التغيير: لؤي قور

في أكتوبر من العام الماضي أصدر الموسيقار “عثمان محي الدين”، مدير مركز سحر الكمنجة للموسيقى، إلبوم حمل اسم غنا البنات احتوى على مجموعة من الألحان لما اصطلح بتسميته بـ”غناء البنات” وهي أغاني تؤلفها البنات ويتغنين بها في بيوت الأفراح أو أثناء تدريب العروس على الرقص فيما عرف بغناء السباتة. واشتمل الإلبوم على تسعة أغنيات هي “سايق العظمة + المهيرة”، “حبيبي تعال نتلم”، “في العصر مرورو”، “الليلة مسافر + دور بينا”، “مبروك عليك الليلة يا نعومة”، “الليلة ساير يا ود القبائل”، “الليمون سقايتو علي”، وأغنية “عزيز غناي”. وعُد صدور الإلبوم الذي يوثق لهذا النوع من الغناء درجة عالية من الإعتراف به، وبأهميته كتراث استندت عليه التطورات اللاحقة في “الأغنية النسوية”، أو أغاني النساء حتى الوقت الراهن.

توازن موسيقي:

وقال محي الدين لـ”التغيير الإلكترونية” أن هذه الأغنيات خماسية المقام في معظمها، وهي بسيطة من حيث النصوص الشعرية وهي متوازنة موسيقياً، وقال:(من أشهر الالات التي استخدمت بمصاحبة هذا النوع من الغناء هي “الدلوكة”، وهي آلة إيقاعية شعبية مخروطية الشكل تصنع من الطين “الآجر” ويشد عليها بجلد رقيق، وتوضع على الفخذ الأيسر ويتم النقر عليها بطرف الأصابع بالإضافة إلى آلة “الشَتَم” وتشبه الدلوكة وتمتاز بصغر حجمها وحدة صوتها ويضرب عليها بقطعة من الجلد السميك، وتنقسم أغاني البنات إلى أغاني الحماسة الذي اشتهرت به بنونة بت المك ومهيرة بت عبود وشريفة بت بلال وأغاني اللولاي وأغاني الزواج وأغاني التنتنة التي ارتبطت بدق البن وأغاني الرثاء والمناحة بالإضافة لغناء الحكامات في غرب السودان أمثال رقية بت مسيمس شاعرة الزبير باشا)

ومن أشهر المغنيات “أم الحسن الشايقية”، “قطاعة الخشوم”، “بنونة”، “مندي”، “بت المكاوي”، “فاطمة خميس”، “عشة أم رشيرش”، و”تومات كوستي”- الللائي أظهرن إيقاع “التُمتُم” – “عائشة الفلاتية، “حواء الطقطاقة”، “مهلة العبادية”، “منى الخير”،”فاطمة الحاج”، “أمبلينة السنوسي”، إمتداداً إلى الجيل المعاصر من المُغنيات أمثال “البلابل”، “قسمة”، “نصرة”، “ستونة”، “زهرمان”، و”بلوبلو”. وصولا إلى جيل “ندى القلعة”، و”إنصاف مدني”.

رحيل النوار خلسة:

أما الباحث في التراث والتاريخ الإجتماعي الأستاذ “عادل ابراهيم”، فيذهب في حديثه لـ”التغيير الإلكترونية”، إلى أن غناء المراة في السودان ارتبط بجملة عوامل متباينة أثرت فيه بهذا القدر أو ذاك، ويعود في ذلك للباحث “جيس بولدنغ”، في سفره الموسوم  بـ”الرق والجنس في شمال السودان”، والذي أورد فيه أن غناء المرأة ظهر في عهد “الدولة السنارية”، والتي تكونت نتيجة تحالف بين رجال دين وقبائل عربية، بالإضافة للطبقة البرجوازية المؤثرة في وسط السودان، وذلك حينما برزت ظاهرة اصطياد الرقيق من أجل العمل في الخدمة الجنسية، والترفيه، فرافقها فن الغناء عند النساء كجزء من أدوات الترفيه، وهو أول أشكال الغناء، وكان يمارس في “المواخير” من أجل الترفيه عن مرتاديها، قبل أن ينهض مفهوم “الإنداية”، التي تخدم فيها عدد من النساء يقدمن مشروب الذرة للزبائن فهي مكان مخصص للشرب وتناول الأطعمة، وكان غناء العاملات في الإنداية يرافق جلسات الشرب تلك ويرد ذلك في كتاب “رحيل النوار خلسة”  لكاتبه “د. محمد عثمان الجعلى”،  وكتاب “الإنداية”، للطيب محمد الطيب. ويمضي عادل للقول أنه ومع دخول حقبة التركية ظهر مفهوم “الحريم”، والفصل بين النساء والرجال في المجالس، فاستفادت النساء من ذلك في تطوير أشكال أخرى من الغناء منها أغني “البنينة”، وأغاني “الزار”، وهي أكثر من واحد وسبعين أغنية، بالإضافة للغناء القديم. ومع تطور المجتمعات تظهر طبقة مجتمعية جديدة تضيف لذلك التراث كما كان هناك عدد من المادحات، “إذا اعتبرنا المديح جزءاً من الغناء”، وفي العهد الأول من التركية بالإضافة لفترة الحرب العالمية غنت النساء للجيش، عندما استخدم الجيش عدد من المغُنيات. كما أن هناك عدد من الباحثين أرجعوا ظهور وتطور فن الغناء النسوي للغزو الانجليزي، بعد هزيمة المهدية، حيث كان بمدينة أمدرمان عدد كبير من النساء بعد أن تحول معظم الرجال لـ”شهداء”، و”مطاريد”، أو هاربين مع الخليفة إلى أمدرمان حيث تم توزيعهن في “الخرطوم”، و”الترس”، و”الهبوب ضرباني” و”ديم ابو حشيش”، و”ديوم بحري”، وغيرها.

ديميتري البازار:

ويمضي عادل للقول أن الموسيقي والباحث “ديمتري البازار” إهتم بفناني الحقيبة، ومنهم الفنانة “فاطمة خميس”، التي تزوجها في فترة لاحقة، وكان له الفضل في تسجيل غناء النساء في اسطوانات في مصر، لتوزع على المقاهي الكبيرة في الخرطوم مثل “قهوة الزئبق”، وغيرها من المقاهي في حواضر السودان المختلفة، الأمر الذي منح غناء المرأة شئ من الشرعية، وبعد ذلك ظهرت الفنانة عائشة الفلاتية ومنى الخير، وارتفع الغناء بعد ذلك في مضامينه ليأخذ أبعاداً وطنية حينما كان الجيش يحارب الطليان في “كرن”، بعد أن احتلوا مدينة كسلا. أما القيود على غناء المرأة فارتبطت بالقيود الملقاة على عاتق المراة مُجملاً، وكانت الفنانة تعاني الأمرين وتواجهها عقبات مجتمعية كبيرة، منها الإقصاء الإجتماعي. لكن رائدات الغناء في السودان شققن الطريق على الرغم من ذلك، وقدمن تضحيات كبيرة، وإذا كان الفنانين الذكور في ذلك الوقت يُلقبون بـ”الصيع”، وهم موصومون من قبل المجتمع،  فما بالك بالنساء؟ ولذا كن يستخدمن أسماء شُهرة، وألقاب، وأسماء مستعارة. وعقب الإستقلال والتمدن والسودنة، ظهرت اشكال تحديث أسرع للأغنية، منها ظهور الإذاعة في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، فصارت أصوات “مُنى الخير”، و”عائشة الفلاتية”، تُسمع في الإذاعة السودانية، وكان هذا بمثابة اعتراف من قبل الدولة بإبداع المرأة على الرغم من أنهن كن ما يزلن في مواجهة صُعوبات الإقصاء والتهميش. ومن ثم ظهرت مجموعة “البلابل”، واللائي حققن نقلة كبيرة، وقدمن أعمالاً مُهمة، وأدخلن الغناء الإستعراضي المصحوب بالرقص على المسرح، على غير السائد حينها، وعانت مجموعة البلابل من التضييق من قبل الدولة كذلك، في ذلك الوقت، وأرسل وزير التعليم “محي الدين صابر”، توجيهاً لمدير الإذاعة بإيقاف بث أغنية “سكة مدرستنا”، التي اعتبرها تحرض طلاب وطالبات المدارس على السلوك غير القويم.

الطوارئ وقانون النظام العام:

وعن غناء المرأة في الماضي القريب والوقت الراهن قال عادل:(جرت عادة الأنظمة الديكتاتورية على الإهتمام بالحقوق الفردية للمواطنين وبالفنون، على حساب الحقوق السياسية، وعليه فقد اهتمت ديكتاتورية مايو بالفنون، ومهرجانات الثقافة، والدورات المدرسية التي ظهرت منها الفنانة “حنان النيل”. لكن الكارثة كانت في ديكتاتورية “الترابي – البشير”، وهي ديكتاتورية “إسلامية”، حاربت غناء المرأة بضراوة، وشُطبت “بجرة قلم”، أغاني الغزل والخمريات باعتبارها “حراماً”، وهذه الأغاني كانت تشكل غالبية الغناء الموجود في مكتبة الإذاعة، وأوقفوا السينما خلال حالة الطوارئ التي فُرضت لسنوات سبع، وألقت بظلال سالبة على غناء المرأة بشكل خاص، وكانت “ثالثة الأثافي”، هي ابتداع قانون “النظام العام”، الذي فرض قيوداً كبيرة على حركة المرأة بشكل عام، وأدى بالتالي لتحجيم أنشطتها بما فيها الغناء).

وتابع عادل بالقول:(حدث انفراج نسبي في عقابيل المفاصلة “1999”، وبتأثير من إعلان مبادئ الإيقاد، فاتفاق مشاكوس الإطاري وانتهاءاً بنيفاشا ووثيقة الحقوق التي أثبتت في الدستور لكن  وبعد العام “2011”، تم تفعيل قوانين النساء العام بصورة اسوأ مما كانت عليه مما أثر بالضرورة على غناء المرأة، والفنانة هاجر كباشي تعرضت من قبل للمساءلة من الأجهزة الأمنية بسبب أغنية مجدت فيها القائد الراحل “يوسف كوة”، ونظام الانقاذ الحالي لديه خبرة كبيرة في الإحتواء وعليه فقد تم تكييف ظهور المراة وغناءها في ايقاع السيرة والتمتم وتظهر في القنوات التلفزيونية مرتدية غطاء الرأس وهو النمط “الإسلامي” من وجهة نظر السلطة،لكن لا توجد أمثلة للمغنيات “الليبراليات” إن صح التعبير إلا في عدد قليل من الفنانات أما ما تبقى منهم فيفرض عليهن شكل ظهور وطريقة أداء معينة من قبل الدولة وهي ليست مساحة حرية بل محض تحجيم).

دفاعاً عن الوجود:

وعن رد فعل الشعبي على محاولات تحجيم غناء المرأة وتسليط سيف النظام العام عليها يختتم الباحث عادل ابراهيم حديثه بالقول:(لكل ما سبق فقد ظهرت قوى الرفض الاجتماعية حتى في أغاني المرأة، وهي قوى المقاومة التي تتحرك بدافع من التعدد السوداني الطبيعي والحقيقي، وهي صوت الطبقات والفئات والثقافات التي يُراد محوها وتجاهلها وتهميشها، لصالح الثقافة الأحادية المفروضة من قبل السلطة، فهي تدافع عن نفسها في شكل ابتداع أغنيات تعبر عن الواقع، وتشدو بها مغنيات يستخدمن لغة “الراندوك” ولغة أسفل المدينة في الأغاني، وتسفه الشكل الرسمي للأغنية والمُغنية وتتمرد عليه، متحدية التابوهات الإجتماعية، وتظهر في الإحتفال بعيد الحب وتنظيم الرحلات التي يصاحبها الغناء في تحدي لكافة السُلطات، فأغاني “القونات” كما يطلق عليها، تمثل  صوت المقاومة الحقيقي لمحاولة محو الثقافات السودانية المتعددة لصالح أحادية السلطة.