تحقيق: التغيير

“إن القتل ممنوع وجميع القتلة يُعاقبون إلا لو قتلوا أعداداً كبيرة بعد نفخ الأبواق”. فولتير

 

ما عدا رواية لأميمة عبدالله بعنوان “ذاكرة مشلولة” (عام ٢٠٠٥)، لم تحظ أحداث معسكر “العيلفون”، وضحاياها الذين تُقدر أعدادهم بـ١٤٠، بالتغطية المناسبة لأنهم من الفئات المهمشة في الشعب السوداني ممن أجبروا على المشاركة في الحرب الدائرة في الجنوب حينها.

حتى رواية أميمة المكتوبة استناداً إلى شهادات سمعتها، كما قالت لـ”التغيير”، واجهت منع السلطات. حُظرت الرواية المطبوعة في القاهرة من دخول السودان. وقد بذلنا جهداً كبيراً قبل أن نجدها عند أحد باعة الكتب القديمة (فريشة) في سوق أم درمان العتيق، لأن كاتبتها لا تملك منها أي نسخة، ودار النشر التي طبعتها أغلقت أبوابها.

“التغيير الإلكترونية” تُعيد فتح ملف المجزرة لمطابقة روايات شهود.

معسكر على شاطئ النيل

كان المعسكر يقع في أطراف مدينة العيلفون التي تبعد حوالى 40 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة، ويطل على النيل الأزرق الذي يحده من ناحية الشرق. في زيارة فريق التحقيق للمنطقة، وجدنا أن أرض المعسكر أضحت تتبع لسلاح المهندسين في الجيش، وقد شُيّد مستشفى عسكري عليه.

وفقاً لبكري الصايغ، الكاتب السوداني المقيم في ألمانيا، والذي يداوم الكتابة سنوياً في ذكرى أحداث المجزرة، فإن المعسكر اُقيم لتدريب الشباب المجندين قسراً بهدف تأهيلهم للقتال قبل إرسالهم إلى مناطق العمليات العسكرية في جنوب السودان وشرقه آنذاك. كان المجندون يتعرضون داخل هذا المعسكر وسواه، إلى “أسوأ أنواع القهر والإذلال”، وجرت العادة المتبعة في المعسكر أن يتعرض من يحاول الهرب إلى عقوبات شديدة، بحسب المصدر ذاته. ولم يُنقل المجندون المرضى إلى المستشفى، وكل من عاني من حالة مرضية تستوجب الرعاية الطبية، كان يُتهم بتدبير حيلة للهرب من المعسكر.

 

“خبأناهم في مخازن ذُرة الحمام”

 

أحد شهود أحداث المعسكر قبل ٢٠ عاماً، ومن الشهود القلائل عليها، يقول لـ”التغيير الإلكترونية” إن “العيلفون، وعلى الرغم من تاريخها العريق، ارتبطت في أذهان الناس بأحداث المعسكر”. يذكر هذا الشاهد المجزرة بتفاصيلها كأنها وقعت بالأمس. “في ذلك اليوم، قبل عيد الأضحى بثلاثة أو أربعة أيام، صحونا على صوت طرق شديد على الباب، وعلى أصوات رصاص من مسافة ليست بالبعيدة. خرجنا وكل أهل الحي في تلك الليلة الحالكة الظلام. وبعدها ظهر طلاب يجرون باتجاه المنازل ويحاولون الإستغاثة بأصحابها لإخفائهم من بطش عساكر المعسكر”.

أظهر سكان المنطقة، وفقاً لهذا الشاهد، رأفة بالضحايا، إذ “فُتحت الأبواب وأُخفي الشباب في مخازن الذرة والحمامات والمطابخ حتى لا يُكشف أمرهم”. ولم يمر وقت طويل حتى ظهر عناصر الجيش المرابطين في المعسكر لملاحقة الفارين. “كانوا يدقون الباب ويصرخون بأعلى أصواتهم وهم يصيحون: هل لديكم مجند هارب هنا؟ لم يُسلّم أهل المنطقة أحداً، بل على العكس خبأوهم بالأيام والليالي، واحتشد جزء من الشباب لتهريب البقية عبر عربات الخضر والفاكهة التي تخرج من العيلفون فجراً في إتجاه الخرطوم أو شرق النيل. كانوا يُوصلونهم إلى ترعة في محاذاة الجانب الآخر وهناك يستلمهم شباب يجيدون العوم يقطعون بهم النهر إلى الجانب الآخر حيث يصبحون في أمان من مطاردة العسكر”.

هذا بشأن من نجا فكيف بمن لم ينجُ؟

يواصل محدثنا وهو من أعيان المنطقة روايته: “جروا ناحية النيل ..والعساكر خلفهم وعندما وصلوا لم يجدوا بداً من القفز الى الأمام فلا مجال للرجوع بعد ذلك. النهر امتلأ بأحذية الباتا (التي كانوا يصرفونها لهم في المعسكر). كانت مُكدسة في أكوام”. الحكومة قالت إن أهل منطقة  العيلفون شجعوا الناس على الهروب. “نعم آوينا الفارين، وأطعمناهم وسقيناهم وصرفناهم أيضاً، لأنهم جاؤوا يستغيثوا بنا. دخلوا البيوت هرباً من المعسكر وأخفيناهم من عساكر الجيش الذين لاحقوهم. كان معنا طلاب أدخلناهم المخازن وعندما جاءت قوات من الجيش تبحث عنهم أنكرنا وجودهم. استضفنا حتى الأسر التي اتت تبحث عن أبناءها من سنار وبورتسودان ودارفور وكل أنحاء السودان”.

حينها، نصب أهل العيلفون خيمة للعزاء وللبحث عن المفقودين حتى أن هناك دفتراً حصلوا عليه بأسماء المشاركين، ونفى المسؤولون في المعسكر معرفتهم بمصائر الطلاب وقالوا أنهم هربوا من المعسكر ولا يعرفون عنهم شيئاً.

 

تضارب رواية استخدام الرصاص

هذا الشاهد نفى الرواية الشائعة عن استخدام الرصاص الحي ضد الفارين. وقال إن المُجنّدين طالبوا بإجازة عيد الأضحى، لكن إدارة المعسكر رفضت، فتجمعوا في ليلة العيد أمام السور وكسروه وهربوا، لكن أحداً منهم لم يصب بطلق ناري.   كان معظم المجنّدين من الشباب صغار السن، ولا معرفة لهم بالمنطقة، لذا اتجهوا صوب النيل الأزرق كونه المنفذ الوحيد. كانت قوات الجيش تطاردهم لتقبض عليهم وتعيدهم إلى المعسكر لكنهم لم يستجيبوا. واصلوا الجري حتى وصلوا قبالة النيل التي تبعد حوالى كيلومترين من المعسكر. وعندما وصلوا إلى النيل والجيش يطاردهم، قفز بعضهم في النيل فيما استقلت مجموعة كبيرة منهم مركباً لكنه غرق بهم في منتصف النهر. وفي صبيحة العيد، كانت الجثث تطفو فوق سطح النهر.

 

رواية بكري الصايغ

 

في المقابل، يُقدم الصايغ وآخرون رواية مغايرة. قبل قدوم عيد الأضحي المبارك في أبريل عام ١٩٩٨، طلب المجندون من إدارة المعسكر السماح لهم بعطلة الثلاثة أيام خلال مناسبة عيد الأضحى، التي تعتبر عطلة رسمية في كل مرافق الدولة، بما في ذلك عطلة عند ضباط وجنود القوات النظامية. إلا أن إدارة المعسكر رفضت طلب المجندين، وهددتهم بإطلاق النار إذا حاولوا عصيان الأوامر بالبقاء في المعسكر خلال أيام العيد. بدأ الشباب المجندون في التجمع سرآ في طرف المعسكر المقابل للنيل في محاولة منهم للفرار. عندها، شعر الضابط المسؤول بمحاولات الهرب، فأصدر تعليماته بإطلاق الرصاص الحي.

 

جمعت السلطات الأمنية سـرآ الجثث من المعسكر، وتلك التي طفت على مياه النهر، ثم دفنتها في مقابر الصحافة وفاروق والبكري واُم بدة، تحت إشراف وزير الداخلية ومدير شرطة العاصمة بالإنابة وعدد من قيادات النظام. قُدر عدد الجثث التي دفنت بشكل جماعي ١١٧ جثة، فيما سُلّمت ١٢ جثة إلى ذوي القتلى.

 

رواية أحد الناجين من القاهرة

الصحفي فيصل محمد صالح الذي كان مديراً لتحرير صحيفة الخرطوم، ومقر صدورها القاهرة، روى لـ”التغيير” قصة ناج من المعسكر إلتقى به: “نقلنا في جريدة الخرطوم حينها خبر المجزرة حسب التفاصيل المحدودة التي وصلتنا في القاهرة. كان مصدرنا روايات من الخرطوم وبيانات المعارضة التي أصدرتها متزامنة مع الحادثة. بعد أيام، زارني شخص في الجريدة وقال لي إن هناك ناجياً وصل القاهرة وحالته النفسية سيئة. وأحضر لي الشاب واسمه ابراهيم، وفعلاً كانت حالته النفسية سيئة ومضطربة، وكان يتكلم بصعوبة بالغة وبدأ في سرد قصته قائلاً إنه يعمل حلاق متجول ويعول أسرته المكونة من أخته وشقيقه العسكري الذي أُصيب بمرض نفسي أثناء حرب الجنوب … وهو يدرس في مدارس كمبوني بالمساء. وجاءت كشة خدمة إلزامية. كان يعمل تحت ظل شجرة ببحري، ولم يقتنعوا ببطاقة كمبوني واقتادوه للمعسكر. المجموعة كلها لم يكن فيها طلاب مدارس، بل كانوا حلاقين وباعة متجولين وكماسرى وصبية ورنيش. وكان ابراهيم قرر مغادرة السودان قبل الحادثة والذهاب إلى مصر وفعلاً أخذ تأشيرة إليها، وأعطى قريبه ثمن التذكرة ليقطعها لكنه قبض عليه قبل استلامها. أخذوا حوالى أسبوعين في المعسكر وبدأوا تدريبهم على استخدام السلاح. وكان معهم مجند أخبره قريبه الذي يعمل بالمعسكر بأنهم سيرحلون للقتال في الجنوب بعد تدريبهم على السلاح. وانتشر الخبر في المعسكر وحصلت حالة رفض عام. ومنذ النهار، اتفق الجميع على الهرب مساء ذات اليوم. كما اتفقوا على قلع السلك الشائك. تفاجأ العساكر داخل المعسكر بالتصرف الذي لم يكن في حسبانهم. بمجرد أن بدأوا باقتلاع السلك، بدأ العساكر بضرب الرصاص هناك من اصيب بطلقة ووقع أرضاً. اقتلعوا السلك الشائك وأصيبوا اصابات متفاوتة، (“رأيت الندوب على ظهره من آثار السلك”، يقول فيصل في شهادته).

جرى المجندون في اتجاه النيل، وبدأت مطاردتهم والرصاص لم يتوقف من حصدهم. يقول الناجي: “كنت أعلم بأني لو التفت إلى الخلف سأتأخر لذلك جريت حتى وصلت إلى النهر (النيل الأزرق) حيث وجدنا عدداً قليلاً من المراكب، ربما أثنين أو ثلاثة منها، كانت تمتلىء بأكثر من حمولتها ثم تغرق في منتصف النيل. ركبت في المركب وغرقت ولأني أعرف العوم واصلت حتى (القيف)؛ كنا ثلاثة أو أربعة. كل منا جرى باتجاه. لم أعرف إلى أين ذهبت، ولكن حسب كلام الناس كنت قريباً من سوبا جنوب غربي الخرطوم. دخلت وجريت ويبدو أن أهل المنطقة سمعوا بالأحداث لأني قابلت رجلاً قرب بيته، وسألته عن المنطقة فسألني إن كنت من المعسكر؟ وطلب مني المبيت معه لأن الوقت متأخر، ولن أجد مواصلات وأحضر لي عنقريب وطعاماً. وفي الصباح، أعطاني جلباباً ومبلغاً بسيطاً من المال واعتذر عن عدم امتلاكه أكثر من ذلك. فكرت بأن أذهب إلى خالي في السوق الشعبي حيث لديه كشك … وعندما رآني سألني أين ذهبت نحن نبحث عنك وأمك قلقة جداً. لم تكن لديه فكرة عن أنهم أخذوني (في الكشة) … طلب مني عدم العودة للبيت وذهب وأحضر لي أوراقي الثبوتية للسفر للقاهرة”.

 

من المسؤول؟

لم تُفصح السلطات في الخرطوم كعادتها في مثل هذه الجرائم عن ملابسات الحادث، ولا قامت السلطات المسؤولة عن تجنيد الشباب بتحديد هوية المجندين الضحايا في مذبحة (معسكر العيلفون). إلا أن المعلومات التي وردت حينها تدل على أن غالبية الضحايا كانوا ممن اقتيدوا قسراً من شوارع وطرقات العاصمة المثلثة وضواحيها في حملات تجنيد قسرية. ورغم أن السلطات الحاكمة لم تُعلن حتى هذه اللحظة أسماء الضحايا، ولم تسع إلى تقديم أي من المسؤولين عن المجزرة للمحاكمة، الإسم الأبرز المتداول في القضية هو قائد معسكر العيلفون كمال حسن علي. اتهمت الكثير من المواقع الالكترونية كمال حسن علي بإصدار الأوامر بإطلاق الرصاص على المجندين الفارين.

السيرة الذاتية لكمال حسن علي منذ المجزرة، تكشف عن صعود سريع في سُلّم المناصب. بعد أحداث العيلفون، أبعدت الحكومة كمال حسن علي إلى القاهرة حيث عُين مدير مكتب “حزب المؤتمر الوطني” الحاكم هناك (وهو منصب جُهّز خصيصآ له). بعد الانتقال بسنوات قليلة، عُين سفيراً للسودان في القاهرة، لكنه أبعد عنها بطلب من الحكومة المصرية. بمجرد وصوله إلى الخرطوم مطروداً من القاهرة، عُيّن سريعاً وزير دولة بوزارة الخارجية، ثم استُبعد عنها بطلب من الوزير السابق علي كرتي لخلافات بينهما. بعد ذلك، عينه البشير وزير دولة في وزارة التعاون الدولي. يشغل حالياً موقعاً في جامعة الدول العربية.

المتهم الرئيسي في المذبحة لا ينفك يحصد المكافأة تلو الأخرى في المناصب، فيما يرقد عشرات الضحايا في مقابر مجهولة الهوية.