خالد فضل

 بنظرة موضوعية يمكن اعتبار أنّ ما تسمى بحقبة الإنقاذ في السودان قد انتهت , بعد أن صار من العسير جدا الإمساك بشئ من ملامح الدولة السودانية التي تسيطر عليها الإنقاذ , في الحقيقة  لم تعد هناك أي ملامح للدولة سوى تلك العربات المصفحة المدججة بالجند المسلحين , يتصايح بعضهم عندما يمرموكبهم بالمواطنين ؛ربما لزوم تأكيد هيبة الدولة ذلك المصطلح الفضفاض الذي لا يحمل أي مضمون بالنسبة لعامة الناس , أو عندما يمر موكب الرئيس أو من يطلق عليهم لقب مسؤولين كبار في الدولة تسبق سياراتهم الجامحة موتوسيكلات الشرطة وأبواق سيارات النجدة فيما يسمى التشريفة ,الناس يكرهون الدولة الإنقاذية وجحافل المحليات تطاردهم أينما كانوا وحيثما سعوا للرزق فلم ترتبط الدولة عندهم إلاّ بالجباية والغلظة في جمعها مرتبطا مباشرة بالسؤال المنطقي وأين تذهب هذه الإيرادات الضخمة ؟ إذ يعرف كل فرد أنّ الجبايات والرسوم والضرائب وغيرها  من الإيرادات التي تتحصلها الحكومات في أي مكان في العالم لائق بالبشر عض النظر عن ترتيبه أول أو ثالث عدو أوصديق هذه الموارد تنفقها الحكومات على شعوبها وبلدانها إلاّ عندنا هنا في السودان وأشباهه من البلدان الموبؤة بالإستبداد وصنف السلطات الفاسدة المفسدة للحياة , لا يثق أي مواطن في ذهاب هذه الموارد للمصلحة العامة , وأنّى له بالثقة والمجالس والأسافير تتداول القصص المذهلة عن هذا وذاك من أساطين السلطة وربائبها وبناة أعمدتها , وحتى قمة جبل الجليد مما يتاح نشره في صحف الخرطوم من وقائع الفساد يغطي فئات المتسلطين والوزراء والأمنيين والطفيليين فهذا مدير الأقطان وذاك الأوقاف وآخر في المالية ورابع في الجهاز وخامس في البرلمان وعاشر في الأكشاك  والإمدادات وتاسع وتسعون في قطاع الناشئين والتعدين .. إلخ , والحرب على الفساد لا تجذب المتابعين؛ بإعتبارها تصفية حسابات بين المتمكنين أنفسهم وداخل كارهم الآسن .

  المواطنون في السودان لا يفرحون بهطول مطرة , إذ يعني ذلك بالنسبة_ للمتكدسين __ وليس القاطنين في الخرطوم  على سبيل المثال ما يلي :  تراكم المياه في كل شبر من الأرض وتكدس النفايات بعد أن تجرفها المياه من مكان عال نسبيا إلى آخر منخفض , ثمّ توالد البعوض والذباب وهوام الأرض , وتفشي الأمراض والأوبئة , وذلك يعني معاودة مستشفى ومراجعة طبيب وهنا ينفلق دماغ أجعص مواطن , كيف يدبر رسوم المقابلات والفحوصات والعلاج والصيدليات والدواء هذا بند عافاك الله من ويلاته , هذه المطرة لا تُفرح إنسان الخرطوم , فالمواصلات عدم والرغيف شحاح وصفوف الوقود لا ترحم على امتداد الطلمبات والغاز رحلة ألغاز !والناس في ضنكهم هذا يشيرون مباشرة إلى سلطة الإنقاذ بإعتبارها السؤولة عما يحيط بهم من نكبات وويلات , سقطت القيمة الرمزية والمعنوية للإنقاذ في أذان عامة الشعب لذلك لم يعد لها نصير في أوساط غالبية المواطنين , فخلف كل معاناة يعانيها المواطن ثمة أخطاء ارتكبتها السلطة ومع كل زفرة وجع تصدر عن الصدور المكلومة أبحث عن دور للإنقاذ .

  هذه مؤشرات مهمة تؤكد زعمنا بسقوط الإنقاذ الفعلي وبقائها كعبء على الشعب والوطن , فما أبأس من تخانة الجلد و(الثقالة ) عديل كدة , خاصة عندما ترتبط هذه الثقالة بالمصالح الذاتية والأنانية وحب النفس . هذه الصفات هي التي تجعل من لا يزال  يؤيد الإنقاذ  يؤيدها , ليس هناك سبب موضوعي واحد يجعل إنسانا سودانيا يعيش تحت وطأة هذه السلطة الغاشمة يبرر أو يؤيد أو يتعاطف مع صنف الفساد والإستبداد السائد .

  أما مآسي الذين مخروا البحار صوب مظان الحياة الكريمة , هولاء الشباب والشابات وحتى الأطفال , نُحتت في ذاكرة كل واحد منهم صورة الفجيعة , يذكرون الرفاق الذين ابتلعهم الموج فتحشرج الغصة في حلوقهم , وهم كذلك يعرفون أنّ سبب موجدتهم الإنقاذ , ما أجبرهم على الهرب هي سياسات وبرامج الإذلال الإنقاذية , هولاء يشكلون رصيدا مهما للمستقبل الذي يعقب الأفول التام لسطوة الإنقاذ , وهذه إحدى ممؤشرات مستقبل ما بعد الإنقاذ , ومن المؤشرات التي لا يمكن الإستهانة أبدا بقيمتها , فخيرة العناصر الوطنية الكفؤة تلوذ الآن بالمهاجر ولكنهم حتما آيبون للوطن , فهم لم يفارقوه طوعا في الغالب إنما اضطروا اضطرارا , وبما اكتسبوه من معارف ووعي سيضيفون للوطن الكثير .

 لا أشعر باليأس أبدا حيال المستقبل , بل العكس اشعر أنّ تجربة الإنقاذ غير المسبوقة في الفشل والفساد قد انبتت الوعي ولو عن طريق الصدمة , والمستقبل لا يكون إلا بالوعي , تلك التميمة التي لحسن الحظ لا تستطيع أي سلطة كبح جماحها , فالكون صار فسيحا بما فيه الكفاية , وإذا كانت الاتهامات تكال الآن للناشطة ويني عمر,  تهم في حجم التخابر وتقويض النظام الدستوري وغيرها من المسميات فارغة المضمون, فمن المفرح أنّ جيل ويني قد امتلك مفاتيح الكون الفسيح , ومثل تلك التهم البائسة لا تشكل لهم شيئا ذا بال اللهم إلا على سبيل السخرية , وهذه من مؤشرات المستقبل كذلك , أن يتسع الأفق إلى هذا الحد .المستقبل آت لا ريب في ذلك , ومحاولات لجم تيار التغيير مثل محاولات الامساك بالماء المندفع بالأصابع فهيهات هيهات !