د.الشفيع خضر

عندما يقول ترامب «إن الهجرة أضرت بأوروبا وغيرت ثقافتها وزادت من خطر الإرهاب»، فإنه يتناسى مساهمة الحضارة العربية الإسلامية، الكبيرة والمعروفة حتى لتلاميذ الثانويات، في إعادة بعث النهضة الأوروبية بعد ظلام العصور الوسطى. وهو ربما غابت عنه حقيقة أن الدين الاسلامي أتى بنقلة حضارية رفعت راية التعايش السلمي بين القبائل تمهيدا لتوحيدها في شعوب وأمم.
أما سقوط مشروع النهضة العربية والإفريقية، وتخلف بلداننا عن اللحاق بركب الحضارة والتقدم، فلم يكن بأي حال نتيجة للسمات الخاصة بالإرث الثقافي، أو المكون البيئي والجغرافي، أو التركيبة الجينية الوراثية لشعوب بلداننا. بل كان بسبب سيف أنظمة الاستبداد والطغيان التي حكمت هذه البلدان، والذي طال صناع النهضة الحقيقيين من مفكرين وعلماء ومثقفين ورجال دين مستنيرين، لتمتلئ مساحاتهم الشاغرة بالتيارات الماضوية، وبأنصاف المثقفين الذين سيطروا على وسائل الإعلام وأدوات التوجيه التعليمي والثقافي والتربوي، ففرضوا نموذجا معرفيا بائسا يقوم على التلقين دونا عن التفكير الناقد، ويتحمس للتجهيل ومعاداة العلم، مهيئا حاضنة نموذجية لتفريخ التطرف ضيق الأفق حد الإرهاب. فلنسترجع فقط ما قاله أحد قادة نظام الإنقاذ في السودان للعالم السوداني المرموق البروفسير فاروق محمد إبراهيم، وهو تحت التعذيب، « نحن نعذبك لأنك تدرس نظرية دارون (التطور وأصل الانواع) لطلاب الجامعة!!». وإذا كان قمع الفكر والبحث العلمي يمثل أحد أوجه سياسات أنظمة الاستبداد، فإن خلق البيئة الطاردة للعقول والأدمغة يمثل الوجه الآخر. ومن الطبيعي أن ننظر إلى هجرة الأدمغة وسيطرة الدجل والشعوذة والخرافة ومظاهر التخلف الأخرى، كمقاصد أساسية للإستبداد السياسي، كونه يخشى على سطوته من العلماء والمفكرين، ومن الإقتدار المعرفي عموما.
أما تعثر مشروع بناء ونهضة «الأمة» السودانية، فيرتبط بالأزمة العامة التي طبعت كل أوجه الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية في بلادنا بميسمها، والممتدة جذورها إلى فجر الاستقلال، عندما لم تتم الإجابة على أسئلة تأسيس دولة ما بعد الإستقلال، أو تمت الإجابة عليها بصورة قاصرة وخاطئة، من قبل القوي، المدنية والعسكرية، التي تعاقبت علي الحكم منذ الإستقلال. لكن، الذين يحكمون البلاد منذ يونيو 1989، فقد أوصلوا الأزمة إلى مداها الأقصى، بدءا بالتطابق والتماهي ما بين الحزب الحاكم والدولة، جاعلين من الإسلام غطاء ايديولوجياً للاستعلاء الديني والعرقي لتصعيد الحرب الأهلية حد تمزيق الوطن، ولتمكين المجموعات الطفيلية من نهب موارد البلاد على حساب قوت الشعب ومعيشته، وانتهاء بما تشهده بلادنا اليوم من مأزق مأساوي حقيقي، تتمثل بعض مظاهره في سيادة الإستبداد والطغيان وانتهاك حقوق الإنسان بدرجة لم تشهدها بلادنا من قبل، وفي تشرذم وتفتت البلاد، وليس تكاملها وتوحدها، بدءا بإنفصال جنوب السودان، ثم إستدامة الحرب الأهلية المدمرة للإنسان والطبيعة، كرد فعل عنيف لسياسات التهميش وهضم الحقوق وقمع التطلعات القومية في بلد أوضح ما فيه التعدد والتنوع، مما يتطلب الإلتزام الصارم بمبدأ الإقتسام العادل للسلطة والثروة، والإعتراف بثقافة الآخر ومكوناته الروحية. الحرب الأهلية في السودان، أزهقت، ولا تزال، أرواح الآلاف من شباب البلاد، وجعلت آلافا آخرين في عداد المعوقين. وهي، والقمع والإستبداد، دفعوا الآلاف لمغادرة الوطن بحثا عن الملاذ الآمن لأسرهم، وعن المستقبل لأطفالهم، في كندا واستراليا وهولندا وبريطانيا ونيوزيلندا والولايات المتحدة….، وجلّ هؤلاء، هم من الكوادر الوطنية الشريفة، المتعلمة والمؤهلة، والذين كانوا يخدمون بكل إخلاص وتفان مشروع بناء ونهضة السودان. واليوم، بعد ما يقرب من الثلاثين عاما من حكم نظام الإنقاذ في السودان، فإن الحصيلة هي واقع مأساوي يعانيه السودان حاليا، ويعكس شكلا جديدا من الاستلاب والاغتراب، ليس تجاه الدولة أو مؤسساتها فحسب، وإنما تجاه الكيان السوداني ذاته. واقع نشهد فيه إعاقة نمو واتساع القوى الحديثة في المجتمع، القوى التي يفترض أن تبني المستقبل، ونشهد فيه ترييف المدينة التي خبا بريقها كمركز إشعاع ثقافي وسياسي، ونشهد فيه إنهاك مؤسسات المجتمع المدني، ثم فقدان الثقة في هذه المؤسسات وفي الأحزاب، وتراجع المواطن إلى رحاب القبيلة والعشيرة بحثا عن الأمن والأمان والحماية، وما يحمل ذلك في طياته من إمكانيات تصدع الدولة، لا نهضتها وإعادة بعثها كأمة.
السودان اليوم، في أمس الحاجة إلى مشروع وطني يحمي وحدة البلاد ويرتق نسيجها الإجتماعي الممزق، ويصون كرامة الفرد، ويوفر له المأكل والمأوى والأمن والعلاج، وكل خدمات التمتع بالحياة وبالمواطنة تحت سقف السلام والأمان والديمقراطية. مشروع يعمل على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية الحداثية، في إطار التداول السلمي للسلطة وتسييد حكم القانون ومفاهيم المجتمع المدني، وتحييد المؤسسة العسكرية سياسيا، وتأكيد قوميتها فعلا لا قولا فقط. والمشروع الوطني، لن يتأتى إلا بتوفر ثلاثية الإرادة والرؤية والأداة. فالإرادة هي الدينمو المحرك والقوة الدافعة، والتي تشكل الخيط الرابط بين المكونات المختلفة للحراك السياسي والإجتماعي، وهي الترياق الفعال ضد سموم الفشل والإحباط والخيبات الفردية، يتحصن بها الناشطون ويستشعرون أهمية وجودهم وحيوية دورهم في معركة التغيير. والرؤية، يخرج منها المشروع الوطني، متبلورا من خلال الفعل الجماعي الواعي، وكنتاج للنقاشات الواسعة والعميقة لكل التفاصيل، في القواعد وليس وسط النخب فقط، دون قطع مع التراث ودون إرتهان له. وهي تبشّر بأن البديل ليس أسماء ولا طبقات ولا قبائل ولا بيوتات جديدة ولا إستجابة لأجندة خارجية، وإنما برنامج عنوانه ديمقراطية تعددية مرتبطة بتوفير لقمة العيش للمواطن، ديمقراطية تُجترح وفق خصائص الواقع السوداني، تأتي بحكام منتخبين من قبل الشعب، بلا تزوير ولا شراء ذمم، ليكونوا فوانيس في طريق البناء، وليس سيوفا مسلطة على رقاب الناس. أما الأداة، فهي تجسيد تلك الإرادة وتلك الرؤية في الملموس الفعّال، في الكتلة الواسعة، التي تتجاوب مع نبض الشارع، وتتجه صوب كل قطاعات المجتمع السوداني، في كل بقاع الوطن، وفي بلاد المهجر والغربة.