عمر الدقير

يوافق اليوم – الثامن عشر من يوليو – الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا، وهو ذات اليوم الذي أعلنته الأمم المتحدة، قبل عدة سنوات، مناسبةً سنوية عالمية للإحتفاء بسيرة هذا الثائر التحرري.

أجدني شديد الإستحسان لتلك العبارة التي نُقشِت على شاهد قبر مانديلا: “هنا يرقد رجلٌ أدَّى واجبه تجاه وطنه وشعبه” .. إنها عبارةٌ تبدو بالغة البساطة لكنها فخيمة المعنى، تختزل كلَّ ما يمكن أن يقال عن إنسانٍ صدق مع نفسه وشعبه ومع الحياة، ما جعله رمزاً للمبدئية الأخلاقية والثبات على الموقف والاستقامة الصارمة التي تحسم الخيارات، في أصعب الظروف، دون تردد .. فقد كان مانديلا إنساناً عظيماً بكلِّ ما يكتنزه لفظ “العظمة” من سمو المعاني ونبالة القيم .. قدَّم خلال حياته أبهى ما يمكن لفردٍ أن يقدَّم من بذلٍ وعطاءٍ لبني وطنه والإنسانية جمعاء، وبلغ شأواً بعيداً في الفداء والتضحية من أجل الحرية والعدالة والتسامح، حتى غدا علامةً فارقةً في عصرنا: مناضلاً ضد التمييز العنصري، أو سجيناً سياسياً سلخ عقوداً من عمره خلف القضبان، أو زعيماً عَبَر بشعبه مخاطر الفوضى والحرب الأهلية إلى آفاق التسوية التاريخية ورحاب المصالحة الوطنية.

أبصر مانديلا النور في خواتيم العقد الثاني من القرن العشرين، حين كانت إفريقيا لا تزال منكوبة بأولئك الذين عقدوا مقايضة بائسة مع التاريخ أفقدوه بها رشده وحوَّلوه إلى وحشٍ كاسر عبر تحالفٍ شيطاني مع الظلم .. فرغم صدور إعلانات وقوانين إلغاء الرق في منتصف القرن التاسع عشر، تحت ضغوط الحراك الإنساني في مختلف أرجاء العالم، لم ينفرط عقد ذلك التحالف الشيطاني تماماً، حيث استمر أولوا القوة والقهر إبَّان الحقبة الاستعمارية في استباحة خيرات إفريقيا وسرقة عافيتهم من ضحاياهم في هذه القارة البكر .. وعندما شبَّ مانديلا عن الطوق، كان قدره أن يكون امتداداً لسلالة مجيدة من زعماء حركات التحرر الوطني في إفريقيا الذين قادوا شعوبهم إلى رحاب الحرية والاستقلال .. ولئن جاء مانديلا في آواخر هذه السلالة المضيئة، إلَّا أنه كان الأطول باعاً والأعلى كَعْباً كونه صاحب التجربة الأعظم فداءً وتضحية والأكثر اكتمالاً .. فقد أعطى مانديلا بمسيرته النضالية دروسًا فى الصمود والتمسك بفكرة المقاومة في وجه الظلم وبشاعته .. بل كان مقاوماً لفكرة الهزيمة واليأس من ذاته أو شعبه، ومدركاً – شأنه شأن أي ثائرٍ حر يمتلك الحِسَّ الأخلاقي وسداد البصيرة – أنَّ هزيمة الذات هي الهزيمة الحقيقية التي تجعل من الهزيمة الشاملة قدراً لا مفر منه .. ولذلك كان همه الأكبر أن يطرد اليأس ويُبْقي الأمل حيّاً في نفسه ونفوس رفاقه ومواطنيه، ليس فقط لأن الأمل هو آخر ما يجب أن يموت، كما تقول حكمةٌ روسية، وإنما من أجل بلوغ تلك الحال التي لا يعود بوسع الأمل معها أن يموت.

منذ أن بدأ نشاطه المناهض لنظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا عام 1943، لم يخضع نيلسون مانديلا للإكراهات ولا للإغراءات، وظلَّ متشبثاً بثوابته النضالية والأخلاقية لم يتزحزح عنها قلامة ظفر .. وخاض، مع أبناء شعبه ورفاقه في المؤتمر الوطني الإفريقي، نضالاً صعباً وشاقاً عبر منابر المقاومة السلمية وساحات الكفاح المسلح الذي أجبروا على اللجوء إليه بعد مجزرة شاربفيل التي ارتكبها النظام العنصري ضد الأفارقة عام 1960م، وما تلاها من تشريعات حرَّمت النشاط السياسي السلمي للمؤتمر الوطني الإفريقي. وكان من نتائح ذلك أن تعرض للإعتقال عام 1962م وحوكم بالسجن لمدة خمس سنوات، بعد عودته لبلاده من جولة خارجية سرية كان من ضمنها زيارته للسودان حيث نزل ضيفاً عزيزاً مكرماً بالغرفة رقم 217 بالفندق الكبير، المطل على النيل الأزرق، لمدة أربعة أيام أجرى خلالها محادثاتٍ مع الرئيس الفريق/ إبراهيم عبود ووزير الخارجية الأستاذ/ أحمد خير، وقدمت له الحكومة السودانية دعماً مالياً وجواز سفر غادر به إلى الجزائر لترتيب دورات تدريب عسكري لمناضلي حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.
ثم أحيل مانديلا من داخل السجن لمحاكمة أخرى بتهمة التخريب، وهي المحاكمة التي تولّى فيها الدفاع عن نفسه بمرافعة أقضّت مضجع النظام العنصري بهدير كلماتها الباسلة التي تردد صداها في كل أرجاء العالم، ولا سيما خاتمتها التي قال فيها: “طوال حياتي نذرتُ نفسي لنضال الشعب الإفريقي هذا .. لقد حاربتُ ضد هيمنة البيض وحاربتُ ضد هيمنة السود، وأثمِّن قيمة وجود مجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه الجميع بتناغم وفرص متساوية .. إنها قيمةٌ أتمنى أن أعيش من أجلها وأن أحققها، ولكن إذا ما استدعت الضرورة، فإنني مستعدٌ للموت من أجلها” .. قضت تلك المحاكمة الجائرة بسجن مانديلا سجناً مؤبداً بجزيرة روبن، ليتحول طوال مدة مكوثه في السجن إلى أمثولةٍ للجسارة والصمود، وتتحول المطالبة باطلاق سراحه إلى أُنشودةٍ يرددها الأحرار جيلاً بعد جيل .. ومن عتمة ذلك السجن كان يمثِّل أباً روحياً وقائداً سياسياً لنضال السود الذين أيقنوا أن رياح الحرية والكرامة تهبُّ من كوّة السجن الذي كان يضيق على مانديلا، لكنه لم يوهن إرادته ولم يكسر روحه أو يبثّ فيها جرثومة اليأس، بل زاده إيماناً بقضيته وصلابةً في موقفه وتمسكاً برهانه على طلوع قمر الحرية من عتمة سجنه.

وبعد أن قضى ما يقارب الثلاثة عقود في السجن، عرض عليه النظام العنصري الحرية مقابل إعلانه إدانة الكفاح المُسلّح، لكنه رفض العرض قائلا: “لا معنى لحريتي الشخصية بينما شعبي مكبَّل بكل أنواع القيود .. ليس حُرَّاً من يُهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة”، ومُعلناً في ذات الوقت أنَّ: “اللجوء للكفاح المسلح كان عملاً دفاعياً لمجابهة التمييز العنصري، والعوامل التي ألجأتنا إليه مازالتْ قائمة، لذلك ليس لدينا خيارٌ إلّا الاستمرار فيه” .. ومن داخل زنزانته سرَّب رسالةً لرفاقه قال فيها: “اتحدوا وجهزوا وقاوموا .. بوحدتنا سنهزم التمييز العنصري“.

ولم يكن غريباً، والحال هكذا، أن يعود التاريخ إلى مجراه الطبيعي، بعد أن اقتيد قسراً بالقوة المادية إلى مجرىً راعفٍ طيلة نحو ثلاثة قرون، وأن تنتصر إرادة الحياة والحرية والكرامة التي أجبرت النظام العنصري، تحت ضغط المقاومة الجماهيرية – بتكامل مختلف وسائلها – وتضامن أحرار العالم، على إطلاق سراح مانديلا في فبراير عام 1990 والاعتراف بحزب المؤتمر الوطني الإفريقي ثم الدخول معه في مفاوضات تُوِّجَتْ بإقرار دستورٍ جديد وانتخاب مانديلا رئيساً لجنوب إفريقيا باجماعٍ كبير، ليواصل مسيرة النضال ويسجل مأثرته التاريخية العظمى حين تسامى فوق عذاباته وجراحاته الشخصية ورفض دعوات الثأر والانتقام معلناً العصيان على تعاليم جلاديه ومنتهكي حقوق بني جلدته، وتلك هي آية الضحية النبيلة التي لا تسمح لجلادها بإعادة انتاجها على غرار الوصفة البغيضة لتكوينه السادي ولا تسمح له بأن يلدغها بسموم الكراهية والبغضاء والنبذ والإقصاء، وأن تبدو كما لو أنها تكمل المشهد الأخير لتراجيديا إغريقية يهدي فيها المنتصر سيفه للمهزوم .. وقد عبَّر مانديلا عن حسن إدراكه وتفهمه لكلِّ هذا من خلال الكلمات التي وصف بها لحظة خروجه من السجن: “بينما كنت أخطو إلى خارج زنزانتي نحو البوابة التي ستقودني إلى الحرية، أدركت أنني لو لم أترك مرارتي خلفي، فإنني سأظل سجيناً للأبد“.
استطاع نيلسون مانديلا، من خلال رمزيته وموقعه في السلطة رئيساً للسود والبيض معاً، أن يقود حملة إطفاء مشاعر الغضب والرغبة في الثأر والانتقام التي كان طبيعياً أن تتأجج في صدور أولئك الذين تعرَّضوا لأبشع أنواع الظلم والانتهاكات وأن يقود تجربة العدالة الانتقالية التي تقوم على فكرة “الحقيقة والمصالحة” لمداواة الجراح وتسوية إرث الماضي العنصري البغيض والمثقل بالمرارات، وتجاوزه نحو مستقبلٍ واعدٍ بالأحسن للجميع .. ورغم أن تلك التجربة شابتها عيوبٌ وثقوب، وعلى وجه الخصوص كونها في معظم الحالات قفزت مباشرةً من كشف الحقيقة إلى المصالحة وبالتالي أتاحت للعديد من مرتكبي الجرائم أن يفلتوا من العقاب بالإعتراف والمصالحة، إلّا أنها تبقى جديرة بالدراسة والإعتبار.

على طول مدة سجن مانديلا، فإنَّ مدة حكم بعض رؤساء البلدان في العالم الثالث قد قاربتها أو جاوزتها .. لكنه في قضية العلاقة مع السلطة قدَّم أنموذجاً نقيضاً لثقافة سلطوية بائسة، رهانها الوحيد هو “القصر أو القبر” .. فعند انتهاء فترة رئاسته التي انتخب لها بإجماع شعبي كبير، أصرَّ على أن يترجل وألَّا يترشح لولاية ثانية، رغم أنَّ الدستور يعطيه هذا الحق ورغم أنَّه كان يملك من التأييد الشعبي ما يجعل منه رئيساً مدى الحياة لو أراد، فهو بالنسبة لشعب جنوب إفريقيا أيقونة لمسيرة النضال العنيد والدؤوب من أجل الحرية والكرامة الإنسانية .. قدَّم مانديلا لشعبه والعالم المثال الرائع ذاته الذي قدَّمه بصموده خلال سنوات سجنه الطويلة، حين غادر رئاسة الدولة والحزب بإرادته الحرة مرفوع الرأس بعد أن أرسى دعائم دولة المواطنة الديمقراطية، وسلَّم الراية لرفاقٍ آخرين ليواصلوا المشوار.

في كتاب سيرته الذاتية “مسيرة طويلة إلى الحرية”، قال نيلسون مانديلا: “عندما خرجت من السجن، كانت مهمتي هي تحرير المقهورين وقاهريهم معاً، وقد يقول البعض إنه تم إنجاز ذلك، لكني أعلم أن هذا غير صحيح تماماً، فقد خطونا الخطوة الأولى على طريقٍ طويلٍ وصعب، فلأن تكون حراً لا يعني فقط أن تكسر قيدك، لكن يعني أيضاً أن تعيش بطريقة تحترم وتعلي من شأن حريات الآخرين .. لقد اكتشفتُ سراً مفاده أن المرء ما إن ينتهى من تسلق تلٍّ ضخمٍ سرعان ما يتبين له أنَّ هناك العديد من التلال الأخرى بانتظاره ليتسلقها” .. وقال مُعلَّقاً على من وصفه بالقدِّيس: “لستُ قدِّيساً، إِلّا إذا كان هذا الوصف يعني من يواصل السعي بلا يأسٍ وله أخطاؤه ولحظات ضعفه وألمه” .. وكتب عن إخفاقه في الوفاء بالتزاماته العائلية بسبب انشغاله بقضية شعبه: “كان الأمر بسيطاً، ومع ذلك كان غامضاً ومربكاً .. في مثل تلك اللحظة التي تسأل فيها الطفلة أباها: لماذا لا يمكنك أن تكون معنا؟، وحينئذٍ لا بد أن يطلق الأب هذه الكلمات: هناك أطفالٌ آخرون مثلك، بل هناك الكثير منهم .. ثم يبدأ صوت الأب في الانخفاض تدريجياً حتى يتوقف عن الكلام!”.

لقد أدَّى مانديلا واجبه كاملاً وبكفاءةٍ عالية رغم أشواك الطريق، ورحل بعد أن سطَّر اسمه بأحرفٍ من نور في كتاب التاريخ الإنساني .. ستبقى سيرته مصدرَ إلهامٍ للأجيال وعَوْناً لهم على تسلق التلال.

omereldigair@yahoo.com