د.حسين مجدوبي

فاز لوبيث أوبرادو بقرابة 54 في المئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية المكسيكية في الجولة الأولى التي جرت الأحد الماضي. ويعتبر أول سياسي يساري يصل إلى رئاسة بلد هام للولايات المتحدة مثل المكسيك. وبالتالي، يحمل معه تساؤلات مقلقة للبيت الأبيض مفادها: هل سيفتح أوبرادور المكسيك لروسيا والصين؟ وفي حالة حدوث هذا وإن بشكل محتشم، سيكون منعطفا جيوسياسيا في القارة الأمريكية.
وسيطر اليمين السياسي على رئاسة المكسيك منذ سنة 1929، حيث تعاقب على الحكم رؤساء من هذه الايديولوجية، وهذه هي المرة الأولى يتولى فيها رئيس من صفوف اليسار رئاسة المكسيك بفضل برنامج طموح يتجلى في الإصلاح السياسي للوضع الداخلي ومنح البلاد كرامة في مواجهة سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ولا يشكل فوز أوبرادور مفاجأة للمتتبعين للشأن السياسي المكسيكي، فقد منحته استطلاعات الرأي الفوز منذ أكثر من سنة عندما أعلن ترشيحه عن اليسار. وتعاظمت حظوظه بعدما تعهد مواجهة سياسة ترامب التي وصفها بالاعتداءات السافرة على كرامة المكسيكيين. وأخيرا، فاز في الانتخابات الرئاسية بفضل هذه الوعود.
ويعتبر أوبرادور من السياسيين المخضرمين في البلاد، فقد تمرس في مسؤوليات متعددة سواء البلدية أو رئاسة ولايات الحكم الذاتي ثم الترشح للانتخابات الرئاسية. ويراهن المكسيكيون على الرئيس الجديد لتحقيق قفزة نوعية في الحياة الداخلية وأساسا مواجهة الفساد السياسي والمالي الذي ينخر بلدا كبيرا، ثم عمليات الاغتيال التي تناهز 30 ألف سنويا، وهي من أعلى الأرقام في العالم.
ولا تقل الرهانات في العلاقات الدولية بفوز أوبرادور على الرهانات الداخلية، ويحمل هذا السياسي خطابا مقلقا للولايات المتحدة. وأشارت تقارير وتحقيقات سياسية وإعلامية إلى لعب المخابرات الأمريكية في الانتخابات الرئاسية المكسيكية سنة 2006 دورا في خسارته. وكان قد خسر أمام منافسه فيلبي كالدورن بـ 0،1 في المئة من الأصوات، وهو فارق لم تسجله أي انتخابات في تاريخ أمريكا اللاتينية.
وكانت أمريكا اللاتينية في العقد الماضي تحت سيطرة رؤساء يساريين مثل هوغو تشافيز في فنزويلا ولولا دا سيلفا في البرازيل وإيفو موراليس في بوليفيا ورافائيل كوريا في الإكوادور إضافة إلى دول أخرى. وتبنى هؤلاء الرؤساء خطابات سياسية حادة الانتقاد ضد الولايات المتحدة، ولو كان أوبرادور اليساري قد وصل إلى رئاسة المكسيك لخسرت واشنطن الكثير بحكم وجودها على الحدود الأمريكية.
وعلى الرغم من أنها أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، توجد تخوفات لدى الولايات المتحدة من وصول يساري إلى دولة استراتيجية بالنسبة لها، ومن الأسباب:
في المقام الأول، بالغ ترامب في احتقار المكسيك، ويشكل فوز أوبرادور منح الشحنة الوطنية التي يحتاجها المكسيكيون في بحثهم عن تعزيز شخصيتهم السياسية بعدما ظلوا لسنوات بل عقود تائهين بين أمريكا الشمالية حيث يلعبون دور الكومبارس لواشنطن ونسبيا كندا، وفي الهامش على ما يجري في أمريكا اللاتينية من تغييرات سياسية. وعموما، يجمع المحللون السياسيون أن من ضمن العوامل الرئيسية التي ساهمت في فوز أوبرادور تعهده بإعادة الشرف والكرامة للمكسيك جراء توظيف ترامب للمكسيكيين في حملته الانتخابية الرئاسية التي قادته إلى البيت الأبيض. وهذا الشعور، قد يعني منح المكسيكيين الضوء الأخضر للرئيس الجديد الذي سيتولى مهامه بداية السنة المقبلة، لاتخاذ قرارات جريئة وطنيا ودوليا. ومن المعطيات الهامة، رغم تبنيه خطابا مضادا للولايات المتحدة، فقد صوت ملايين المكسيكيين المقيمين في الولايات المتحدة لصالح المرشح اليساري أوبرادور وليس لصالح مرشحين يدافعون عن العلاقات مع واشنطن.
في المقام الثاني، وعلاقة بالسياق الدولي، تعرض اليسار لهزائم متتالية في أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة، فاليمين هو الذي يحكم في الأوروغواي والأرجنتين والبرازيل والإكوادور والتشيلي وكولومبيا باستثناء استمرار اليسار في بوليفيا وفنزويلا. ويبرز المحللون المهتمون بشأن هذه المنطقة من العالم تعزيز حظوظ عودة اليسار إلى الحكم مع التحول السياسي في المكسيك. واعتبرت فنزويلا فوز أوبرادور متنفسا لها في ظل ما تعانيه من محاولة تحجيم دورها الإقليمي. وقال رئيس بوليفيا إيفو موراليس «على أوبرادور إعادة التوازن لليسار في أمريكا اللاتينية». وقد تشكل عودة اليسار إلى البرازيل في الانتخابات الرئاسية المقبلة تنسيقا مع المكسيك، وهو التنسيق الذي ينادي به مفكرو أمريكا اللاتينية لخلق قطب قوي في المنطقة.
في المقام الثالث، لكن تخوفات واشنطن هذه المرة لا تتعلق فقط بتحالف أوبرادور مع دول أمريكا اللاتينية ذات التوجه اليساري، بل برؤيته للتحالفات الدولية عالميا. وقبل انتخابه بل فقط عندما كان يتقدم في استطلاعات الرأي، ساد قلق حقيقي في أوساط واشنطن من طموحات أوبرادور نهج سياسة ترمي إلى إعادة وضع المكسيك في الخريطة الدولية. والآن بعد الفوز أصبح هذا واقع. والترجمة السياسية تنطلق أساسا من رغبة أوبرادور تطوير العلاقات مع روسيا والصين. وتبرز تحاليل ودراسات أنجزتها مراكز استراتيجية مكسيكية أن السبيل الوحيد لجعل واشنطن تحترم المكسيك وتعتبرها شريكا حقيقيا هو انفتاح المكسيك على الصين وروسيا لضرب تلك الفكرة السائدة على أن المكسيك ولاية أمريكية غير معلنة، ولكن من الدرجة الثانية. وعمليا، يتطور التبادل التجاري مع الصين بحوالي 10 في المئة سنويا، ووصل إلى قرابة 83 مليار دولار السنة الماضية، ومن المنتظر تحقيق 90 مليار دولار هذه السنة. وما يقلق واشنطن، هو ارتفاع إيقاع الاستثمارات الصينية في المكسيك وفي مختلف القطاعات الصناعية والمالية والخدمات. وتمتلك الصين رؤية خاصة للعالم لتصبح القوة الأولى في الأربعينات، وتعد المكسيك هامة ضمن هذه الاستراتيجية لأنها ستسمح لبكين بالتواجد على مشارف الولايات المتحدة.
وعلاقة بروسيا، سيحاول أوبرادور تلبية مطالب تيار وسط المؤسسة العسكرية المكسيكية الذي يلح على التسلح خاصة الجوي. ويعتبر الجيش المكسيكي من الأقل تسلحا في العالم. وفي سلاح الجو مثلا، يمتلك فقط بضع طائرات ف 5 الأمريكية القديمة. وهناك شبه فيتو أمريكي على مقتنيات المكسيك للسلاح. وهناك توجه إلى شراء مقاتلات متطورة من روسيا مثل ميغ 35 وبعض أنواع عائلة سوخوي، وهو ما يثير القلق وسط البنتاغون. واقتنى الجيش المكسيكي في السنوات الأخيرة أسلحة روسية مثل طائرة هليكوبتر مي 8/17 المتعددة المهام ومنها العسكرية ومدرعات وشاحنات عسكرية وأسلحة وصواريخ جو ـ جو من نوع 9كا38.

ولمعرفة مستوى تخوف واشنطن مما يجري في المكسيك، يكفي التوقف عند هذه المعطيات: التبادل التجاري بين البلدين وصل سنة 2017 إلى 557 مليار دولار، ويشتركان في 3100 كلم من الحدود، وكل تواجد روسي، خاصة الصين، يهدد مصالح الولايات المتحدة مستقبلا في ظل استياء المكسيكيين من سياسة واشنطن خاصة بعد وصول ترامب.
ومن ضمن ما تحرص عليه واشنطن هو التخوف من تحول فترة رئاسة أوبرادور إلى منعطف مثل التغلغل المؤسساتي للفكر المعادي لكل ما هو أمريكي في مؤسسات الدولة المكسيكية، وما قد يحمله هذا من انعكاسات سلبية ستستغله الصين وروسيا. فقد قال أوبرادور في حملته الانتخابية «سنجعل ترامب يحترم المكسيكيين» وبعد الفوز في الانتخابات كرر مرة ثانية «على ترامب احترام المكسيك».
وعمليا، لم يهاجم ترامب المكسيك خلال هذه الأيام بل يتحدث عن الحوار والتفاهم، لإدراكه مسبقا باحتمال فقدان المكسيك بسبب رئيس يساري يقف بدون خنوع على أبوابه الجنوبية.

(نقلا عن صحيفة القدس العربي)