عثمان ميرغني
شهد يوم أمس مؤتمرين صحفيين مُهمّين.. المؤتمر الأول وزير المالية الفريق أول محمد عثمان الركابي، والثاني لوزير النفط الدكتور أزهري عبد القادر.. خلاصات المؤتمرين كانت مُتناقضة تماماً.

بالنسبة لي كُنت شاهداً على مؤتمر وزير النفط.. في قاعة جميلة بوزارة النفط في موقعها الجديد جوار “نفق عفراء”.. وطبعاً الاسم “نفق عفراء” مجازاً فالنفق يقع جوار “مول عفراء” ولأنّ ولاية الخرطوم لا تُسمي الشوارع ولا الأنفاق ولا الكباري فيبتكر الناس لها أسماء من عندهم إمّا مشتقة من الموقع أو من بنات أفكار العامة، مثل شارع “الهوا”.

وزير النفط من خلال مُتابعتي له في مؤتمرين صحفيين، الأول مُشتركاً مع وزير الخارجية الدكتور الدرديري محمد أحمد بدار الدبلوماسيين، لفت نظري أنّه رغم التّوتُّر الذي يُحيط بوزارته من نتاج أزمات الوقود المُتلاحقة إلا أنّه لا يبدو مُتوتِّراً بل مُتفائلاً ولكن بشروط!!

وفي حين أنكر وزير المالية وجود أزمة الوقود.. إلا أنّ وزير النفط أكّدها وقال بمُنتهى الثقة لا يُمكن أن ننكر الصفوف وهي أمام الناس في الشوارع.. وقدّم في المُقابل علاجاً مُستديماً.. مَبنياً على خُطة طَمُوحة لزيادة إنتاج الحُقُول الحالية.. ويتوقّف ذلك على مَزيدٍ من الاستثمار وضخ الأموال فيها.. للوصول إلى مرحلة الاكتفاء ثم التصدير (وهو الحال الذي كان عليه السودان قبل انفصال جنوب السودان).

بالأرقام شرح وزير النفط كيف أنّ سُوء الإدارة هو الذي أوصل السودان إلى هذه الحالة وقال بالحرف: (نحن ما كويسين.. ما كويسين.. ما كويسين في الإدارة).. كرّرها هكذا ثلاث مرات.. لأنّ ما تتطلّبه صناعة النفط من أموال حالياً كان من المُمكن تحقيقه في عز وفرة النفط قبل الانفصال.. لضمان كفاءة إنتاج الآبار.. ولأننا استهلكنا ديوناً ثقيلةً من الصين لم تنعكس على التنمية وأفقدتنا ثقة التمويل الخارجي.. ودعمت ذلك مديرة مصفاة الخرطوم منيرة محمود بتأكيدها أنّ أعطال المصفاة سببها تَأخُّر الصيانة كثيراً.

وللحقيقة إذا سلمنا جدلاً بأنّ وزير النفط بقُدراته وتطلعاته قادرٌ على مُعالجة أزمة النفط في الحاضر وتوفير الضمانات لمُستقبل نفطي آمنٍ.. يصبح السؤال.. وهل تُدار وزارة النفط بالوزير وحده؟ هل ينتظر الشعب بطلاً مُنقذاً في كل وزارة ليحل مشاكلها ويضعها في المسار السليم؟!

مهما تفاءلنا بوزيرٍ قادرٍ على التخطيط والتنفيذ، فإنّ الواقع أثبت أنّ الخلل في المنظومة كلها.. فالحُكم أشبه بتروس ماكينة مُتشابكة.. كل ترسٍ يدير ترساً آخر.. وأيِّ خروج عن التزامن يُعطِّل الماكينة كُلّها.. فهل مُجرّد وجود وزير نفط قادر وراغب يخرج البلاد من أزماتها؟

سلامة المنظومة الكلية لإدارة البلاد ليس اكتشافاً ينتظره السودان، فالمثال مُتوفِّرٌ في كل العالم، من مُستوى الدول الكُبرى إلى الأصغر.. كل نماذج النهضة كانت هبة كفاءة منظومة إدارة البلاد الكلية وَمَقدرتها على التخطيط لا التخبيط.

ألم يَحِنَ الوقت لاستنباط نُموذج حُكم إداري مُستقلٍ عن السِّياسي.. حتى ترتاح البلاد من عبقريات السّاسة وتتفرّغ لتأسيس مُستقبلٍ لا علاقة له بمنظومة الحكم السِّياسي..؟!

التيار