو التغيير الراديكالي في المجتمع السوداني .)!!
nawayosman@gmail.com