أسماء الحسينى

منع الإمام الصادق المهدى من دخول وطنه وبيته فى مصر أمر غير مفهوم وغير مبرر، وخطأ كبير يجب أن يتم الإسراع بإصلاحه، لأن له انعكاسات سلبية هائلة على العلاقات مع شعبنا الشقيق فى السودان.
فيما يلى ما كتبته قبل عشرة أعوام عن الإمام الصادق المهدى، وأعيد نشره اليوم لأننى ما زلت أحترم الرجل وأحترم نهجه السياسى وأفكاره ورؤاه.

تكريم السيد الصادق المهدى ….تكريم للسودان

كرمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان مؤخرا السيد الصادق المهدى رئيس حزب الامة وإمام الأنصار بمناسبة مرور 25عاما على تأسيسها ،على رأس ثلاثين شخصية عربية رائدة ،وقالت المنظمة فى حيثيات تكريمه إنه مفكر إسلامى بارزومناضل صلب فى الدفاع عن الديمقراطية ،عمل على معارضة النظم العسكرية فى بلاده ،وكان من أوائل المنادين بضرورة الحل السياسى لمسألة الجنوب ،وأصدر كتابه الشهير “مسألة الجنوب”عام 1964،نادى فيه بالأفكارالتي كانت اساس الاجماع الوطني لاحقا بان مشكلة الجنوب لا يمكن ان تحل حلا عسكريا ، كما يعارض الحل العسكرى لمشكلة دارفور.
و قالت المنظمة العربية لحقوق الانسان أنها تدين للسيد الصادق المهدى بمواقف لاتنساها ،فعندما أقدمت الحكومة المصرية على منع جمعيتها العمومية فى عام 1986لم يفتح لها أبواب الخرطوم لاستضافتها فحسب ،بل وأبدى استعدادا لاستضافة المنظمة ذاتها التى قررت السلطات المصرية إعتبار وجودها غير قانونى فى مصر ،وافتتح جمعيتها العمومية فى الخرطوم وأجرى حوارا مفتوحا مع قياداتها ،واضافت المنظمة انها عبرت عن إمتنانها للسيد الصادق عبر العديد من المواقف التى دعمت دعوته لاستعادة الديمقراطية والحريات العامة فى السودان وتعزيز المصالحة والاستقرار فى ربوع البلاد .
ولم يكن هذا التكريم للسيد الصادق المهدى هو الاول من نوعه ،فقد تم تكريمه فى الآونة الأخيرة من اكثر من جهة ،واختاره معهد الدراسات الموضوعية بالهند ضمن أعظم مائة شخصية من قادة المسلمين فى القرن العشرين .
والحقيقة ان السيد الصادق المهدى لايمثل الوجه المشرق للسودان فحسب ،وإنما لعالميه العربى والإسلامى بأسرهما ،وهو موضع تقدير واحترام الأوساط الفكرية والثقافية والسياسية فى العالم بأسره ،بما يملكه من عقلية مستنيرة ورؤى تقدمية وروح ديمقراطية ،يجمع فى شخصه فى توافق وإنسجام بين روح العصر واصالة الموروث ،وكل هذه الصفات تؤهله للعب دور اكبرلصالح وطنه العربى وامته الإسلامية ،بل ولصالح الإنسانية جمعاء ،التى يعصف بكيانها الآن صراع الحضارات والأديان والقوميات .
كان يمكن للسيد الصادق أن يفعل ذلك بشكل اكبر ،لولا مسئوليته العميقة تجاه وطنه السودان ….وسيظل يحفظ له التاريخ انه كان خلال وجوده فى الحكم او خارجه مثالا لطهارة اليد وعفة اللسان والاعتدال وتقديم المصالح الوطنية العليا وعدم الإرتهان لأى قوة داخلية أو خارجية لغير صالح وطنه ،وكذلك حفاظه على قواعد الديمقراطية لايحيد عنها .
وفى سنواته التى قضاها فى منفاه الإختيارى بمصر عقب قيام حكم الإنقاذ عام 1989استطاع السيد الصادق أن يؤسس لأكبر قنوات للوصل بين مصر والسودان ….جاء إلى القاهرة عقب خروجه إلى أسمرة فى عملية “تهتدون “،و خلال وجودها بها ،ولم يحدث تغييرات كبيرة فى العلاقة بين مصر وحزب الامة وكيان الانصار ،بل بينها وبين السودان كله ،ولم تكن مصر تعفيه فى بادىء الأمر بمسئوليها ومثقفيها من المسئولية عن تدهور العلاقات بين البلدين قبل وصول حكم الإنقاذ ،ولكن الغريب أن من كانوا يلومون السيد الصادق فى مصر على مواقفه تجاه بلدهم وإلغائه التكامل الذى أقاموه مع نظام الرئيس جعفر نميرى كانوا يكنون له احتراما كبيرا فى الوقت ذاته ،احتراما لشخصيته الجديرة بكل احترام وتقدير ،واعترافا بمكانته وعلمه ،وحتى الأوساط الشعبية المصرية التى كانت فى ذلك الوقت تتشكك كثيرا بل وتخون اى معارضة عربية خارج بلدانها كانت تكن له ذات الاحترام .
وقد أدرك السيد الصادق خلال إقامته فى مصر هذه المشاعر التى ما فتىء يعبر عنها بصدق الدكتور مصطفى الفقى المفكر المصرى ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب ومساعد وزير الخارجية سابقا ،يقول الفقى أنه أثناء دراسته فى بريطانيا لنيل الدكتوراة فى الستينات من القرن الماضى حضر محاضرة للسيد الصادق فى اكبر جامعات بريطانيا ،واستمع إليه بفخر شديد ،وهو يتحدث بلغة إنجليزية راقية ،فيعبر افضل تعبير عن قضايا وطنه وأمته ،ويضيف الفقى :وبعد إنتهاء المحاضرة سألنى من كان يجلس إلى جوارى من أى البلاد أنت ،فقلت له :لقد جئت من المنطقة التى أتى إليكم منها هذا الزعيم العظيم الذى كان يحدثكم منذ قليل .
وفى سنوات إقامته بمصر تخلقت وتحلقت حول السيد الصادق مجموعة كبيرة من شتى ألوان الطيف فى مصر ،ينتمون لأحزاب شتى ،ومذاهب متعددة ،ومهن مختلفة ،وأعمار متفاوتة ،بينهم مفكرون وعلماء ورجال دين وسياسيون وناشطون وصحفيون واساتذة جامعات ورجال اعمال ،مسلمون ومسيحيون ،رجال ونساء ،معارضون وحكوميون ،شباب وشيب …..أصبحوا جميعا فيما بعد نواة للوبى كبير ينمو الآن فى مصر ،ويدفع بقوة من أجل فهم أكبر وعلاقات افضل وروابط أقوى وتلاحم وتعاضد مع السودان .
وقد كنت أحد أولئك الذين اقتربوا من السيد الصادق المهدى فنهلوا من نور علمه ونالهم قبس من ضياء وطنيته ومضاء عزيمته ،وإليه يعود فضل كبير فى توجيهى للإهتمام بالسودان وقضاياه ،فمنذ خطواتى الاولى على درب السودان الحبيب ساهم السيد الصادق فى توسيع إدراكى لهذا السودان بكل تعدده وتنوعه وتاريخه وتراثه وقدراته وامتداداته ،وأذكر انه وهو المعارض لنظام الحكم فى بلده لم يكن معارضا لوطنه ،وانه كان يحدثنى بكل موضوعية وإيجابية عن هذا الوطن وهذا البلد الذى يؤمن به أشد الإيمان ،والذى تتمحور حوله روحه وحياته ،وكان يدفعنى دفعا نحو السودان ،ويوجهنى بطرق غير مباشرة إلى قراءة تاريخه والإلتحام ببنيه ،وكان يتوقع منى أن أكون شيئا جديدا مختلفا ،وطلب منى زيارة السودان الذى كان منفيا عنه آنذاك ،لأتعرف على حقائق الأوضاع على أرض الواقع ،وكان يسر كثيرا حينما بدأ عملى الصحفى ينمو ويكبر بإتجاه السودان ،ولا أذكر أنه لامنى أو عاتبنى يوما كما يفعل بعض الساسة أحيانا بشأن أى موضوع كتبت أو أيا من زملائى ،وبعضها موضوعات تهاجمه أو تنتقده أو تخالفه الرأى .
ربما كان يأمل أويرى فى وفى بعض زملائى الآخرين من الصحفيين جيلا آخر مختلف قديضيف شيئا جديدا للعلاقات بين البلدين التى كان يطمح دوما إلى بنائها على أسس أقوى وأفضل من ذى قبل .
وقد أولانى وقيادات حزبه ثقة عظيمة واهتماما كبيرا ،وكانوا يدعوننى لاجتماعات حزب الأمة المغلقة فى بعض الأحيان خلال وجودهم بالقاهرة ،وهو مااعتبرته ولازلت شرفا كبيرا وثقة غالية أتمنى أن أكون أهلا لها .
وعند عودة وفد المقدمة لحزب الأمة إلى الخرطوم بعد توقيع إتفاق جيبوتى مع الحكومة السودانية اختارنى السيد الصادق المهدى لأعود مع وفد الحزب ،وكانت هذه هى المرة الأولى التى أرى فيها السودان الذى ظللت أهتم بشئونه لبضع سنوات ،وكنت الصحفية المصرية الوحيدة المرافقة للوفد ،الذى كان يرأسه السيد مبارك الفاضل المهدى والدكتور عمر نور الدايم رحمه الله ،ويضم عددا من خيرة قيادات حزب الأمة ،من بينهم الاستاذ عبد الرسول النور والدكتور إبراهيم الأمين .
وقد شعرت وقتها بعظم المسئولية الملقاة على عاتقى ،وتمنيت وقتها أن أكون حرفا جديدا يكتب فى صفحة تمنيتها بيضاء ناصعة مضيئة بين بلدى مصر من ناحية وحزب الأمة وكيان الأنصار بل والسودان كله من ناحية اخرى .
وفى الخرطوم هالنى الحشد الجماهيرى المليونى الذى خرج لاستقبال العائدين ،ولم يكن يخطر على بالى أن أرى مثل هذا العدد يحتشد فى أى عاصمة عربية لأى سبب ….كان مشهدا أسطوريا سيظل محفورا فى ذاكرتى ماحييت…..تخيلت وقتها أن الثورة المهدية قد اندلعت من جديد ،وأنا أرى رايات الأنصار وحزب الأمة وصيحاتهم تبرق وتدوى فى سماء العاصمة المثلثة .
وبعد الإستقبال الجماهيرى الحاشد للعائدين طلبت منى السيدة سارة الفاضل المهدى قرينة السيد الصادق -التى رحلت عن دنيانا مؤخرا رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته – التوجه معها إلى منزل الأسرة بالملازمين ‘فذهبت إلى المنزل الذى كان يخلو آنذاك من أصحابه الذين توزعوا وقتها بين أماكن شتى ،فبعضهم كان فى الخرطوم وآخرون فى القاهرة وأسمرة ،وقضيت مع السيدة سارة فى هذا المنزل الذى كان يفتقد أصحابه 12يوما، وشعرت وقتها أن السيدة سارة تحاول أن تكمل معى ما بدأه السيد الصادق ،وأنها تحاول أن تساعدنى لكى أرى السودان بكل تعدده وتنوعه السياسى والفكرى والدينى والإجتماعى والثقافى ،وكانت امرأة عظيمة بحق ،أحضرت لى الراحل الأستاذ الطيب محمد الطيب وأجلسته معى ساعات لكى يحدثنى عن تاريخ وتراث وثقافات أنحاء السودان المختلفة ،وهو ماقدرلى أن أراه بعد ذلك على أرض الواقع فى كل بقاع السودان التى زرت .
واصطحبتنى السيدة سارة معها لزيارة جامعة الأحفاد هذا الصرح التعليمى الكبير ،وأيضا لزيارة رائدات العمل النسوى بالسودان ،الراحلة نفيسة كامل والسيدتين نفيسة الأمين ونفيسة المليك و كثيرات غيرهن ،،وساعدتنى لمقابلة أعداد من السياسيين ،وشجعتنى على زيارة الجنوب ،ودعت لى أعدادا كبيرة من الصحفيين لأتعرف عليهم .
كانت أياما رائعة تلك التى قضيتها مع تلك السيدة العظيمة الراحلة سارة الفاضل…كنت أتخيل أننى أجلس مع أنديرا غاندى أو مارجريت تاتشر ….كانت امرأة تجمع بين حدة الذكاء والثقافة العالية والتواضع الجم والبساطة والإخلاص والصبر والمثابرة ،وكانت من أشد السودانيين الذين عرفت إعتزازا بسودانيتها ،وربما كانت هذه هى الرسالة التى تسعى لتوصيلها لى ،فكم قضينا ساعات طوال تحدثنى عن مراحل تشكيل السودان والحضارات التى قامت به من غابر الأزمان وحتى تاريخنا المعاصر ،وعن تاريخ المهدية ونضالها ضد المستعمر ،وعن جهاد حزب الأمة من أجل الديمقراطية فى السودان وعن كفاح المرأة السودانية عبر مسيرة نهضتها،وأيضا عن حياتها وحبها الكبير للسيد الصادق المهدى .
وأنزلتنى فى بيت كريمتها الدكتورة مريم الذى كان خاليا من صاحبته التى كانت يومها فى صفوف جيش الأمة مع أخيها عبد الرحمن المهدى ،وقد تركت خلفها صغيرتها ثراء ،ولم تكن وقتها قد جاوزت العامين تقريبا ….كنت أجلس دوما فى تلك الأيام فى الحديقة الجميلة للمنزل التى دأبت السيدة سارة على العناية بها فى غياب زوجها وأبنائها ،وأدعو الله ملء قلبى أن يعيد للمنزل أصحابه سالمين .
ولايزال السيد الصادق قادرا على إثارة الدهشة فى كل المنابر والأوساط بحيوية أفكاره وأطروحاته ،كمالايزال حاملا لواء الديمقراطية يعتبرها خيار الشعب السودانى وأفضل خيار لشعوب المنطقة ،وهو يعتبر الإلتزام بها واجبا وطنيا ،لأنها السبيل الوحيد الذى يمكن شعوبنا من القيام بدورها كاملا ،ويحقق المصالحة بين هذه الشعوب والأنظمة العربية ،كما يمهد لوحدة شعوبنا بإرادة شعبية وليس وفقا لتدابير فوقية لاتسمن ولا تغنى .

وفى حفل المنظمة العربية لحقوق الإنسان الذى أقامته لتكريم الرواد فى العالم العربى كان السيد الصادق المهدى هو نجم الاحتفال والمحتفى الأول به ،وقد صفق له الحضور كثيرا كلما ذكر أحد المؤسسين فى المنظمة أحد مواقفه المشرفة فى دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان أو أشار إلى بعض أفكاره .
وفى كلمته البليغة التى ألقاها السيد الصادق المهدى أشار إلى أنه ليس هناك خصومة بين العمامة الى يرتديها وحقوق الإنسان ،مؤكدا أن حقوق الإنسان من أصل ديننا الإسلامى .
وشدد فى كلمته على ضرورة السير على درب النضال لبلوغ الأهداف ،ولكى تسود معانى حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية فى عالمنا العربى ومنطقتنا ،التى قال إنها أصبحت الآن تواجه استقطابا حادا بين خندقين ،أحدهما يسلب الحريات والآخر يطالب بها ،مؤكدا ضرورة تجسير الهوة بين الخندقين
لتجنب خطر الغزاة والطغاة والغلاة .