خالد فضل

  سيل الحوادث المروّعة التي صارت وجبات مسمومة يتناولها الناس في السودان كل صباح جديد ,مثلما يتناولون المأكولات والمشروبات المشبوهة ؛ أودت ببقايا الطمأنينة المصطنعة التي ظلّ الناس يصبرون بها أنفسهم , وظلت السلطة المستبدة تمتن بها على الشعب , فعند  الحديث عن  التغيير وضرورته العاجلة ينبري لك سدنة السلطان بالحديث الممجوج عن تجربة فقدان الأمن والطمأنينة في البلدان العربية التي انتفضت شعوبها وازاحت الحكام المستبدين ومسحت عن الوجود السلطات والحكومات الفاسدة , كأنّما المعادلة تقوم على هاتين الفرضيتين فقط , إمّا حكومات متسلطة وديكتاتوريات عتيدة أو انفراط عقد الأمن وفقدان الطمأنينة , في تعمية وتضليل متعمّد للشعوب حتى لا تعي أنّ أكبر مروّع للطمأنينة والأمن هو الأنظمة المستبدة نفسها , ذلك أنّ انتهاكاتها لحقوق الإنسان بصورة فردية وجماعية هو السبب الأكبر في فقدان الأمن الشخصي والجماعي .

  وسجل سلطة القمع والقهر الإنقاذية مما تفيض به صحائف اللوعة , وتموج به حقائق الآلام ؛ على مستوى الأفراد والمناطق والجماعات , سجل أقل جرائره بيوت الأشباح والإختفاء القسري والموت غرقا و الزعم بالإنتحار , ناهيك عن القنص في الشارع برصاص ينطلق من قنّاصة بارعين في تسدسد الطلقات إلى الصدور والجباه , يمتطلون سيارات دفع رباعي منزوعة اللوحات  , كما أشار التقرير البرلماني للجنة التحقيق حول وقائع قتل المتظاهرين في شوارع الخرطوم في سبتمبر 2013م , وقائع وفظائع  ؛ مثلما حدث في دارفور لدرجة ترقى إلى جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والإعتصاب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها مما هو مثبّت في صحائف الإتهام لدى المحكمة الجنائية الدولية , فهل بعد ذلك ينفع كلام عن الطمأنينة التي يزرعها النظام  والتي ستزول إن هو زال ! وهل المعني بتلك الطمأنينة جهات معينة وإثنيات محددة ومناطق بذاتها ؟ لذلك يتم توجيه خطاب معادلة الأمن باستمرار الإنقاذ لتلك الجهات المعينة والمحددة وذات القابلية الثقافية لقبول فكرة( أمنها الذاتي هو الأمن وطمأنينتها هي الطمأنينة) في اطار وعي متمركز حول الذات وجعلها محور دوران كل الأحداث , لأنّه وبتأمل بسيط لمفهوم الشعور بالأمن والطمأنينة نجد ملايين السودانيين في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق فقدوا وما يزالون يفقدون الشعور بالطمأنينة , ونزوحهم الكثيف صوب الخرطوم والمعسكرات والمدن ولجؤهم للدول المجاورة كان ذلك نتيجة لما افتقدوه من طمأنينة وأمن في ديارهم وقراهم وفلواتهم القصية, وعندما يسمعون تكرار الحديث عن بسط الأمن وهيبة الدولة وغيرها من أكليشهات جاهزة ومحنطة ترددها الأبواق الإعلامية للسلطة يكاد يصيبهم الغثيان , وتلجمهم الدهشة وتتولد في دواخلهم الغبائن من هول ما يسمعون ومخالفته للواقع الذي فيه يعيشون .

 الشعور بالخيبة ظلّ يلازم ملايين السودانيين حتى عندما نزحوا للعاصمة هربا من ويلات ما يقاسون هناك من فظائع , تهزّهم يوميا وقائع جسام كأنهم (مديونون للعذاب) كما في مقطع غنائي للراحل  العذب محمود عبدالعزيز , لم يشعروا بالطمأنينة وكثير من ممارسات السلطة طابعها التعسّف والتشدد ضدهم , الفرز السياسي والإجتماعي  يقوم على أسس  تغلفها شبات عنصرية , التهم الباطلة تطارد الناشطين /ات خاصة من أبناء وبنات الجهات الموبؤة بالحروب الأهلية , طلبة تلك الأقاليم يعانون الأمرين كما يحدث للطلبة الجامعيين  من إقليم دارفورمثلا , فهل كلّ ذلك محض صدف سيئة  أم هو منهج متعمّد ؟

  الكذب بشأن الوقائع والأحداث وتغليف بل وتغيير الحقائق هو السمة الأبرز لنظام البطش والإستبداد المهيمن , ويتردد في الذهن دوما صدى العبارات القوية التي أطلقها في وجه وزير الإعلام الطبيب أحمد بلال عثمان الناطق الرسمي باسم الحكومة , الزميل الصحفي بهرام مصطفى ( لماذا تتعمدون الكذب في وقائع حدثت  أمام الناس ؟) مما سارت به الركبان , وهو وصف مطابق تماما لكثير من التجارب التي عاشها السودانيون أفرادا أو جماعات , وقد ترتّب على تلك المعايشة شعور شبه تام وسط جميع المواطنين بفقدان المصداقية في كل ما يصدر عن السلطة وأجهزتها حتى نشرة الأحوال الجوية في التلفزيون بات الناس يتوقعون عكس ما تبثه من توقعات ! وعلى ذلك قس بقية الوقائع والبيانات التي تصدر عن السلطة حولها ,وحتى ما يشاع عن محاربة الفساد والفاسدين مما تتداوله وسائط الإعلام يزيد الهلع , فمن حق الناس أن  تحتوشهم الشكوك حول كل المسؤولين على مختلف وظائفهم ودرجاتهم  لم يعد أحد من الناس بقادر على افتراض النزاهة في مسؤول جراء ما ينشر يوميا عن تحقيقات أمنية طالت قيادات ومسؤولين كبار. أمنيين وبرلمانيين وسياسيين واقتصاديين , هذه الحالة _مع الأسف_ هي السائدة الآن , وفقدان الثقة والمصداقية في السلطة وأجهزتها انسحب كذلك على كثير من الوسائط والأوجه الأخرى في المجتمع حتى تلك المناوئة للسلطة , فحديث المعارضة يُنظر إليه باستخفاف وقلة اكتراث لشعور سائد بفقدان المصداقية قرّ في أذهان الكثيرين جراء استهلاك السلطة لكل مخزون الثقة لدى الشعب واهداره بسيول التضليل والأكاذيب , وكذلك الحال مع وسائط التواصل والإعلام المختلفة , ونتيجة لحالات الإختراقات الأمنية  الكثيفة وبث الأكاذيب المتعمدة لضرب الثقة لاحقا فيما ينشر فيها , صار عامة الناس لا يأبهون كثيرا لما تنشره هذه الوسائط أو على الأقل يقابلونه بتحفظ , وهذا ضرب من ممارسات الديكتاتورية ووسائلها في تمديد أحل بقائها على دست الحكم . ففي الأنظمة الديمقراطية  قد يفقد الناس الثقة  في السلطة السياسية التنفيذية أو التشريعية الحاكمة في الأمد المحدد مسبقا بسنوات معلومة , فيما تتوفر الثقة على الدوام في أجهزة الحكم الأخرى سواء الأمنية أو الشرطية أو العدلية أو القضائية أو الإعلامية , ويعتبر ما يصدر عنها بمثابة الحقائق التي لا يتطرق إليها الشك بينما في الأنظمة الديكتاتورية المستبدة تختلط الأجهزة وتتطابق ممارساتها مع ممارسات السلطة التنفيذية والتشريعية فيسود انعدام الثقة فيها كلها , وتحوم الشكوك حول ما يصدر عنها ولو كان حكما قضائيا في قضية  (نفقة ) , أمّا الأجهزة الأمنية والشرطية فحدّث ولا حرج , هناك تنمو الشكوك المعقولة حول مصداقية ما يصدر عنها وهذه مسألة في غاية الخطورة على مستقبل البلاد ومكمن الخطر الداهم بل المصدر الأساسي لفقدان الطمأنينة  , ولأنّ النظام الديمقراطي يقوم أساسا على مبادئ الشفافية والمحاسبة والحريات فإنّ ذلك يصعب على الأجهزة ممارسة التضليل والكذب , أمّا في أنظمة الإستبداد التي تغيب فيها مثل تلك المفردات تماما فإنّ البيئة المناسبة لضد  تلك المبادئ  هي التي تتوفر . بهذا المنطق يمكن قراءة بعض الأحداث المروعة التي وقعت في الخرطوم مؤخرا مثل حادثة مقتل الشاب سامر , وحادثة فيديو اغتصاب سيّدة في الشارع , وغيرها من حوادث كثيرة لفّ بعضها الغموض وما يزال , إنّ أسوأ أنواع الإغتصاب هو اغتصاب الحقيقة وما يترتب عليه من اغتصاب الطمأنينة  وهذا مما تبرع فيه الأنظمة الديكتاتورية بدرجة امتياز.  ولبدء مسيرة حياة جديدة للشعب والوطن لابد من التغيير الشامل, تغيير يشمل القيم والمفاهيم ,بغير ذلك سنظل نفقد الطمأنية والأمن وإن زعم الديكتاتور غير ذلك .