خالد فضل

  تبدو طبيعة النظام الحاكم في السودان وكأنه شجرة من نوع محدد تمّ تطعيمها بفرع من نوع آخر , هذا على مستوى المظهر بالطبع , مع الإعتذار الواجب للزراعيين والمزارعين الذين يقومون بعمليات التطعيم للأشجار فتؤتي أُكلها ثمرا شهيا من نوعين , بينما السلطة الديكتاتورية في السودان التي يتم تطعيمها ببعض مظاهر الديمقراطية لا تنجب سوى مزيدا من الخيبات والفشل , فالطبيعة الديكتاتورية للمنظومة الحاكمة والتي تنحدر من منظومة التنظيم الإخواني لا تمت للديمقراطية بصلة من قريب أو بعيد .ففي فقه الحركة والذي يمثل المرجعية الأساسية للتنظيم يتم تقسيم البشر إلى فئتين : فئة الحركيين الإسلاميين وهي فئة الحق المطلق والخير الوحيد , وفئة الضالين من العلمانيين والكافرين بالطبع , وهي تمثل عندهم الشر المطلق , لذلك فإنّ كل ممارسات الإسلامي الحركي إنما تنبع من منبع الخير وتصب في مجرى الحق , فإن كذّب تعتبر كذبته جهادا لأنّ الحرب خدعة , وإن قتل نفسا بريئة فإنّ ذنبه مغفور لأنّ نيته قتل العدو وهكذا لا يمكن قياس أفعال الإسلامي بأفعال الآخرين وبمنطقهم العلماني الجاهلي , فالأخير مصنّف مسبقا , ومهما كانت أفعاله نبيلة إلاّ أنّها ليست خالصة لوجه الله فلا فائدة من ورائها ولا نفع يرجى منها .

بهذا المنطق يتم تطعيم السلطة الإسلامية الديكتاتورية في السودان ببعض ملامح الديمقراطية , فهناك انتخابات على مستوى الرئيس والمجلس الوطني (البرلمان) والمجالس التشريعية في الولايات , وزادت (المحلبية شوية ) لدرجة انتخاب ولاة الولايات , ولكن كانت جرعة التطعيم كبيرة شوية فيما يبدو وخوفا من انفلات المعيار الديكتاتوري وسيادة روح الديمقراطية ونشؤ مراكز قوى ولائية واقليمية , أو ظهور شخصيات مستقلة ومعتدة بنفسها من بين حركة الإسلاميين أنفسهم  وشعور تلك الشخصيات بأنّها منتخبة وتمتلك شعبية في ولاياتها مما يجعلها عصية نوعا ما على التطويع , تمّ النكوص عن ذلك المظهر الديمقراطي والعودة فورا للطبيعة الديكتاتورية في تكريس السلطات , وخلق هالة حول الرئيس بجعله الفرد الواحد الأحد , وإضفاء صفات لفظية حول شخصه بإعتباره صمام الأمان , وموحد السودان , و و و … إلخ , ومن مظاهر التطعيم الديمقراطي للطبيعة الإستبدادية السماح بصدور عدد من الصحف تحت شعار مستقلة وبعض الصحف الحزبية , ولكن معيار الديكتاتورية  لا يمكنه إحتمال جرعات ديمقراطية تصل حد قبول الرأي الآخر والسماح بحرية التعبير , وهنا تجرّد الديكتاتورية أسلحة القوانين التي يتم تعديلها كل حين لتسد أي ثغرة يمكن أن تعبر خلالها روح الديمقراطية إلى المجتمع فيهب مطالبا بحقوقه , ومن مظاهر الديمقراطية نشؤ منظمات المجتمع المدني فلمّا بدأ أثرها يظهر رويدا رويدا بإشاعة قدر من الوعي في أوساط النساء والشباب والطلاب والمهمشين وسكان الأرياف القصية ومناطق النزاعات المسلحة , قدر من الوعي وقليل من المساعدات الإنسانية في بناء القدرات والتدريب خاصة في مجالات حقوق الإنسان ورعاية البيئة ورصد الإنتهاكات , جنّ جنون الطاغية الإسلامي وبدأت غزواته وحروبه المقدسة ضد اليساريين والشيوعيين المندسين خلف رايات المجتمع المدني ؛ أو هكذا يزعمون , فكانت عمليات المصادرة والإغلاق والمطاردات الأمنية والإعتقالات والمحاكمات الجائرة للنشطاء والعناصر القائدة في هذه المنظمات , وهاك يا عبارات التهويل والتضخيم والمحاكمات الإعلامية المطبوخة برعاية الأجهزة الأمنية , بمسميات  مرعبة , خرق الدستور وتقويض الشرعية وأمن الدولة والأمن القومي والتخابر  والسيادة الوطنية ..إلخ  في الواقع لم يحدث من المنظمات المتهمة والنشطاء المذمومين أي فعل مما يشاع , كل ذنبهم وذنب منظماتهم المؤودة هو ممارسة حقوقهم كما نصّ عليها الدستور الإنتقالي لسنة 2005م ولأنّ ذلك الدستور نفسه قد حمل بعض ملامح وروح ونفس الديمقراطية فإنّ غرسه في أصل الديكتاتورية كان حدثا مرعبا وأمرا جللا هزّ أركان  الإستبداد , فكان لابد من العمل على لجم نصوصه بلجام  (القانون) , وتعديل النصوص الدستورية نفسها كما حدث في مسألة انتخاب الولاة .

  الحوار الوطني , وما أدراك ما الحوار , كان أحد عمليات تطعيم الجذع  الديكتاتوري بفرع ديمقراطي , ولأنّ الإحتفاء يتم بالمسميات دون الإهتمام بمضمونها جاء الحوار بائسا يفتقر إلى أدنى مقومات الجدية والمصداقية لدرجة أنّ صديقنا كمال عمر فقد حماسته له , واستشاطت تراجي مصطفى غضبا بعده وهي التي ملأت الوسائط تبجحا في أيام ذلك الحوار المزعوم . ثم هاهي حكومة الحوار تحكم اسميا منذ أكثر من عامين , يتردد خلالهما صدى الإذاعة والتلفاز ب (مجلس الوزراء القومي يقرر كذا ويعقد جلسة لمناقشة كذا ورئيس مجلس الوزراء القومي يقول كذا ) ولكن كل أوجه حياة الناس تدور وتنحدر من سقر إلى لظى دون أن يتاح لهم قدر يسير من حقوقهم في التعبير والمشاركة ومعرفة الحقائق والحصول على المعلومات الحقيقية عن الأوضاع حتى يسهموا في معالجتها ومحاسبة المسؤولين عن التقصير وغيرها من أبجديات القومية التي يتزيأ بها النظام  والديمقراطية  التي يتمسح بها . الواقع أنّ طبيعة النظام وتركيبته لم تتغيّر طيلة 30سنة في السلطة المطلقة , فقط كجلد الأفعى صيف شتاء يتجدد_ كما في حداء الجميل مظفر النواب_, وهي في تمددها الإستبدادي تمخر في محيط من الفشل والفساد تفترس فيه القطط السمان بعضها بعضا بعد أن أكملت إفتراس الوطن بشرا وأرضا ومواردا , دون أن تتبدل طبيعتها النهمة للإفتراس , ولأن طبيعة الديكتاتورية (جبل) كما يقولون , يغلبها التطبع فتعود مباشرة لطبيعتها , تصادر الصحف وتتفنن في سبل قمع حرية التعبير , تتسول بالعلاقات الخارجية حد التبعية والمقايضات الدنيئة , تجيّش البندقية الرعناء كوسيلة وحيدة للتعامل مع المطالب المشروعة , ولم تنس في غمرة ذلك من الظهور بمظهر قومي وديمقراطي , فهنا لافتة حزب وهناك مجلس شورى ومجلس وزراء قومي !! الديكتاتورية بيّنة وكذا الديكتاتورية وبينهما متشابهات فاجتنبوا الشبهات  وقوموا إلى وطنكم يسندكم الحق .