التغيير:الخرطوم

استدعت السلطات الأمنية اليوم الأربعاء أشرف عبد العزيز رئيس تحرير صحيفة الجريدة , وهنادي الصديق الكاتبة الراتبة بالصحيفة ورئيسة تحرير صحيفة اخبار الوطن  بسبب مقالات تنتقد الحكومة وتحقيق حول فساد بالخدمة المدنية.  

وتعود أسباب استدعاء رئيس تحرير صحيفة الجريدة الى تحقيق  مدعوم  بالمستندات  تم نشره اليوم الاربعاء  بالصحيفة حول فساد في مفوضية الاختيار   للخدمة المدنية.

وكشف التحقيق عن تعيين راسبين في معاينات لشغل وظائف الدرجة التاسعة بمعتمدية اللاجئين  على حساب آخرين نجحوا في المعاينات فضلا  عن وجود اسماء لم تجلس للامتحانات وتم قبولهم فيما استبعد الناجحون.

كما حققت الاجهزة الامنية مع الصحفية هنادي الصديق , وطالبتها بالتوقف عن انتقاد الحكومة  وعدم التطرف كما أمرت بايقاف الصحفية سلمى التجاني الكاتبة بصحيفة اخبار الوطن  من الكتابة بسبب كتاباتها عن الجنائية.

ويأتي الاستدعاء بعد ساعات من مصادرة جهازة الامن لصحيفة الجريدة ليومين متتالين .

وتعاني الصحف السودانية من مضايقات مستمرة من الاجهزة الامنية متمثلة في مصادرة الصحف بعد الطبع وإيقاف الكتاب عن الكتابة  وحظر النشر في مواضيع متعددة على رأسها المحكمة الجنائية الدولية  وفساد أسرة البشير وانتهاكات جهاز الأمن.

وتصنف منظمة “مراسلون بلا حدود السودان ضمن أسوأ عشر دول من حيث الحريات الصحفية.

 

أدناه مقال سلمى التجاني

الجنائية .. الفيل الذي بداخل الغرفة

سلمى التجاني

(1)

أثارت رحلات الرئيس عمر البشير الأخيرة لروسيا ويوغندا وجيبوتي، العديد من ردود الأفعال المحلية والعالمية ، الرافضة لتحركاته حول العالم ، رغم مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بمثوله أمامها في تهمٍ تتعلق بالحرب بدارفور ، ما أعاد الحديث القديم الجديد عن جدية المجتمع الدولي ومؤسساته المتمثلة في مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية في محاكمة البشير أمام الجنائية.
قبل حوالي شهر ، جلست جوانا رونيكا رئيسة لجنة عقوبات دارفور بمجلس الأمن ، أمام أعضاء المجلس ، ولمدة ثمانية دقائق ، قدمت خلالها ملامح من تقرير لجنتها ، والذي حمل في مجمله نتائج زيارتها للسودان في ابريل الماضي . أكدت رونيكا تحسن الاوضاع الامنية بدارفور بشكل ملحوظ ، بالمقارنة لما كانت عليه لحظة فرض العقوبات في العام 2014 ، لذلك ، توصلت في تقريرها إلى أن لدى مجلس الأمن ما يدعوه لمراجعة هذه العقوبات ، وأن على المجلس التفكير في وضع معايير موجهة نحو الحل ، لإنهاء العقوبات في نهاية المطاف ،والتي ( قد تكون بمثابة أداة للتغيير الإيجابي في السودان ) . اللغة الديبلوماسية المفخمة التي كتبت بها رونيكا التقرير تعني ببساطة ، أن الأوضاع قد تحسنت بشكل لافت بدارفور ، وأن رفع العقوبات قد يساعد كثيراً في التغيير بالسودان ، كيف ؟ الله أعلم ، فالعقوبات كانت هي حظر أسلحة وتجميد أرصدة وسفر مسئولين ذوي علاقة بالحرب في دارفور ، ومراجعتها تعني أن الوضع هناك عاد لطبيعته قبل الحرب ، وأن الأمن والإستقرار والسلام تحف الإقليم . وفوق ذلك تعني أن السلاح الذي استخدم في الحرب بات الآن في ايدٍ رشيدة ، لذا لا بأس من فك الحظر عنه ، وهي أخيراً تعني أن الجاني أو الجناة ، في تلك الحرب ، ربما بدأوا يشقون طريقهم للإفلات من العقاب .
(2)
نهج رفع العقوبات المتعلقة بحرب دارفور بالتقسيط هو منحىً جديد بدأته الإدارة الأمريكية ؛ إذ عدلت وزارة الخزانة الإمريكية ، في نهاية يونيو الماضي ، لائحتها حتى يتمكن السودان من الإستفادة من بعض المعاملات ، التي حرمه منها وجوده في لائحة الدول الراعية للإرهاب ، فبدا وكأن الخطوة جاءت لإرضاء النظام ، في ذات الوقت الذي لا تغضِب مناوئه ، فيظل اسمه في القائمة دون أن يتضرر عملياً من وجوده هناك ، مع الوضع في الإعتبار أن النظام السوداني ، قد لا يأبه كثيراً بالأضرار المعنوية التى ترتبت على وجوده في القائمة ، فقد ظل فيها منذ العام 1993 م .
بعد ستة أيام ، وربما في نفس المقعد ، جلست فاتو بنسودا المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية ، لتقدم لمجلس الأمن ، تقريرها السابع والعشرين عن الوضع بدارفور . احتجت بنسودا على عدم اتخاذ المجلس لإجراء ملموس تجاه قضية مطلوبي العدالة في حرب دارفور ، ودعته إلى دعم اعتقال المشتبه بهم ونقلهم للمحكمة . لم يتبق لبنسودا إلا أن تسأل مجلس الأمن عن جوهرية أهدافه عندما إحالة الوضع بالإقليم لمحكمة الجنايات الدولية قبل ثلاثة عشرة سنة ، وعن جديتهم في ملاحقة المطلوبين . كأنها أرادت أن تقول لهم ( جعلتم المحكمة الجنائية مثل أسود عقلة التي تأكل العجول أذيالها ) . وقصة أسود عقلة أوردها الحسن الوزان في كتابه وصف أفريقيا ، والذي أخذ عنه الكاتب والروائي أمين معلوف روايته ليون الأفريقي . يقول معلوف أن أسود المناطق الباردة على جهات المغرب العربي ، كانت تولي الأدبار إن ركض خلفها طفل يصيح ، وتأكل بين المنازل ما يلقى لها من طعام ، فاطلق عليها أهل فاس المثل كنايةً عن عدم قدرتها على إلحاق الأذى بأحد . ربما على بنسودا الإحتفاظ بمسودة تقريرها للمجلس ، لتغير في تاريخها فقط ، وتقدمها بذات المفردات والعتاب ، في المرة القادمة.
لذلك ، ويالمسكنتها ، لم تجد بنسودا ما تدفع به عما تُتهم به المحكمة من تقاعسٍ عن اداء دورها ، الا جملة : ( دعونا نأمل في الا تصيب الحسابات الباردة في السياسة الدولية الاداء السليم لهذه المؤسسة ) ، جاء ذلك خلال كلمتها في احتفال المحكمة بالذكرى العشرين للتصديق على نظامها الأساسي .
في الحقيقة ، انها تعلم أكثر من غيرها ، بحكم منصبها ، تدخلات السياسة الدولية ، عبر الدول الكبرى، في سير عمل المحكمة ، وفي قدرتها على تحقيق ما أنشئت لأجله ، ولعل قضية مطلوبي حرب دارفور تصلح أنموذجاً حياً ، كما سيرد تالياً .
(3)
عندما يتأسف الإتحاد الأوروبي لعدم تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية أثناء زيارتيه الأخيرتين لجيبوتي ويوغندا ، ثم يمضي في تذكير الدولتين بإلتزاماتهما القانونية ، يفعل ذلك وقد خرجت من خزانته أكثر من 215 مليون يورو دعماً لنظام الرئيس البشير ، مقابل خدماته في التصدي لما اسموه الإتجار بالبشر ، وتهريب الأشخاص في المنطقة ، ضمن عملية الخرطوم . يصف الدكتور أمجد فريد هذه العملية في مقالٍ له بانها ( استخدام للأدوات القمعية للأنظمة الأفريقية ، لصالح تحقيق المصالح الأوروبية ) . فالإتحاد الأوروبي يحتاج لنظام البشير لينوب عنه في القيام بالمهام القذرة ، التي يعتقد أنها لا تشبه قيم الرجل الأبيض ، لذلك لا يرى أنه يفعل ما يخل بإلتزاماته القانونية تجاه تحقيق العدالة في العالم ، إن هو دعم واستعان ، بلا مانعٍ أخلاقي ، بنظامٍ رئيسه مطلوب بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب .
أمريكا سبقت أوروبا على هذا الطريق ، وإن اختلفت المداخل ؛ ففي ديسمبر من العام 2013م ظهرت دراسة لمعهد السلام الأمريكي ، عن الحل السياسي في السودان ، تُعرف أيضاً بأسم ( وثيقة ناعمة لهبوط البشير ) ، أعدها كلٌ من السفير برنستون ليمان المبعوث الخاص الأسبق للرئيس الأمريكي في السودان ، وجون تيمين ، مدير برنامج السودان بمعهد السلام الأمريكي . كانت الجنائية ، الفيل الذي بداخل الغرفة ( The Elephant in the room ) ، كما وصفتها الورقة ، إحدى القضايا البالغة الأهمية التي تم تناولها ، و يُقصد بهذا التعبير ، المشكلة الكبرى التي تثير الجدل ،لكن يتم تجنب مناقشتها رغم وضوحها .
رأى ليمان وتيمين ضرورة مخاطبة مخاوف النظام حتى يدخل في حوار حقيقي وجاد ، ومخاطبة ( الفيل الذي بداخل الغرفة ) لكي يتمكن السودان من تطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي بشكل نهائي ، وفي ذلك يرى معدا الورقة أنه ( إذا أنتجت عملية الحوار والإصلاح حكومة ديموقراطية ذات قاعدة عريضة فانها ستكون في وضعٍ يسمح لها بالتفاوض مع المحكمة الجنائية لمحاكمة المتهمين داخل السودان ، أو عبر عملية مشتركة مع المحكمة نفسها ….. بإمكان مجلس الأمن الدولي النظر في إحالة مؤقتة للإدانات على أساس المادة 16 مننظام روما الأساسي ) .
(4)
طرحت هذه الورقة ، ولأول مرة ، منذ أن أصدرت الدائرة التمهيدية بالمحكمة الجنائية الدولية ، مذكرة توقيف بحق البشير ، بناء على إتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، في الرابع من مارس 2009م ، أُضيفت إليها في العام التالي تهمة الابادة الجماعية ، طرحت حلولاً ما كانت لتحلم بها الحكومة السودانية ، فقد وقر في عقول الكثيرين في العالم الثالث أن القوانين التي يضعها البيض لتساعدهم على حكم العالم ، تشبه نصوص الكتب السماوية ، لا تتعدل ولا تتبدل ، ولا يمكن الإلتفاف حولها . لكن ورقة معهد السلام الأمريكي ، رسمت طريقاً للنظام السوداني يوضح له كيف يصحو من كابوس الجنائية ، وقدمت عرضاً سخياً بإمكانية إرجاء مجلس الأمن للتحقيق والمقاضاة في التهم الموجهة للبشير ، وذلك بموجب المادة 16 من نظام روما الاساسي ، بل حتى تغيير مكان المحاكمة وطبيعة المحكمة لتصبح المحكمة الجنائية مجرد شريك .
بعد كل هذه المقترحات ، رفض النظام تأجيل انتخابات 2015 الذي اقترحته الورقة ، ومضى في عقد مؤتمر الحوار الوطني دون مشاركة حقيقية من القوى المعارضة الفاعلة ،ما يوضح ان البشير يريد أكثر من كل ذلك ، ربما البراءة ، كما حدث مؤخراً مع نائب رئيس الكونغو الديموقراطية السابق ، وقد تكون البراءة والإعتذار ، على أن يظل على رأس النظام في ظل أي تسوية مقترحة لأزمة الحكم بالسودان .
طريقة طرح الحلول في ورقة معهد السلام الأمريكي ، تظهر الجنائية كعقبة كؤود ، أكثر من كونها أداةً لتحقيق العدالة وانتصار للضحايا في العالم ، وتؤكد للنظام السوداني وغيره من الأنظمة المشابهة ، بأن الحل دائماً بيد الأمريكان ، وأنهم يعقدون العقدة ثم يشرعون في حلها متى ما أرادوا .
وعلى الرغم من الجنائية للبشير أصبحت بوصلة إتخاذ القرارات الكبرى بالسودان ، بشكلٍ جلي ، إلا أن العالم تجاوزها فعلياً ، بعد أن حقق منها ما أراد ، وأكثر ، إذ يصعب أن نتصور حجم التنازلات التي قد يقدمها رئيس فار من العدالة . فالإتحاد الأوروبي حصل ضمن ما حصل ، على خفير للشواطئ وشرطي يعد رمال الصحراء الكبرى ، وحققت أمريكا ما لا نعلم تفاصيله في ملف الإرهاب ، بينما نالت السعودية والأمارات فرصة تلقِّي خدمات إرتزاق بأسعارٍ مخفضة ، في حرب اليمن . غير أن البشير قد حصل على تسع سنواتٍ إضافية في الحكم ، ويرغب في المزيد ، فقد إشترى سلامته ولا يزال .