عيسى إبراهيم *

* رشا عوض الصحفية والكاتبة النابهة تناولت في مقالها: “عفوا.. الشعب السوداني ليس عملاقا ولا قزما!”، الذي نشر بالتغيير الالكنرونية الثلاثاء 19 يونيو 2018، وذكرت أن الكثيرين ينزعون (تحت وطأة واقعنا المأزوم) إلى تبسيط المشكل السوداني وربطه بسبب رئيس يكون وسادة لاتكاءة مريحة للنفس والعقل معا من عناء سبر أغوار “الخيبة الوطنية” بمنهج عقلاني يدرك أنها انعكاس  “لأزمة مركبة” ولا سبيل لاختزالها في عامل واحد، وقالت: هذه النخب لن تنجح في مسعاها بإصدار  الأحكام “القيمية” المطلقة على الشعب سواء الإيجابية بوصفه بـ”العملقة”، فالشعب (في رأيها) في محنته الراهنة “لا يحتاج لنخب تضلله وتخدره بالتمجيد والتضخيم الزائف”، أو السلبية بوصفه بـ”القزمية”، حيث ” لا يحتاج ـ حسب رشا ـ لنخب تتعالى عليه وتستفزه وتدخل في روعه اليأس”..

العملقة أهي تخدير وتمجيد وتضخيم زائف؟

* العملقة وصف مستحق، يستند على وقائع ملموسة في خصائص الشعب السوداني؟، فالذين وصفوا الشعب بالعملقة لم يخدروه أو يمجدوه أو يضخموه بما ليس فيه، وانما قالوا: “هو شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف”، والذين قالوا بالقزمية لم يلصقوها بالشعب الأصيل، وانما أطلقوها على حكامه الذين تصدوا لحكمه خلال الحقب الماضية، من 56 إلى راهننا في 2018، وهي حكومات استخدمت الناخبين كرافعة لاعتلاء كراسي السلطة لا غير، وهي هي ما وصفتهم الأستاذة رشا بـ”الحكومات المخدومة”، اقرأ “السياسة المخدومة” وهي تبحث من خلال كتابتها إلى “الحكومات الخادمة” اقرأ “السياسة الخادمة”..

الشعب العملاق

* لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل ، شجاع ، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة ، والشرف ولاينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته ، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا ، في مستواه ، فان المعجزات تجري على يديه ، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده .. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار ، فيما بعد ، “الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام “، (معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية – الكتاب الاول)..

الاسلام قبلة العالم

* “أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم.. وأن القرآن هو قانونه.. وأن السودان، إذ يقدم ذلك القانون في صورته العملية، المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن، وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب.. ولا يهولن أحدا هذا القول، لكون السودان جاهلا، خاملا، صغيرا، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض، بأسباب السماء”، (الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات ـ التربية بين السياسة والعلم أيضا مع الأستاذ أحمد لطفي السيد)..

مفترق الطرق

* من الأمم الإسلامية أمم متقدمة، بمقاس الوقت الحاضر، فدخلت خلف طلائع الحضارة الغربية في هذا الطريق العلماني، وقطعت فيه شوطا، به اعتبرت متقدمة، في الوقت الحاضر‏.‏‏. ومن الأمم الإسلامية أمم متخلفة، بمقاس الوقت الحاضر، فلم تصل حتى إلى مفترق الطريقين – الطريق العلمي والطريق العلماني – هي بذلك اعتبرت متخلفة‏.‏‏.أما نحن ـ السودانيين ـ فإننا، بفضل الله علينا، نقف اليوم في مفترق الطريقين‏.‏‏. لقد دخل بعضنا في طريق الحضارة الغربية الحاضرة، تبعا لطلائـع هذه الحضارة، ولكنه لم يوغل، ولم يبعد عن مفترق الطريقين‏.‏‏. أما الشعب فانه بفضل الله علينا، وعلى الناس، يقف عند مفترق الطريقين، تماما، محتفظا بأصائل طبائعه التي قد قدّها الله تعالى له من شريحة الدين‏.‏‏.أما نحن ـ الجمهوريين ـ فبفضل الله علينا، وعلى الناس، قد امتد بصرنا حتى رأينا قافلة البشرية الحاضرة، وهي تقف حائرة، عند نهاية طريق العلمانية المسدود، وأصبح واضحا عندنا، أن علينا لأن ندخل بشعبنا طريق العلمية حتى نكون للبشرية – قل للإنسانية – طليعة جديدة‏.‏‏.طريق العلمية طريق مفتوح على الإطلاق، وسير الإنسانية فيه سير سرمدي‏.‏‏. فهو يحقق فيه، كل حين، قدرا من إنسانيته، ومن كرامته، ومن عزه، ومن كماله‏.‏‏. وليست لكمال الإنسان نهاية، لأن نهايته عند الله “وأن إلى ربك المنتهى” ولا منتهى لكمال الله تبارك وتعالي”‏، (الديباجة الفقرة 18)..

من أصايل الطبائع “شهادة أولى”

* “رغم سنه ورغم حوجته  كان كبيرا بموقفه الرائع، هذه الصورة لصغيري محمود ومناسبة ختانه، وانا راجع من غيار  جرحه متجه من أمدرمان لمنزلى في الخرطوم، وعند الإشارة امام مسجد الشهيد بشارع النيل، تقدم طفل لينظف زجاج سيارتنا  كنت مشغولاً بالتلفون وأشرت له بيدى  متشكرا ولكنه اصر عليَّ بإنزال الزجاج في اتجاه ابني محمود الذي كان يجلس على  يمينى مرتديا الحريرة في يده وهلال في جبينه وبالحاح، وحينها كان الاستوب على وشك  المرور، انزلت  زجاج العربة  بعجل، لاتفاجأ بموقف هزَّني جدا ويقول هذا الصغير لصغيرى مبروك يا عريس وبسرعة  يدس له في جيبه خمسة جنيهات  اقسم بالله هذا ما حصل وانا فى دهشتى وأصوات تنبيه العربات تتصاعد لافتح الطريق تحركت مسافة الاستوب فقط، واتوقف لاحيي هذا الانسان الصغير، نازلا من العربة وأشير له بالمجيئ كان صبوحا لا يتعدى  العشرة أعوام اخضر خضرة بلادى الجميلة اسنانه ناصعة البياض كبياض قلبه الكبير كان مبتسما فرحا سلمت عليه وشكرته  ودسست له في جيبه ما يستحق لهذا الموقف العظيم قدم درسا يجب ان يدرَّس”، (السبت 23/6/2018 ـ  باستوب الشهيد (..

“شهادة ثانية”

* في لقاء الإذاعة البريطانية مع السير كي. دي. هندرسون في برنامج (حديث منتصف الأسبوع) والذي بث في 23 نوفمبر 1953 يقول السير هندرسون عندما سئل عن: أي بلد يكون السودان؟ أجاب (السكان عبارة عن خليط من العرب والحاميين والسود يتمتعون بخاصية واحدة، هي أنك تحبهم جميعا بغاية اليسر. … لا تملك الا أن تحب السودانيين وتتعاطف مع أبنتي ذات التسعة أعوام وهي تذرف دموعها في فراق هؤلاء القوم الطيبين لتقضي بقية عمرها محاطة بلا شيء غير وجوه بيضاء عابسة …. حقيقة أن السودانيين قوم متشابهون، سريعو الغضب، سريعو الضحكة … شجعان لدى الحرب، صخابة أصواتهم عند النزاع .. ولكنهم في كل أولئك يتحكم فيهم القلب أكثر من الدماغ … لا ينسون الأهانة ولا ينكرون الجميل)، (انتهى)، (المرجع كتاب رقية ابو شرف Wanderings نقلا عن الأرشيف السوداني بجامعة درم رقم الملف 32/3/487)..

“شهادة ثالثة”

* كتب أندرو ماكارثي، بصحيفة نيويورك تايمز: “إستقبلني رجل في منزله، وفي غرفة بسيطة من الخرسانة جلست على طرف سرير معدني متنقل أسفل جدران زهرية اللون، بينما أخذت ابنته الصغيرة تصب لي كوب شاي به قدر كبير من السكر، واحداً تلو الآخر، قبل أن تصنع لي القهوة. غادرت مأخوذاً بكرمهم. لا يملك السوداني الكثير، لكنه يقدم كل ما لديه… ما أذهلني هو ما وجدته من شعور بالسلام النفسي، وكان ذلك متناقضاً مع كل ما عُرف من تاريخ السودان الدموي، (صحيفة الشرق الأوسط ـ 31/10/2012)..

البحث عن مشروع نهضوي

* تقول الأستاذة رشا: “ المنصة الراسخة التي يجب أن ننطلق منها في سياق البحث عن حل ومخرج آمن من واقعنا المأساوي الراهن هي ان الشعب السوداني بحكم  انتمائه للعشيرة الإنسانية جدير بالكرامة وأهل للتمتع بحقوق الإنسان، ومن واجب نُخبه الفكرية والسياسية والإبداعية والمهنية والأكاديمية السعي بإخلاص واجتهاد في إنجاز مشروع نهضوي شامل يهدف لتحريره من إسار التخلف المزمن”، وهذا قول رشيد يحتاج إلى سيقان، وأكدت أن هذه النخب لن تنجح في مسعاها بإصدار  الأحكام “القيمية” المطلقة على الشعب إيجابية كانت أو سلبية، وانما تنجح “بالدراسات الموضوعية لمعطيات الواقع، والبحث المسترشد بالعلوم الاجتماعية في خصائص الشخصية  السودانية”، مكامن القوة ومكامن الضعف فيها، لقد نعى الأستاذ محمود محمد طه على المثقفين، الذين تعلموا بأموال الشعب السوداني دافع الضريبة، ونعتهم بالخيانة، إن تركوا ساحة الدين ليصول ويجول فيها فقهاء السلطان وأنصاف المتعلمين، وعديمي الرؤية الثاقبة، خاصة وقد تصدى الأستاذ بكفاءة مشهودة لمواءمة التراث بالمعاصرة في ما عرف بالدعوة للرسالة الثانية من الاسلام، وقال إن هذا الشعب لن يتحرر إلا عن طريق الدعوة الدينية المقنعة للعقول، والمحفزة للعمل، وفق منهاج واضح (التزام الطريق النبوي)، ومذهبية تقود للطريق القويم (ادخال الفكر في العمل)، ببرنامج “سياقتصاحتماعي” واضح بشعبه الثلاثة، وقد قدم المذهبية المفقودة والبرنامج الباني النهضوي في كتابه “أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية والذي صدرت طبعته الأولى في ديسمبر 1955 وصدرت طبعته الثانية في نوفمبر 1968″، ورشا “العزيزة” مدعوة مع زمرة المثقفين المهمومين بنهضة البلاد لتعضيد المذهبية والبرنامج المطروح، أو نقده بموضوعية وتقديم البديل المناسب!..   

* eisay@hotmail.com