أجازه مجلس الوزراء وفي طريقه للبرلمان

التغيير: صلاح الدين مصطفى – القدس العربي

تفاجأ الصحافيون الذين كانوا حضورا في مناقشة وإجازة قانون الصحافة 2018 في مجلس الوزراء السوداني بأن وزير الإعلام أحمد بلال يقرأ نسخة أخرى من مسودة القانون غير التي في حوزتهم، ولا يعرف أحد حتى الآن ما هي النسخة التي ذهبت للبرلمان لإجازتها بصورة نهائية!
المسودة التي اعترض عليها كل الصحافيين هي الأسوأ في قوانين الصحافة في السودان منذ الاستعمار الإنكليزي، ولا تقل مسودة وزير الإعلام عنها سوءا حسب صحافيين تابعوا هذا القانون في كل مراحله، والذي كما يقولون، لم يترك قيدا لكبح جماع حرية الصحافة والإعلام، لدرجة أن الذين ظلوا يدافعون عن كل القوانين التي تسنها الحكومة تبرأوا منه.

تعديلات على قانون 2009

حوت المسودة على تعديلات بغرض إدخال الصحافة والنشر الالكتروني في إطار القانون، تعديلات في المادة الخامسة التي تتحدث عن المبادئ الأساسية لحرية الصحافة والصحافيين، وتعديلات في الفصل الثاني تتعلق بمجلس الصحافة، إعادة تشكيل المجلس، سلطاته، اختصاصاته، وتعديلات تتعلق بملكية الصحف وشروط أهلية رئيس التحرير، وتعديلات في العقوبات التي تفرض من مجلس الصحافة أو المحكمة على الصحف والصحافيين.
الكاتب الصحافي والمحلل فيصل محمد صالح اعتبر أن القانون المقبل هو الأسوأ، ويضيف لـ «القدس العربي»: «لدينا ملاحظات كثيرة على القانون الحالي (قانون الصحافة والمطبوعات الصحافية لعام 2009) وكثيرا ما أشرنا للنواقص الكثيرة التي جعلته أقل قامة من الدستور، خاصة الباب الثاني، وثيقة الحقوق، والمواد الجيدة التي وردت فيها عن الحريات العامة وحرية التعبير والإعلام. كما أنه لا يتماشى مع كثير من المعايير الدولية لحرية الصحافة والإعلام الواردة في معاهدات ومواثيق دولية وقعت وصادقت عليها حكومة السودان».
ورغم ذلك فإن فيصل لا يثق في كل التعديلات التي تجرى على قوانين الصحافة في الإعلام ويرى أنها تصب دائما في مصلحة السلطات وتعمل على تحجيم هامش الحرية ويقول: «لم يحدث مرة واحدة أن تم تعديل القانون أو تغييره استجابة لرغبة الوسط الصحافي، إنما دائما يتم التعديل أو صياغة قانون جديد استجابة لرغبة الحكومة وأجهزتها. ينطبق هذا على قوانين الصحافة التي تم إعدادها خلال فترة حكم الانقاذ (قوانين الصحافة لعام 1993و 1996و 1999و 1999 المعدل عام 2000 و2004 و2009). كما ينطبق على المحاولات التي جرت والمسودات التي أعدت أكثر من مرة مثل أعوام 2012 و2014».
ويندهش فيصل صالح للتعديلات الكثيرة التي أجريت على قانون الصحافة في فترات متقاربة، مع عدم التعرض لقوانين كثيرة معيبة ومن ضمنها ما يدخل في هذا المجال مثل الإذاعة والتلفزيون التي تدار بلا قانون، ويعزي ذلك للإزعاج المستمر الذي تسببه الصحافة للسلطات. وحسب تقديره فإن القانون الجديد أدخل التجاوزات التي يمارسها جهاز الأمن في قانون الصحافة الذي اشتمل لأول مرة على عقوبات قاسية.

عقوبات صارمة

وتشمل مسودة قانون الصحافة 2018 الذي في طريقه للمرحلة الأخيرة قبل إجازته، على عقوبات صارمة تطال الصحف والصحافيين، وتمت زيادة مدة إيقاف الصحيفة بواسطة مجلس الصحافة من ثلاثة أيام إلى 15 يوما وتصل إلى حد تجميد الصدور لثلاثة أشهر ثم سحب الترخيص في مرحلة لاحقة.
ويرى كثير من المراقبين أن التعديل المتعلق بملكية الصحف يعتبرا انقلابا في مجال النشر الصحافي. وحسب فيصل محمد صالح، فقد حصرت هذه التعديلات ملكية الصحف في شركات المساهمة العامة، بدلا عن المادة السابقة التي كانت تنص على أي شركة مرخص لها ومسجلة وفقا لقانون الشركات لعام 1925. بينما تنص المادة الجديدة (20-1) على أي شركة مساهمة عامة مسجلة وفقا لقانون الشركات لسنة 2015 .
هذا التعديل يعني أن الشركات التي تملك الصحف يجب أن يزيد عدد المساهمين فيها على أكثر من 50 شخصا، كما يمكن تداول أسهمها ولا توجد سوى صحيفة واحدة تنطبق عليها هذه المواصفات. وهناك سؤال مطروح يبحث عن إجابة: «ماذا سيكون مصير الشركات الحالية المالكة للصحف ومعظمها ليست شركات مساهمة عامة؟».

تعديلات وصحافة الكترونية

شملت التعديلات تركيبة وتشكيل المجلس بإنقاص كلية اتحاد الصحافيين من ثمانية إلى خمسة، وأعضاء البرلمان من خمسة إلى ثلاثة، وتم رفع ممثلي الناشرين من إثنين إلى ثلاثة، وتم إضافة ممثلين لاتحادات العمال وأصحاب العمل واتحاد المرأة. وصار لرئيس الجمهورية سلطة تعيين رئيس المجلس، بعد أن كان يتم انتخابه، إلى جانب الأمين العام.
وأثارت الصحافة الالكترونية جدلا كثيفا في هذا القانون، وحسب المسودة، فإن القانون يطال الذين يكتبون في وسائل التواصل الاجتماعي والانترنيت بصفة عامة، وقد تم التضييق عليهم في قانون آخر هو قانون المعلوماتية، ويعتقد الكثيرون أن الغرض من هذه القوانين هو التضييق على الناشطين في المجالات كافة.
ويرى أشرف عبد العزيز رئيس تحرير صحيفة «الجريدة» أن الخطاب الموجّه ضد الحزب الحاكم عبر فيسبوك وواتساب، شكّل هاجسا كبيرا وتم وصف الذين يوجهون النقد عبر هذه الوسائل (بالشياطين) ويضيف: «لا يخفى على أحد التضييق الذي حصل على الناشطين في الفترة الأخيرة وقد بدأ ذلك بسن قانون المعلوماتية الذي يحاسب كل من يهاجم الحكومة (حسب تقديراتها) ثم جاء القانون الحالي ليشكل مزيدا من القيود في هذا الاتجاه».

تقديرات أمنية

وحسب ما يقول أشرف لـ»القدس العربي» فإن قانون الصحافة أجريت عليه العديد من التعديلات منذ المستعمر وكل ذلك كان يتم بتقديرات أمنية، وفي عهد الرئيس ابراهيم عبود 1958 وهو أول نظام عسكري بعد الاستقلال تم تعطيل الصحف وسمح لصحيفة واحدة فقط بالصدور، ولم يجر النظام الديمقراطي في تشرين الأول/اكتوبر 1964 إي تعديلات ليجيء جعفر نميري ويؤمم الصحف ويسمح لصحيفتي «الصحافة» و»الأيام» فقط بالصدور مع ضرورة أن يكون الصحافي عضوا في الاتحاد الاشتراكي وهو التنظيم الحاكم آنذاك.
ولم تعط المشاكسة والجدل الذي ساد بعد انتفاضة نيسان/أبريل 1985 فرصة لمناقشة وإجازة قانون للصحافة حتى تفاجأ الجميع بانقلاب البشير عام 1989. ويقول أشرف عبد العزيز إن حكومة الإنقاذ أجرت تعديلات كثيرة على قانون الصحافة حتى وصلت إلى القانون الحالي قانون 2009 الذي عانى الصحافيون في ظله من وجود قوانين أخرى سارية تعلو عليه مثل قانون الأمن والمخابرات، ويرى أن القيود التي كانت موجودة في قانون الأمن أحيلت لقانون الصحافة.
ويعتقد كثيرون ومنهم رئيس تحرير صحيفة «الجريدة» أن القانون المثير للجدل سوف تتم إجازته عبر البرلمان لطبيعة تكوين مجلس النواب الذي يتبع للحزب الحاكم وينفذ أوامره ويؤدي ذلك للتأثير المباشر على الصحف السودانية والتي تعاني من إشكالات الصحافة العالمية ومن الأزمة الاقتصادية الخانقة على المستوى الداخلي بزيادة تكلفة الإنتاج وارتفاع سعر الصحيفة، يضاف إلى ذلك القانون الجديد الذي يعني مزيدا من الضغوط على السياسة التحريرية وبالتالي الانهيار التام.

على حافة الموت

ويرى حسن بركية الصحافي المهتم في مجال الحريات وعضو «شبكة الصحافيين السودانيين» أن القانون بعد التعديلات الأخيرة وضع الصحافة السودانية على حافة الموت. موضحا أن القاعدة الصحافية بمختلف توجهاتها رفضت التعديلات وحتى الكيانات الصحافية (القريبة من الحكومة) رفضت التعديلات ورأت فيها تسلطا غير مبرر من الحكومة على الصحافة والصحافيين.
وأضاف في حديثه لـ»القدس العربي»: «لمواجهة هذا الواقع بدأت شبكة الصحافيين السودانيين مشاورات واسعة مع الصحافيين لبحث السبل والطرق الممكنة لمواجهة هذا القانون السيئ جداً، الشبكة أيضاً سوف تتواصل مع المنظمات والجهات المعنية بحرية التعبير وحرية الصحافة».
ويضيف أن التعديلات التي أجازها مجلس الوزراء السوداني في الجلسة التي انعقدت يوم 21 حزيران/يونيو الماضي لمناقشة قانون الصحافة والمطبوعات أثارت جدلاً واسعاً في أوساط الصحافيين. حيث جاء القانون مُخبياً لآمال وتطلعات الصحافيين السودانيين، موضحا ان التعديلات التي أدخلت على القانون كانت بمثابة عقوبات وتضييقا على المساحة القليلة للحريات التي كانت متاحة في القانون السابق.
ويقول بركية: «التعديلات وسعت من صلاحيات المجلس القومي للصحافة (جهة رسمية) وخولت له توقيع العقوبات وإيقاف الصحافي عن الكتابة وسحب ترخيص الصحف. وأتاح القانون للمجلس القومي وهو جهة إدارية، صلاحيات كبيرة جداً في توقيع العقوبات والجزاءات. وأعطت المادة 4 للمجلس القومي صلاحية ترخيص الصحف الورقية والالكترونية بعد أن كان المجلس معنياً بالصحافة الورقية فقط. وأعطت المادة (9) المجلس سلطة الترخيص لمزاولة النشر الالكتروني، وألغيت المادة (13) المتعلقة باختيار رئيس المجلس واستعاض عنها بمادة جديدة بموجبها يُعين رئيس الجمهورية رئيسا مُتفرغا للمجلس القومي للصحافة».
ويعلّق بركية على تعديل المادة (33) التي تخوّل للمجلس توقيع العقوبات والجزاءات بإضافة سلطات جديدة تكفل للمجلس إيقاف الصحافي من الكتابة للمدة التي يراها مناسبة وسحب الترخيص المؤقت، وتمت إضافة المادة (35) التي تخول المحكمة سلطة توقيع العقوبات إضافة عقوبة جديدة تخول لها عقوبة إلغاء ترخيص الصحيفة.
ويخلص إلى أن التعديلات الأخيرة أعطت المجلس القومي للصحافة كل الأدوار التي كان يقوم بها جهاز الأمن والمخابرات ضد الصحافيين والصحافة من مصادرة وملاحقة ومنع للنشر، موضحا أن المجلس سوف يقوم بهذا الدور بطريقة مختلفة وعبر القانون. ويقول إن «شبكة الصحافيين السودانيين» تنبّه كل الجهات والقاعدة الصحافية في السودان لهذا التحول الخطير في مهام واختصاصات مجلس الصحافة.

حزمة تحديات

ويرى الصحافي محمد عبد العزيز، أن الصحافة السودانية تواجه اليوم حزمة من التحديات التي تهدد وجودها وتعمل على فنائها، وتتعلق هذه التحديات في مجملها بالضائقة الاقتصادية وارتفاع تكلفة إنتاج الصحف مما أدى لزيادة سعر الصحيفة مع مطلع هذا الشهر لتسعة جنيهات، وهذا يعني عزوف القراء عن شراء الصحف والذي حدث بالفعل قبل زيادة الأسعار حسب تقارير مجلس الصحافة نفسه بانخفاض التوزيع بشكل كبير في الربع الأول من العام الحالي.
ويشير عبد العزيز للصراع الأزلي في مجال الحريات بين الصحافيين والسلطات ويرى أن مسودة قانون 2018 التي تبقت لها مرحلة واحدة من الإجازة لتصبح قانونا نافذا، جاءت ببدعة وسابقة خطيرة تتنافى مع كل القوانين العالمية في حرية النشر، وهي سحب رخصة الصحافي ومنعه من الكتابة، مؤكدا أن هذا حدث بالفعل قبل إجازة القانون بإيقاف مراسل صحيفة «الشرق الأوسط» أحمد يونس وسحب ترخيصه بواسطة السلطات الأمنية.
وفي مجال الصحافة الالكترونية يرى محمد عبد العزيز أنها وليدة، وينقصها الكثير وتحتاج لمزيد من التشجيع وليس القوانين القمعية، مؤكدا أن القانون الجديد يواجه صعوبات بالغة في تحديد وتصنيف هذا النوع من الصحافة. ويعتبر أن القانون يهدف لتقييد نشاط الناشطين لكنه سوف يؤدي لإضعاف الصحافة الالكترونية التي بدأت تسد النقص الموجود الواضح في الصحافة الورقية وتعمل على تلافي المشاكل الاقتصادية التي تهدد بزوال الصحافة الورقية في القريب العاجل.
ويرى كثير من المتابعين أن الجهود التي يبذلها الصحافيون لمواجهة هذا القانون يجب أن تتضاعف وذلك بتوسيع دائرة التضامن لتشمل الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والمنظمات المحلية والعالمية ذات الصلة بموضوع الحريات الصحافية، وذلك بإقامة الندوات التي توضح مدى القمع الموجود في هذا القانون، والوصول للنواب المستقلين في البرلمان لإيقاف إجازة هذا القانون الذي يصفه الجميع بالكارثة.