عمر الدقير

كما هو معلوم، شهدت العشرية الأخيرة من القرن الماضي موجات غير مسبوقة من هجرة السودانيين عن وطنهم بعد أن استلَّ نظام الإنقاذ سيف الفصل والتشريد وأعمله في الخدمة العامة، بشقيها المدني والعسكري، وقصر فرص التوظيف والكسب على منسوبيه والموالين له، ليجبر الآلاف على مغادرة وطنهم بحثاً عن أسباب عيشٍ كريم وملاذات آمنة في أصقاعٍ بعيدة .. ثم كان أن خَبَتْ ظاهرة الهجرة – لحد كبير – خلال الفترة الانتقالية لاتفاقية نيفاشا وما صاحب ذلك من تحسن نسبي في الاقتصاد أسهم فيه بشكل رئيس تدفق عائدات النفط وتوقف نزيف الموارد التي كانت تذهب للصرف على الحرب.

 

ولمّا كانت الدولة، ومازالت، تُدار بشعارات هتافية ينعدم معها الحد الأدنى من التخطيط والاستراتيجية، لم يتم الإلتفات للحقائق والتجارب العلمية البسيطة في الإقتصاد التي توجب توجيه مداخيل النفط لبناء قواعد إنتاج حقيقية تحمي العملة الوطنية من تناقص قيمتها وتقلص مساحات الفقر ونسب البطالة وتُجنِّب البلاد حالة التدهور الاقتصادي الذي ظل يتفاقم منذ أن ذهب جُل إنتاج النفط مع ذهاب الجنوب إلى حال سبيله، ما أدى إلى موجات هجرة جديدة فراراً من ضنك العيش ولحاقاً بالعدل والحرية اللذين سبقا إلى الهجرة من الوطن .. ووفقاً لأحدث تقرير قدمته وزارة العمل للبرلمان، فإن أكثر من 14 ألف مواطن سوداني غادروا بلادهم بحثاً عن فرص عمل في الخارج خلال الفترة من يناير إلى مارس 2018، كما أوضح نفس التقرير أن حوالي أربعين ألف سوداني هاجروا للعمل في الخارج خلال النصف الثاني من العام 2017، هذا غير الذين مَخَروا عُبَاب البحر الأبيض المتوسط في اتجاه الشواطيء الأوروبية بقوارب الهجرة غير المنظمة  .. كأنّ هذه الأرقام تؤكد واقعية العبارة التراجيكوميدية المتداولة بين الشباب: “أجمل حِتَّه في السودان صالة المغادرة الخارجية في مطار الخرطوم!”.

 

أعداد هائلة من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والحرفيين وغيرهم من ذوي الكفاءات، من مختلف الأعمار، عبروا الصحارى والبحار والمحيطات وتبعثروا في عديد الدول على ظهر هذا الكوكب، في ظاهرة تؤشر إلى مستوىً بالغ الخطورة يتمثل في إفراغ السودان من “السودان”، لأن الكفاءات باختلاف أنواعها هي في النهاية النخب التي تقود الحراك الإنساني المفضي للتغيير وشقِّ دروب النهضة .. وعندما يعامل الوطن الملايين من أبنائه باعتبارهم فائضاً لا مكان لهم فيه ويسوقهم زمراً إلى شتات المنافي، فذلك يكفي لإعلانه منطقة منكوبة.

 

حسب تعبير كاتب فلسطيني، فإن الفلسطينيين الذين لجأوا للبلدان المجاورة عندما حلّت بهم نكبة 1948م تركوا قدور الطبخ على النار لتنضج على أمل العودة بعد ساعات، ولكنَّ الساعات امتدت لعشرات السنين وليس ثمة أمل يلوح في الأفق .. وكذلك الحال بالنسبة للمهاجرين السودانيين، فما حسبوه مؤقتاً أصبح دائماً أو “مؤقت أبدي” كما قال أحد الظرفاء .. وقد لا نضيف جديداً إذا تحدثنا عن مأساة نزيف العقول والكفاءات والسواعد التي يحتاجها الوطن في عملية البناء ورفد الحراك اللازم لمقاومة التدهور الذي يعصف بالأخضر واليابس، لكنَّ المأساة الحقيقية هي انسداد الآفاق والتتابع المحموم للكوارث والأزمات السياسية والإقتصادية وتفاقمها لدرجة جعلت الكثيرين من سودانيي الشتات يفقدون الأمل في العودة النهائية ويوطِّنون أنفسهم وأطفالهم على الإقامة الدائمة في دول المنافي ويسعون لذلك بمختلف الوسائل، حتى أصبح لا مكان في واقعهم لقصيدة الشاعر الألماني بريخت التي يخاطب فيها أحد المهاجرين عن أوطانهم بقوله:

 

لا تـَدُقْ مسماراً في حائطْ ..

لا تُعَلِّقْ صورةً على جدارْ ..

فإنـكَ في غـدٍ عائـدْ ..

 

أما في داخل الوطن حيث تشحُّ الحرية ويعزُّ رغيف الخبز على غالبية الناس وتنعدم فرص المنافسة الشريفة وتعلو كفة الولاء على كفة الكفاءة، فقد أصبحت الهجرة أمنيةً عامة لأعداد هائلة من المحرومين من حقوقهم، خصوصاً من شريحة الشباب الذين سُدّت في وجوههم أبواب المستقبل .. ففي تحقيق صحافي نُشِر مؤخراً، قالت فتاةٌ حديثة التخرج: “ليس أمامي خيار إلّا مغادرة السودان، وأعتقد أن 90 في المئة من الخريجين يرغبون في الهجرة بسبب إنعدام فرص العمل”، وقريباً من هذا الكلام المفعم باليأس قال مهاجر سوداني في برنامج حواري لإحدى الفضائيات العربية: “أُحِبُّ وطني وما زالت أنفاسي تسري هناك، لكنني لا أستطيع العودة إليه بسبب سوء الأحوال السياسية والإقتصادية والأمنية وبسبب ما يتوفر لي هنا من دعمٍ مادي أقدمه لأهلي الماكثين هناك حيث هم”، بينما ردد مهاجر سوداني آخر عبارة قاسية وأسيانة قال فيها: “ما أعرفه عن الأوضاع في وطني، لا أعتقد أنني سأعود إليه!” .. ولا شكّ أن هذين المهاجرَيْن لم يَعْنِيا بهذه العبارات بُغضاً لوطنهما أو يأساً من مُمْكِناته، وإنما بُغضاً لواقعه الغاشم ويأساً من النواميس التي تهيمن عليه وتكلِّس كل أنشطة الحياة فيه.

 

ظاهرة الهجرة والغربة التي يعيشها ملايين السودانيين هي أحد تجليات علاقة نظام الإنقاذ بالخبز والحرية .. ولئن صرخ الشاعر الإنجليزي جون ميلتون ذات غربة: “أينما تكن الحرية يكن وطني”، فإن السوداني في غربته ومنافيه العديدة لا يجد بديلاً عن وطنه، بل يظلُّ مشدوداً إليه ومصلوباً على خشبته، ويبقى في مدائن العالم مفضوح الحب والإنتماء بشكله ولونه وعاداته وتقاليده وطبائعه المغروسة في أعماق وعيه ولاوعيه، ويظلُّ من أكثر المهاجرين إقامةً في الوطن ولو كان ذلك من خلال الذاكرة أو من خلال ما يترصده من أخبارٍ لا تجلب عليه غير الحزن جراء ما يعصف بوطنه وأهله .. يعيش السوداني في منافيه العديدة – بين الحنين والأنين – وهو يهفو ليوم العودة لوطنه ليروي عطش الروح من محبته، لكنه يخشى أن يجده قد تعرض لمزيدٍ من النقص من أطرافه أو فقد تلك الفضائل التي طالما ميَّزته عن سواه من الأوطان.

 

(أخبار الوطن)