التغيير: الخرطوم

في الوقت الذي بدات فيه الصحافة الورقية في السودان بالتراجع عن دورها كسلطة رابعة بفعل التضييق المستمر عليها من قبل السلطات السودانية، أصبحت   وسايط التواصل الاجتماعي وخاصة الفيس بوك والواتس اب في مقام السلطة الرابعة وحلت تدريجيا في مكانها وان كانت بدرجات مختلفة. 
فالعديد من الحوادث والوقائع المهمة تم كشفها بواسطة هواة او اشخاص عاديون، ومن ثم انتشرت بشكل كبير وشكلت رأيا عاما حولها وضغطا علي السلطات من اجل التحرك.  ومن ابرز هذه الوقائع هو الواقعة  التي عرفت ” بفتاة المنشية” والتي تصور حادثة  اغتصاب فتاة في الشارع العام  وتحت تهديد السلاح بواسطة شاب يقود دراجة بخارية في حي المنشية الراقي. 
واحتل هذا الفيديو معظم تدوينات وكتابات المدونين في فيس بوك وواتس أب طوال يوم أمس الثلاثاء، ومع اختلاف تفسيرات المتداخلين حول طبيعة الواقعة باعتبارها اغتصابا او زنا فانهم اتفقوا – تقريبا – علي ضرورة القبض علي الجاني  ومحاسبته بشكل فوري مما شكل ضغطا علي الجهات الرسمية بالتحرك السريع.
وفي نهاية اليوم، تفاجأ المدونون بتغريدات من مواقع مقربة من جهاز الشرطة وأفراد مقربون للسلطة تتحدث عن ان الواقعة لم تحدث في السودان وانما في الصومال، فما كان من عدد من المدونين والنشطاء وبعض الصحف الالكترونية ومن بينها ” التغيير الالكترونية” ان ذهبت الي موقع الحدث والتقطت صورا للمكان بذات التفاصيل التي ظهرت في الفيديو، واثبتت ان الواقعة حدثت في السودان وليس الصومال. 
وبعد ايراد هذه الأدلة الدامغة  علي وقوع الاغتصاب في منطقة المنشية وتشكيلها لرأي عام مضاد لرواية الشرطة ، تحركت الاخيرة، والقت القبض علي مشتبه به قام بتصوير الواقعة وليس الفاعل الأساسي والذي تقول العديد من المصادر الشرطية الموثوقة انه معروف لديهم بممارساته الاجرامية والتي تشمل السرقة واختطاف الاطفال. 
وفي صبيحة اليوم التالي، وفي مفارقة عجيبة، صدرت معظم صحف الخرطوم بعناوين رئيسية تتحدث عن ان الشرطة القت القبض علي مصور الواقعة والذي قالت انه ” فبرك” الامر ، وان الواقعة حدثت في الصومال. 
وقابل المدونون هذا النكران للوقائع المعروفة بسخرية كبيرة علي صفحاتهم في فيس بوك ، وبدأوا في نشر صور لمناطق متسخة ومهملة ومعروفة ويكتبون انها في الصومال! ونشر محمد حسن عربي في صفحته علي فيس بوك صورا لاوساخ متراكمة في احدي المناطق المعروفة وكتب ” مشاهد من الصومال “فيما كتب الصحافي لؤي عبد الرحمن علي صفحته ” يبدو ان ان الحي المجاور للسفارة الصينية بالخرطوم اسمه الصومال”. اما امين صلاح فقد سخر بطريقته الخاصة عندما دون : ” الخارجية الصومالية تستدعي السفير السوداني بمقديشو”. 
وهذه هي ليست الحادثة الاولي التي شكلت فيها وسائط التواص الاجتماعي وعيا جماعيا بقضية ما وجعلت السلطات تعيد النظر في افعالها وردود افعالها، ففي مطلع هذا الشهر ، وعندما قتلت شرطة النظام  احد الشباب خلال مطاردة بشارع النيل في امدرمان، أصدرت بيانا ودافعت فيه عن واقعة القتل قائلة ان الشاب المقتول رفض الانصياع للتوجيهات الصادرة اليه بالتوقف، واضافت ان ذو سجل إجرامي وكان يقوم بفعل مخل بالآداب داخل سيارته مع احدي الفتيات. فوجد هذا التبرير استنكارا كبيرا وغير متوقعا من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ، وبدأو حملة مضادة ضد قيادات الشرطة، ووصفوا البيان بغير المحترف، وطالبوا بضرروة معاقبة الضابط الفاعل. 
ولم تكد تمر ساعات علي بدء الحملة المناهضة ، الا وان استجابت الشرطة عن طريق إصدارها بيانا اخر، ترحمت فيه علي روح الفقيد اولا، مع تأكيدات بتشكيل لجنة تحقيق. ومع تزايد الحملة التي انضم اليها نشطاء وقانونيون امرت وزارة العدل السودانية بتشكيل لجنة رسمية للتحقيق في الواقعة. 
وقبلها، كانت هنالك العديد من الوقايع والاحداث والتي حاولت السلطات الامنية والحكومية بالتعتيم عليها، عن طريق منه الصحف من نشرها ، فما كان من رواد الفيس بوك والواتس أب الا من التفاعل معها ولعل أشهرها الاحتجاجات الشعبية التي تندلع بين حين وآخر للمطالبة بالحقوق الاساسية، والعصيان المدني الذي كانت قد دعت له جهات سياسية وناشطون. 
وتشير إحصاءات رسمية ان عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في السودان وصل الي 15 مليون شخص، غير ان جهات مستقلة تقدر عددهم بنحو 17 مليون، وتوكد ان الفيس بوك هو الأكثر انتشارا ويليه الواتس أب ثم موقع التغريدات القصيرة تويتر.