خالد فضل

على إحدى الفضائيات شاهدت تقريرا من أحد مخيمات النازحين السوريين , مجموعة من النازحين يتحلقون حول جهاز تلفاز يتابعون مباريات كأس العالم التي وصلت إلى مراحلها الأخيرة هذه الأيام.تذكرت أنّ أربع دول أعضاء في حامعة الدول العربية شاركت في هذه المسابقة العالمية ممثلة لقارتي آسيا وإفريقيا ضمن دول أخرى من القارتين , ولكنها جميعها أخفقت في تخطي الدور الأول , الطريف أنّ أجهزة الإعلام عندنا في السودان تحتفي بمشاركة مصر وتونس والمغرب كدول عربية بينما جمهور المتابعين في اندية المشاهدة في الأحياء الشعبية يتحمسون للسنغال ونيجيريا . فيما هناك أربع دول تنتمي لذات المنظومة العربية تتخطفها أيدي المليشيات المسلحة والحكومات العاجزة , سوريا ذاتها التي يتحلق أطفالها النازحون حول التلفاز , اليمن التي تتحدد فيها معالم الحرب الإقليمية وحرب المرتزقة بصورة عبثية تسمي معركة الحديدة بالفاصلة , ليبيا التي تحكمها مليشيات ما بعد الطاغية القذافي , والعراق الذي لم يتعاف بعد من قبضة البطش البعثي وهيمنة صدام القاسية . فيما أربع أخرى تسودها الأنظمة الباطشة والحكومات الفاسدة على رأسها بلدنا المحشور قسريا في منظومة الدول العربية , عنوانا على صراع الهوية وتنازعها وما تسببه من ألآم وطنية موجعة , وأربع أخريات تسودها الأنظمة الملكية الوراثية في تحد سافر لأبجديات حقوق الشعوب في اختيار من تريد , وهكذا رباعيات بائسة بؤس نتائج تلك المنتخبات التي شاركت في كأس العالم .

   ابني الأكبر أبدى رغبته في حضور مسابقة كأس العالم التي تقام بعد تلك التي ستستضيفها دولة قطر (إن أفلتت من حصار أشقائها العرب الأربعة ) , قال إنّه سيحمل علم السودان في المدرجات لتنقله الفضائيات مثلما ترفرف أعلام دول العالم الآن , ردّ عليه شقيقه الأصغر بتهكّم , ياخي كدي سوي ليك بلد في الأول ! لم أشاء التدخل في مناكفة هولاء الصبيان , لكنني أيقنت أنّ ثمّة شعور بالمرارة يجوس بين تلافيف هولاء الصغار , شعرت بخيبة الأمل والخجل كوننا لم تفعل ما فيه الكفاية من أجل المستقبل حتى بات غائما في نظر الأجيال القادمة , يا لخيبة كلّ أجيالنا الوطنية التي استعمرت الماضي وما تزال تستعمر الحاضر فتهدم في المستقبل .

   ما بال الأسى يتخلل بين ثنايا الحديث ولو كان خواطر كروية عن كأس العالم , دعونا نعود لشهر الفيفا , وهيمنتها على كل العالم خلال منافسات كأس العالم , نذهب إلى روسيا التي بناها الشيوعيون وإن أخفقوا في موازنة الخبز والحرية ؛ نجحوا في  الأولى وخابوا في  الثانية , وما من نظام خاصم الحرية إلاّ وكانت تلك قاصمة ظهره , كما في تعبير محبب لأستاذنا الحاج ورّاق_ حياه الغمام _ نعود إلى روسيا الخضراء الجميلة ومن هناك تسيطر الفيفا على كل شعوب الكرة الأرضية , وقضاة ملاعبها الين أُحسن اختيارهم في تقديري , بمن فيهم حكم من السودان , وبتقنية الفيديو التي تُعيد الحقوق عند الشك في سلبها , وتضع الحُكامم تحت كاميرا المراقبة اللصيقة التي تستند على الأدلة الدامغة بتصوير الحادثة من كافة الزوايا فلا مجال للتلاعب . تُرى لو طُبقّت هذه التقنية على أداء حُكام بلادنا لشاهد العالم عجبا , فذاك أبو 1000كشك في ميدان جاكسون , وآخر يحمل على ظهره شركة أقطان , وثالث بمزارعه اليانعات , ورابع يشفط في النفط ويلحس الدولارات , وذاك يلهط في ريالات الأوقاف , وثمة شكوك حول أموال التلفزيون , ورسوم الدرداقات في سوق ليبيا وقطع الأراضي في الخرطوم والولايات , والذهب يكاد عقلي يذهب , وزيت الأولين , وعقودات البنزين , وشركات المطار والليموزين , وملك الأسفلت والإنترلوك في حاضرة مشروع الجزيرة الحزين ! و.. وززز  ماذا لو طالب الشعب فقط بتوريد شبكة تقنية الفيديو في كل مؤسسة للسلطة وفي كل جهاز , فلا تذهب الشكوك مذاهب في حادثة اغتيال سامر , ومن قبله عوضية عجبنا أو انتحار عكاشة , و ثلة من شهداء سبتمبر والزنازين وبيوت الأشباح وسوح الجامعات وكجبار وشهداء بورتسودان , وحريق المك في دارفور وجبال النوبة والأنقسنا , والفيفا تحكم العالم وكل الناس اتنين اتنين فرح اتكلم بلغتين  , وداخل الإستادات لا تجري المنافسة الكروية الحامية بين شباب العالم من 32دولة فقط ؛ بل في الواقع تموج المدرجات فوق الإنفعالات والحماس , تموج بالتنوع العرقي والتعددية الثقافية واللغوية والدينية , وتضج المنتخبات باللاعبين من سحنات مختلفة لكن قلوبهم مؤتلفة وبلدانهم تكفل لهم حقوق المواطنة وتلي من شأن انسانيتهم فيخلصون الولاء للشعار , ذاك من أصل كاريبي وآخر إفريقي لكنهم وسط البيض الخواجات ذوي قيمة , ولهم في المدرجات البيضاء صولة وجولة , لا لون يحول دون البشر ولا عرق ولا دين , وحلم العالم (ناس تتسالم والبني آدم صافي النية ) . تلك قيمة أعلى من الفوز بالكأس , وفرق مثل فرنسا والدنمارك وانجلترا وسويسرا وكولومبيا والسويد تمتزج فيها الأعراق , شباب أقوياء وموهوبين في قامة بوغبا , يمنحون الأمل في غذ زاهر للإنسان وبالإنسان . واللقطات المثيرة للتأمل , الأزياء والحرية في التعبير , وحتى بعض (الملاعين) الذين يستغلون الزحمة , والفتيات المتعريات والواشمات , والمحتشمات , والمشاغبين الأشقياء , والأبواق والرس والتلوين , وعالم من التفاعل والتفاؤل والإبتسام عند النصر والدمموع على الخدود ساعة النهاية بالهزيمة , ولكن بكرة أحلى من ظروفنا , تفاعل بشري حي ورائع هو تلك المنافسة التي تحكم خلالها الفيفا العالم حتى نهاية الشهر , لنعود إلى صفوفنا ناقمين , وغلاء المعيشة مكدرين وسؤات الحكام تعكر باقي العام وكل عام .