تحقيق التغيير

عندما بلغ عبد الفتاح بسيارته “الحافلة” التي تعمل في نقل الركاب ماكينة صب الوقود بطلمبة بشائر. طالبه  العامل ب  “كرت ال وقود” ،حينها صرخ الرجل  مندهشا  : كرت وقود.!!!!!.. ده شنو كمان، ده جديد ده؟  عندها طلب منه العامل  الخروج من الصف ليفسح المجال للذي يليه، لأن تعليماتهم بأن لا يتزود أحد بالجاز إلا بعد إبراز  الكرت…

غضب السائق وهاج وماج رافضا الخروج خالي “تنك”، بعد أن وقف في الصف ثماني ساعات على حد قوله . هنا تدخل رجلان أحدهم يرتدي زي رسمي مرقط وفي يده هراوة وآخر في زي مدني ..قادوه إلى مكتب صغير ملحق بالطلمبة، بعد قليل خرج عبد الفتاح معفر الوجه والهندام  من آثار الضرب وأدار عربته ومضى منكسرا  يبحث عن الكرت .

مثل هذا المشهد بات  متكررا بدرجات متفاوته منذ أن قررجهاز الأمن والمخابرات والوطني  بولاية الخرطوم  استحداث كرت  تنظيم صرف المواد البترولية لحل مشكلة الوقود المتفاقمة ، وطبقه  والي الولاية عبد الرحيم محمد حسين مذعنا ومسرعا  . منذ الأسبوع الأول  من يوليو الماضي .

المواطن يتحمل تكاليف التجربة :

مسؤول في وزارة النفط طلب حجب اسمه قال أن  اسباب فكرة كرت الوقود هو  ”  تخوف وزارة النفط من الأشهر المقبلة في ما يتعلق بالوقود واحتياطه،  في ظل الارتفاع المطرد في سعر الدولار، وأضاف  بأن الوزارة فشلت في ضبط توزيع المواد البترولية، متهما الجهات المناط بها مراقبة توزيع واستهلاك الجازولين والبنزين بتواطء بعض افرادها في تهريب وتخزين هذه السلع . الأمر الذي دفعهم في وزارة النفط عبر لجنة مشتركة مع إدارة النقل والمواصلات في ولاية الخرطوم إلى التفكير في وسيلة تمكنهم من معالجة الفشل وتبنى  عبد الرحيم محمد حسين فكرة كرت الوقود  التي مررها الأمن بشدة وأمر بتنفيذها فورا دون تفكير، وخاصة بعد أن اتفق الجميع على أن يتحمل المواطن كافة تكاليف التجربة.

الحكومة تطبع والمواطن يدفع :

 كرت ورقي، به تذاكر تحدد حصة المركبة الاسبوعية  من الجاز الذي ستبدأ به التجربة قبل أن تعمم ، فحال كانت ملاكي تمنح (10) جالون في الإسبوع، بينما تحصل السيارات التجارية على (45) جالون في الإسبوع. وبحسب الناطق الرسمي لمشروع كرت الوقود في إدارة النقل والمواصلات بولاية الخرطوم    الذي صرح  لوسائل الإعلام ؛فإن قيمة الكرت للملاكي (68) جنيها، و(117) جنيها للسيارات التجارية وقال  ” هذه القيمة مقابل الكرت نفسه ولأننا سنجمع عبره ملعومات عن الاستهلاك الحقيقي للعربة” و بأنهم بعد شهرين سيتحولون إلى آخر  إلكتروني ذكي، لأن هذه المرحلة لجمع المعلومات، و تتم عبر  الورقي كما أنهم  سيحاولون  أ ن  تكون قيمته معقولة.  مما يعنى أن المواطن تحمل كلفة الكرت الأول وسيتحمل أيضا  قيمة الكرت الألكتروني الثاني.  ولكن من هي الجهة التي قامت بطباعة الكرت الورقي؟ وماهي قيمته الحقيقة ؟

شركة الأمن تربح (230) مليون  :

  كشف  لنا مصدر مطلع بولاية الخرطوم، بأن شركة تتبع لجهاز الأمن تولت أمر طباعة الكروت الورقية، وتسعى ذات الشركة الأمنية لطباعة الكروت الذكية بعد شهرين، حال استمر المشروع، وقال أن فاتورة الطباعة والتي صدقها والي الخرطوم عبد الرحيم محمد حسين فورا ب (230) ألف جنيه، و ما طبع يمثل دفعة أولى، وقد نفذت فعليا طباعة (100) ألف كرت، و الخرطوم وحدها تحتاج 2 مليون كرت على الاقل، وإذا عممت الفكرة على جميع ولايات السودان سيقفز الرقم إلى أكثر من (10) مليون كرت .

 توجهنا إلى خبير طباعة في وسط الخرطوم ، ومعنا نموذج من الكروت، و سألناه عن تكلفة طباعتها   فقال    ” تكلفته الحقيقية لاتتعدى خمس جنيهات بأي حال”.  وهذا يعني  أن الشركة الأمنية حصلت على أرباح طائلة من جيب المواطن في ظل ظروف اقتصادية معقدة وغلاء طاحن  بفضل سياسات حكومته .

خلل الفكرة و عبث تطبيقها…الأمن مرة أخرى:

أشار الناطق الرسمي باسم إدارة النقل والمواصلات هشام علي  في تصريحاته الإعلامية  إلى أن  مشروع الكروت، هدفه ضبط استهلاك الوقود في ولاية الخرطوم وفي الولايات مستقبلا،  بجانب تأسيس قاعدة بيانات تؤدي إلى ذات الغرض،  إلا أن  الذين تحدثوا للتغيير من وزارة النفط أكدوا أن أكثر من (95%) من شركات توزيع  المواد البترولية  مملوكة لجهاز الأمن والدولة ، من بينها شركة قادرة للبترول و بشائر ، وهما أكبر شركات التوزيع وتحصلان على الحصة الأكبر، بجانب الشركة الوطنية للبترول والتي تتبع لوزارة النفط ، و النيل الكبرى، وهذه هي  الشركات التي تعمل في توزيع الجازولين والبنزين في الخرطوم تحديدا، بمعنى أن المشروع اطلق من قبل الاجهزة الأمنية ووالي الخرطوم لمراقبة شركات جهاز الأمن العاملة في توزيع الوقود، أما التطبيق فجرى بطريقة وصفها أصحاب المركبات بالاستهتار وعدم مراعاة المواطن، الذي يدفع كل شيء من جيبه دون مقابل.

معاناة  الحصول على الكرت :

كشفت جولة لـ(التغيير) في مراكز الحصول على الكروت عن فوضى وربكة شديدة، واستياء وسخط وسط سائقي المركبات التجارية،  الذين  تكدسوا بالآلاف في الساحة الخضراء في الخرطوم ، وتمثلت  شكواهم بأن إدارة النقل والمواصلات خصصت موقعين فقط للعربات التجارية ” حافلات المواصلات وعربات النقل المختلفة والترخيص التجاري” ، موقعا في الساحة الخضراء وآخر في سباق الخيل، و في كل موقع نافذة واحدة مع موظف تحصيل واحد، وقال حسن عبيد سائق حافلة ” ثلاثة أيام وأحاول استخراج كرت للجازولين ولم أفلح” عبد الرحمن أحمد سائق حافلة قال ” صلينا الصبح أمام الشباك، وسجلنا في قائمة طويلة والآن الساعة الواحدة ظهرا، ولم ينده أحد، وقالوا أنهم يعملوا على قائمة أمس، أي علينا أن ننتظر اسبوع حتى نحصل على هذا الكرت ، والمحطات ترفض تزويدنا بالجازولين من دونه ومصالحنا معطلة”، في سباق الخيل كان الحال أكثر سوءا، والزحام والتكدس أكبر، واشتكى الريح النور من سوء التنظيم من قبل إدارة النقل والمواصلات وأنهم ليومين يسعون للحصول على كارت بعد أن تعطلت مصالحهم وانفقوا كل ما لديهم في الاكل والشرب،  وقال  أن الحصة الممنوحة للعربات التجارية لا تكفي للعمل وقال ” أنا صاحب عربة نصف نقل، أعمل في طريق الخرطوم الدمازين وتحتاج الرحلة إلى 400 لتر من الجازولين والحصة المخصصة لي في الاسبوع 135 لترا، كيف سأصل الدمازين ” أعدنا عليه السؤال كيف ستصل مع 135 لترا ؟قال لنا ( السوق الاسود ، مافي حل)

الشبكة طاشه…البطارية انتهت:

في أم درمان تكدس أصحاب المركبات في ممر بالطابق الثاني في عمارة تلاصق مكتب معتمد أم درمان مجدي عبد العزيز، الحال أسوأ في ظل تهوية سيئة ومكتب ضيق للتحصيل، بجانب الأيام والساعات الطويلة التي ينفقها المواطنون للحصول على كرت تجلت مشكلة أخرى، وهي مشتركة بين جميع المراكز حيث يتوقف العمل لساعات بحجة أن شبكة التحصيل الإلكتروني طاشه، أو أن بطارية جهاز التحصيل الالكتروني انتهت، وعلى المواطن أن ينتظر لساعات حتى تعود الشبكة أو يشحن الجهاز أو يذهب  هو ويعود في اليوم التالي .

فتح باب للمحسوبية والسوق الأسود :

أكد عدد من أصحاب المركبات وسائقي الحافلات، أن مراكز استخراج الكروت تشهد حالة من المحسوبية والرشوة، وقال مبارك الأمين سائق حافلة” ننتظر منذ ثلاثة أيام، بينما يخرج عساكر في زي شرطة وآخرين من جهاز الأمن يحملون عشرات الكروت ، وقال الزين بشير : أصحاب الوجاهة لايقفون معنا في الصفوف، ويمكنك أن تحصل على كرت بسرعة لو دفعت رشوة لعسكري أو أي عامل في مكتب اسنخراج الكرت” ميسرة أحمد وجدناه يحمل كرت قال ” دفعت 250 جنيها إضافة إلى 117 جنيها وهي قمية الكارت للحصول عليه وأنا موظف ولا زمن لدي لأقف في الصف في ظل هذه الظروف .

و  أكد عدد من السائقين أن السوق الأسود للجازولين انتعش منذ قرار الحصول عليه عبر الكروت، وقال محمد عوض ” سعر جركانة الجاز من الطلمبة 250 جنيها وتباع اليوم في الباقير ب450 جنيه.  وازدهرت تجارة السوق السوداء في سوق ام درمان وتباع اليوم ب 500 جنيه، وفي الجزيرة منطقة فداسي تباع ب 550 جنيه

 جاز السلطة  :

مصدرنا في وزارة النفط  استخف بالاجراءات التي تقوم بها الحكومة لمراقبة وضبط استهلاك الوقود قائلا  ” الجهات الأمنية هي أكبر مستهلك للجاز ؛الجيش ،جهاز الأمن ،الدعم السريع والشرطة تستهلك كميات كبيرة منه، ولا أحد يستطيع المطالبة بتخفيضها أو مراقبة طريقة استهلاكها”

حتى المخابز تعمل بالكرت  :

خلل الإجراء الأخير تجلى في مزيدا من  الصفوف والتكدس في نقاط الحصول على الكرت، صفوف في الطلمبات لانعدام الجازولين، صفوف في المخابز بسبب قطوعات الكهرباء و انعدام الجازولين – مع ملاحظة أن على المخابز الحصول على ذات الكرت- لتعمل وتتعرض لذات مشاكل التكدس وصعوبة الحصول عليه .

من المحرر

رفع المعاناة (على ) كاهل المواطن

على المواطن أن يدفع ثمن الفشل ويعاني تبعاته، بينما خزائن المحليات والولاية تضخمت بالايرادات، وازداد الفساد في طريقة صرف الجاز بدلا عن تنظيمها .وهاهي الحكومة التي لا تستطيع أن تحاسب وتحاكم منتسبيها على الفساد الذي أوصل البلاد والعباد إلى هذه المراحل من الأزمات والأختناقات . ترفع المعاناة (على كاهل ) المواطن مرة أخرى . بينما يتمرغ كل صاحب مسؤولية  في نعيم الإمتيازات والتجاوزات لنفسه وأسرته . فالقرارات التي أتخذت ..كان الغرض منها  فقط   زيادة غلب المواطن المغلوب على أمره .