مبارك الكودة
كانت ومازالت هنالك كثير من المغالطات في فكري الاسلامي تؤرقني، ومنها مفهوم الشريعة الاسلامية، وبعد تجربتي في حكم الإنقاذ أصبح عندي قولاً وآحداً أن الشريعةُ الاسلامية هي صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، ولا يمكن للصبغة أن تكون تفاصيل لواقع لأن الصبغة هي صبغة الواقع ذاته، أي صبغة المجتمع، والشريعة عندي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي التجربة الإنسانية التراكمية الطويلة التي نعتبر بها، فاما زبدها فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس منها فيمكث في الأرض، والشريعة ليست قوانين تُنَزل وتُفرض على الناس من علٍ وتُكرههم على الإيمان (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) إنما هي أخلاق الرسول (ص) والتي كان يمشي بها قرآناً بين الناس، وبُعِثَ لتكملة ما وضعه أخوانه الرسل من قبله (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والشريعة التي يتحدث عنها هؤلاء تتُنَزَّل من علٍ وتُفرض كرهاً على الناس كمؤسسات للحكم، وكقوانين وضوابط للنظام العام ومناهج للتعليم والعلاقات الخارجية، والبيع والشراء والتعامل بالمال مع الأفراد والمؤسسات الاقتصادية، وبهذا الفهم الشامل فهي كما يظنون أحسن القول يستندون لقوله (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
فهل يا تُري ما يستنبطه هؤلاء من فكر من هذا النص المقدس (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) هو أحسن القول؟ وله حكم النص الإلهي في القدسية والشمول والثبات؟ وهل استنباط الأحكام من القرآن وصياغة القوانين ووضع مناهج التربية يعتبر ديناً، ومن يرفضه فهو كافر؟!! وهل قانون النظام العام الذي تنصلنا عنه يُعتبر شريعة ملزمة ومن لا يُؤْمِن به ويلتزمه فهو كافر وظالم (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون)؟ وهل عندما يؤدي عمر أو زيد توجيهاً قرآنياً مثل الصلاة مثلاً تعتبر وما فيها من تفكر وتدبر شريعةً ام هي محاولة للتدين، وقال (ص) لأحد أصحابه: إرجع فصلي فإنك لم تصلي، وقال أيضاً: (إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها)، وحديث آخر يقول فيه: (إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها) ولذلك فالشريعة التي تُصاغ وتُدَوّن كقوانين ويُلزم بها الناس إنما هي تفسير لقوله تعالي (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ولذلك عندما ينتقد البعض الشريعة الاسلامية كفكرة لا يعني ذلك نقد المثال ولا نقد الاسلام ولا الشخص المُطَبِق لها، إنما هو نقد لما استنبطه المُفكِر من فكر، وربما يكون التطبيق من أساسه خطأً لأن الفكرة التي تم استنباطها خطأ كما رأينا في توجيه الرسول (ص) للصحابي الذي صلى ولكنه لم يصلي لأن فكرته عن الصلاة قامت على خطأ وباطل وما بني على باطل فهو باطل، ولذلك عندما يقول البعض أنما استنبطه الاسلاميون من فكر سياسي لم يحالفه الصواب فلا يعني ذلك أن الاسلام خطأً أنما الخطأ هو الفكر المستنبط والذي يقبل الأخذ والرد، وكما يعلم الجميع إننا كاسلاميين (دعاة الاسلام السياسي) لنا تجربة حكمٍ إسلامي استمرت لثلاثين عاماً وقد إنتهي بِها التقييم بأنها قد فشلت تماماً، وقد يعزي البعض سبب فشلها الي المسئوليين الذين هم على سده الحكم، ويعزي البعض الآخر وأنا منهم سبب الفشل الى الفكرة التي استنبطها الاسلاميون من النصوص وظنوا ظناً أنها الشريعة الاسلامية وبالطبع فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.
أليس من حقي إخوتي الكرام أن أرفض وأنتقد حكماً استنبطه وطبقه رجال مثلي؟ والذين يقولون أن فكرهم الذي استنبطوه هو دين الله نقول لهم وهل فشل الله في تطبيق دينه؟ وأعوذ بالله واستغفره من هذا القول!!!
الشريعة التي ينبغي ان تُحَكّم هي الاخلاق وليس ما نحمله من فكر، فالذي يحمل فكراً بلا اخلاق كالحمار يحمل اسفاراً، وقال (ص): (نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فحفظه حَتَّى يبلغهُ غَيره، فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ، وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه)، فعلينا ان نتعامل مع الشريعة بانها الفطرة والاخلاق والتجربة الانسانية (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، والحمد لله والصلاة والسلام علي رسوله القائل (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
واللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك..

امدرمان 7/ يوليو/2018