التغيير: لؤي قور

قال د. فرانسيس دينق المستشار السابق للأمين العام للأمم المتحدة عن منع الإبادة الجماعية، ومدير مشروع دعم السلام في السودان في معهد الولايات المتحدة للسلام، والباحث في السياسة الدولية والقانون والمجتمع، قال بأنه وعندماً كان مسؤولاً عن ملف النزوح الداخلي في الأمم المتحدة، وجد صعوبة بالغة في إقناع الحكومات بدور المجتمع الدولي في التدخل في الحالات الإنسانية، حيث أشهرت الحكومات مبدأ سيادة الدول على أراضيها في وجه أي محاولة من المجتمع الدولي للتدخل من أجل تحسين الوضع الإنساني، فاتبع حينها استراتيجية أن السيادة مسؤولية، وأنه لا يمكن استخدام مبدأ سيادة البلد كحاجز لمنع تدخل العالم في المسائل الانسانية، لأن العالم لا يمكن أن ييتفرج بينما يتعرض الناس في مناطق النزاع لكل هذه الإنتهاكات، وخرق المبادئ الأساسية لحقوق الانسان.

 وقال “دينق” أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة نفسها، وعليها أن تحل مشاكلها الداخلية. أما إذا ظل البلد في حالة صراعات ومشاكل إنسانية فإن المجتمع الدولي سيتدخل لا محالة. مؤكداً أن السيادة تُحترم، لكنها يجب ألا تكون مدخل سلبي في الأزمات، وأنه لا بد من دعم التعاون بين الحكومات والمجتمع الدولي، وتابع:(هذه الاستراتيجية تخوف منها الناس في البداية، لكن الحكومات فهمت وساندت، وبعد إثناعشر عاماً من عملي في هذا الملف، صار النزوح الداخلي أمراً يهم المجتمع الدولي بغض النظر عن موضوع السيادة).

الابادة الجماعية:

وعن الإبادة الجماعية قال “دينق” الذي كان يتحدث في ندوة نظمها مركز روان الثقافي بأمدرمان أمس الثلاثاء بعنوان “تحديات التنوع والوحدة بين الشعوب- ملاحظات شخصية حول العالم”، قال بأنه تولى المسؤولية عن ملف الإبادة الجماعية بعد نجاحهم في تطوير مبادئء لمعالجة النزوح الداخلي إلى قوانين ملزمة للدول، وقال: (بالطبع فإن ملف الإبادة الجماعية أكثر حساسية من ملف النزوح، وحينها طرحت على نفسي سؤالًاً هو كيف يمكنني تخفيف النبرة في الحديث عن الإبادة الجماعية بحيث تكون غير مثيرة للقلق وكيف ننزل بالقضية إلى مستوى تصير فيه قابلة للنقاش عند فتح باب الحوار. فقلت أن الإبادة الجماعية لا تعدو كونها درجة عالية من الخلاف، وسوء في إدارة التنوع، وأنه طالما يوجد من يعتقد بأنه غير مُرحب به كمواطن في دولته، وأن هناك تمييز بين المواطنين، يكون الأقرب أن يلجأ للإحتجاج بأي شكل من الأشكال، وهو السبب الأساسي لحدوث الإبادة الجماعية، ويكمن الحل في خلق علاقة سياسية قانونية تجمع بين المواطنين على قدم المساواة وحين يشعر كل مواطن بأنه جزء من الوطن ويتمتع بالكرامة بدون تمييز، تتوقف الصراعات الداخلية تلقائياً وخرجنا بمبادئ تعضد ما ذهبنا إليه وكان لتصور السيادة كمسؤولية في قضية النزوح أثر إيجابي في ذلك”.

“أما عن الزمن الذي قضيته في جنوب السودان فقد كان الجو “مكهرباً” بمواجهات داخلية بين الجنوبيين، وخارجية مع المجتمع الإقليمي. إضافة لمواجهات مع المجتمع الدولي. ووجدت تصور سائد وطاغي وهو أن “المجتمع الدولي ضدنا”، ووهي دول تبحث عن مصالحها الخاصة من خلال تغيير نظام الحكم، وحتى الحوار الوطني الجنوب سوداني ومحاولة تنشيط عملية السلام نُظر إليها على أنها محض معارضة للمجهودات الداخلية في حل الأزمة. بينما ينظر المجتمع الدولي للقادة الحكوميين كقادة غير مهتمين بالمواطن، وما يحدث له، وتُحركهم الطموحات والمصالح الشخصية، فانتقلت المسؤولية للمجتمع الدولي”.

علاقات مستمرة:

وقال دينق بأنه لا بد من حل مشاكل السودان في شمال السودان، كما يبحث الناس الآن عن حل مشاكل السودان في جنوب السودان، ولا بد من التعاون في ذلك، ووصف التحول في الموقف السوداني من الصراع إلى التعاون مع جنوب السودان تحول مهم وعميق، مؤكداً على ضرورة التفاؤل المبني على أسس لحل المشكلة. وقال:(عندما سألت الأمين العام للأمم المتحدة في حفل وداعه “هل أنت متفائل أم متشائم بما سيحدث في العالم؟”، قال بأنه متفائل نسبة لأن الناس في العالم يعانون ولا بد من إنهاء هذه المعاناة. وهي ليست إجابة على سؤالي “ما هي الشواهد التي تجعلك متفائلاً”، لكن فيها شئ من الموضوعية وفي السودان توقفت الحرب بين الشمال والجنوب بعد ان عرف الطرفين ان هناك أمور لا يمكن الوصول لاتفاق حولها). وزاد:”في كتابي الأخير قلت أن السودان وجنوب السودان لا يزالان مرتبطين بالصراع، ولا زالت الصراعات الداخلية في كلا البلدين تطفح لتصل البلد الآخر، وقلت بأن الوحدة والانفصال هي درجات في علاقات مستمرة تقوى وتضعف بحسب رغبة المواطنين في البلدين، لكن ما لم تحل المشاكل الداخلية في البلدين، فلا يمكن أن يطمحا في علاقات جيدة بينهما”.

وألمح  د. فرانسيس إلى أن الحوار الوطني في جنوب السودان اليوم لا يتجاوز كونه تقسيم وظائف، وليس هناك حديث عن رؤية لجنوب السودان، أو إعادة للتفكير في أسباب النضال الطويل من أجل الإستقلال، وقال إن ما حدث في الجنوب يعد بمثابة إنذار للشمال، وأضاف:(بالطبع توجد  مشاكل، لكن هناك أيضاً فُرص وبقليل من الإجتهاد، يمكن العثور على أسس مشتركة لعمل بناء. وفي حفل عشاء جمعه مع القادة الأفارقة قال الزعيم نيلسون مانديلا :” أي إنسان مهما كان سيئاً، فبصفته إنسان، لا بد أن توجد فيه جوانب إيجابية، وإن بحثت عنها فستجدها، ويمكنك أن تبني عليها حواراً”. والناس في العالم اليوم ينظرون للسودانيين على أن بهم خصال إيجابية كثيرة، واحياناً يكون مبالغ بها حتى، لكنك تجد العكس في السودان على الرغم من أن صفاتنا الحميدة التي يتحدثون عنها موجودة فينا).

أفارقة في عالمين:

وعن المشترك بين السودانيين في الشمال والجنوب على اختلاف مشاربهم قال دينق:(في إحدى المرات دبلوماسي أمريكي عن ما يحدث في السودان فأجبته، وعاد ليسألني:”هل أنت جنوبي أم شمالي؟” قلت له :”ماذا خمنت أنت من خلال حديثي معك؟” قال لي”:أنت جنوبي مسلم”، ففقلت بأنني لست مسلماً، ولا جنوبياً بالمعنى الصريح، باعتباري من منطقة “أبيي”. في حين أن البعض كان يعتبر أنه من المفترض أن يعرف أنني جنوبياً حالما يراني. فأنت عندما  تنظر لنقاط الخلاف يصعب الحوار، وخلال إعدادي لكتابي “أفارقة في عالمين .. الدينكا في السودان العربي الافريقي”، تفاجأت بأن القصص الخاصة بخلق الانسان والتعامل مع العالم الخارجي عند الدينكا وأفكارهم عن بداية الخلق موجودة في الإنجيل والقرآن، وبعض الأنثربوليجيون أرجعوا ذلك لتأثير المبشرين، لكني كنت قد أخذت هذه الإفادات من شيوخ تجاوزت سنوات عمرهم السبعين، وهم يتحدثون عن أجدادهم ولم يكن وقتها ثمة مسيحية ولا مبشرين في جنوب السودان. لكني حين أعدت التفكير في الأمر لم أجد فيه غرابة، طالما أن القبائل النيلية في شمال وجنوب السودان ظلت تتحرك على النيل لآلاف السنوات، فما الذي يمنع من وجود المُشترك؟).

ومضى فرانسيس للقول:(ذات مرة دعاني السيد بونا ملوال للمشاركة بورقة في مؤتمر نظمه عن التنوع، وبنيت ورقتي على كتابي سالف الذكر فغضب مني الجنوبيون “انت قلت نحن مع العرب أخوان”. فأثناء الحرب نحن كجنوبيين كنا نعد اللغة العربية والدين الأسلامي أدوات للسيطرة فرفضناها، وحتى المسلمين منا لم يكونوا يؤدون الشعائر، لكنك اليوم تجد الجنوبيين يكتبون الشعر باللغة العربية الفصحى. وفي أيام إتفاقية أديس أبابا “1972” كان الناس يتخوفون حتى من الحكم الاقليمي باعتباره قد يؤدي للإنفصال، لكن الجنوبيون كانوا حريصون على الوحدة أكثر من الشماليين، وعليه ففي حالات الحرية والخيارات المتعددة ينفتح الناس على بعضهم).

الحرية والكرامة:

وفي معرض رده على أسئلة الحضور شدد فرانسيس على أن الثقافي والسياسي مترابطين، وقال بأن والده دينق مجوك زعيم الدينكا الأشهر كان يُعتبر مُقرباً من العرب والإسلام، لكنه كان شديد التمسك بدينكاويته، لأنه ليس لزعيم ألا يؤمن بدين قومه، وتابع:(كُنا نحن أبناؤه نصوم ونحن مسيحيين! وكانت الدواجن لا تُذبح في المنزل إلا على الطريقة الإسلامية. ومن ذهب شمالاً من أبناء دينق مجوك صار مسلماً، ومن اتجه جنوباً صار مسيحياً، وهُم أخوة. فحينما تمنح الناس حريتم وتعترف بحقهم في الكرامة، ينفتحون على غيرهم. وأنا أرى أنه ومع الانفصال فإن هناك انفتاحاً وتفاعلاً ايجابياً. وهناك نزعات تبدو لأول وهلة متناقضة، فالناس ينزعون للتوحد في نفس الوقت الذي يحنون فيه  لمكوناتهم الصغيرة. والإنسان على الرغم من أنه يكون أكثر راحة مع أهله، إلا أنه يظل في حوجة للإنفتاح على الآخر، ولا بد من الجمع بين الإثنين في نظام الحكم. وفي الحوار الوطني في الجنوب قلنا “its top down and bottom up”