معتصم أقرع

أحد الأخطاء المفهومية الشائعة في الحوار حول الاقتصاد السوداني يتعلق بلجوء حكومة الانقاذ إلى الذهب لتعويض 75 بالمئة من عائدات النفط التي فقدتها بانفصال الجنوب.

ومما يسر لسوء الفهم هذا حقيقة أن الحكومة، بعقليتها الريعية التي لا شفاء منها، تفاخرت بكرت الذهب وروّجت له الِى درجة انها صدقت بأن الذهب سيكون بديلاً مناسبًا للنفط. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل النفط والذهب متطابقين من ناحية التأثيرات الاقتصادية؟ الإجابة ذات شقين: نعم محدودة ثم لا مدوية.

لفهم الفرق، من المهم ملاحظة أن كل النفط في البلاد مملوك للحكومة. وبالتالي فإن الحكومة لديها السيطرة الكاملة على جميع الإيرادات من النفط بعد طرح الحصة المتعاقد عليها مع الشركات الأجنبية التي تقوم باستخراجه وتصديره. لكن هذا ليس هو الحال مع الذهب الذي يمتلكه الأفراد والشركات التي تقوم بتعدينه.

فيما يختص بالاجابة الإيجابية المحدودة، يشبه الذهب النفط في كون انه يمكن أن يكون تصديره مصدراً هاماً للغاية للعملة الصعبة التي من شأنها تمكين الاقتصاد من استيراد الأغذية الأساسية والأدوية والسلع الوسيطة والطاقة وكل الاشياء التي لا غنى عنها لتحريك العملية الانتاجية. ومع ذلك، هناك فرق حاسم بين الذهب والنفط: في الوقت الذي تمتلك فيه الحكومة النفط، يتم استخراج وامتلاك الذهب من قبل أفراد وشركات خاصة. في بعض الأحيان تقوم بعض هذه الجهات الخاصة بتهريب الذهب خارج البلاد بدلاً من تسليمه للحكومة كما هو مطلوب بموجب القانون. ترتفع حوافز تهريب الذهب عندما يكون السعر الذي تشتريه به الحكومة أقل بكثير من أسعار السوق العالمية أو عندما يرغبـ المهربون في اخراج والاحتفاظ بثروتهم خارج البلاد لأن ابقاء أموالهم داخل السودان يهدر قيمتها الحقيقية مع تضخم الاسعار المتفشي والمتسارع .وهذا يعني بأنه، يمكن أن يكون الذهب مصدرا هاما للعملة الصعبة وبذلك يخفف من ازمة تمويل الواردات وشحها، ولكن يتسرب جزء من هذا الذهب ويستخدم في تمويل هروب رأس المال كما يتسرب بهدف تجنب السعر المتدني الذي تدفعه الحكومة.

باختصار، للذهب دور يلعبه في تخفيف النقص في العملات الأجنبية وتمكين الاقتصاد من تمويل الواردات الأساسية ولكنه يظل مختلف نوعيا عن النفط.

من الناحية الاخرى لا بد من الإشارة إلى أن النفط ليس فقط مصدرا للنقد الأجنبي كما هو الحال مع الذهب، بل هو أيضا مصدر رئيسي لإيرادات الحكومة التي تملكه وتتمتع بكل إيراداته بعد دفع حصة الشركات الأجنبية التي تستخرجه وتصدره. وهذا يعني أن الذهب يغطي جزءاً من فجوة النقد الأجنبي التي خلفها فقدان النفط مع انفصال الجنوب ولكنه لا يساهم بنفس المستوى في تغطية الفجوة في الإيرادات الحكومية الناجمة عن فقدان النفط. مساهمة الذهب في رفع الايرادات الحكومية لا تتعدى الضرائب وبعض الرسوم التي لا يمكن مقارنة عائدها للميزانية بعائدات النفط.

ونتيجة لهذا الفرق الهام سعت الحكومة إلى سد فجوة الإيرادات الناتجة عن فقدان النفط عن طريق خلطة من الضرائب والرسوم الاضافية و طباعة كمية لا نهاية لها من النقود لتمويل أنشطتها وتمويل شراء الذهب من منقبي القطاع الخاص والافراد . في بعض التقديرات، قامت الحكومة بتمويل جميع مشترياتها من الذهب عن طريق طبع النقود في عملية شيطانية يقوم فيها معدنو الذهب بعملهم، وبسهولة تحسد عليها تقوم الحكومة بطبع النقود وشراء ذلك الذهب. هذا يعني أن الحكومة تحصل على الذهب في مقابل كسول بـتشغيل وردية اضافية في مطابع سك العملة. وهكذا من خلال طباعة الكاش والنمو السرطاني للكتلة النقدية، وضعت الحكومة الاقتصاد على مسار التضخم المفرط الجامح الشيء الذي فاقم من انهيار سعر صرف الجنيه ونتج عنه تثبيط الاستثمار وتشجيع هروب رؤوس الأموال. في المقابل عندما كانت الحكومة تملك إيرادات النفط الهائلة، لم تكن بحاجة إلى طباعة النقد لتمويل إنفاقها غير المسؤول، ولهذا السبب كان التضخم منخفضًا نسبياً وكان سعر صرف الجنيه السوداني مستقرًا نسبيًا.

 وقد ذهبنا في مقالات سابقة بان اسوأ جريمة اقتصادية ارتكبها النظام هي طباعة العملة بافراط، كما ابنا تفاصيل التدمير الاقتصادي الناتج عن النمو السرطاني للكتلة النقدية. وهذا يعني ببساطة ان الذهب لم يستطع انقاذ الاقتصاد من السرطان التي تضخه الحكومة في شراييين الاقتصاد من ماكينات سك العملة.

ملخص التحليل أعلاه هو ان الذهب لم يكن بديلا مكافيء للنفط في يوم من الايام لان اثاراهما على الايرادات الحكومية والميزانية العامة في غاية التباين. وأذا ما كان هناك عذر واضح اذا ما غاب هذا الفرق عن الكتاب والناشطين غير المتختصصين، فما هو عذر الحكومة في الخلط والاعتقاد بأن الذهب سوف يعوض عن فقدان البترول؟

elagraa@gmail.com