التغيير : بي بي سي 

تروي الموريتانية، هابي بنت رباح، قصتها مع العبودية التي دامت ثلاثين سنة، قائلة إنها كانت طفلة في الرابعة عندما أُخذت من أمها إلى منطقة “المذرذرة” وظلت هناك حتى يوم استعادتها حريتها

هابي دخلت السياسة ورشحت نفسها لخوض الانتخابات البرلمانية التي تجرى في بلدها في سبتمبر/ أيلول المقبل، وقد أجرت بي بي سي لقاءً معها لخصت فيه تجربتها المؤلمة.

قررت هابي أن تتكلم بصوت عال عن محنتها للفت النظر إلى وضع آلاف الموريتانيين الذين لا يزالون يئنون تحت نير العبودية.

بعد أن تحررت عام 2008 انضمت إلى حركة ” إيرا” الحقوقية والمناهضة للعبودية في موريتانيا، والتي كان لها الفضل في إنقاذها من “براثن ووحشية” المالك بحسب تعبيرها.

وتقول إنها تعلمت من خلال تجربتها أن تكون ” قوية، وذات إرادة صلبة” للمطالبة بالمساواة بين المواطنين ومحاربة العبودية في بلدها والعمل على ذلك جدياً من أجل “إقامة مجتمع حر

طفولة بائسة

تتحدث بنت رباح عن طفولتها وتقول: “عندما أخذني المالك من أمي، كان عمري أربع سنوات، كان لي شقيقان وأخت صغرى، وكان ذلك آخر يوم أرى فيه وجوههم إلى أن تم تحريري“.

كانت هابي تظن ببراءة طفلة، أن المالك الجديد أخذها لتكون مثل بناته، تلبس وتأكل وتفعل ما تشاء، ولم تدرك أنها أصبحت “أمة” في ذلك المنزل مدى الحياة، تعمل بلا أجر وأحياناً بلا طعام ولا رحمة.

لكنها أدركت لاحقاً أنها “مجرد عبدة” هناك وعليها إطاعة أوامر كل أفراد عائلة المالك دون اعتراض“.

وتقول:” لم أكن أعامل كإنسان، كنت آكل بقايا الطعام، وإن لم يبقَ منه شيء، كان علي النوم من دون طعام. أما نومي فكان مع الدواب والإبل أو في المطبخ أو أي مكان، لم يكن لي مكان ثابت أنام فيه“.

قامت بأعمال الكبار منذ نعومة أظافرها، وعندما كبرت قليلاً، كان عليها القيام بجميع الأعمال المنزلية والرعي وإطعام الدواب وأفراد المنزل.

لم يكن سهلاً عليها حمل الماء على ظهرها لأميال، كما لم يكن سهلا عليها تنظيف المنزل وتجهيز الطعام وخدمة المالك وزوجته وأبنائه، ومع كل ذلك، كانت تُضرب لأبسط الأسباب كما تقول.

اغتصاب

تقول هابي، لم تكن نساء العائلة يُظهرن من الرحمة أو الشفقة على حالها شيئا، “كانت تعامل تماماً كما الأنعام”. ولم يكن باستطاعتها الغياب لدقائق من أجل الصلاة، كان عليها أن تستأذن في “كل تصرف مهما كان حجمه“.

وتضيف:” لم يكن المالك يسمح لي بالصلاة، ودائما ما كان يردد بأن روحي وضيعة ولا تستحق الصلاة، وإنني هنا فقط للعمل“.

أما زوجة المالك، فلم تعترض قط على اغتصاب زوجها لهابي، بل كانت “لديهم قناعة بأن الإنجاب سيزيد من ثروتهم البشرية، أي مزيد من العبيد للعمل بدون أجر“.

أنجبت هابي طفلين من مالكها، مات صغيرها الذي كان معاقاً عندما كان في الخامسة من عمره، أما ابنها البالغ 11 سنة، فيعيش معها، وكانت قد حصلت عليه من المالك “الذي رفض تسليمه لها في البداية” إلى أن ساعدها الحقوقي بيرم ولد الداعبيدي زعيم حركة إيرا.

وبهذا الصدد تقول: “أنا فخورة جداً بابني، وسأعمل ما بوسعي ليصل إلى أعلى الدرجات“.

وحول محاولتها أو أي من أفراد أسرتها تقديم شكوى لدى الشرطة بحالة استعبادها، تقول:” لم تأخذ السلطات شكاوى العبيد على محمل الجد، كانوا يقفون إلى جانب المالك، بحجة أن العبيد من أفراد عائلة المالك“.

وتضيف: “كيف للشرطي أو القاضي أو أي من رجال السلطة إنصافنا إذا كانوا هم أنفسهم يملكون عبيداً وعلى الأرجح يعاملونهم نفس المعاملة السيئة؟“.

وشرحت عملية تحريرها من المالك، وإن كانوا قد دفعوا المال أم حررت بطرق أخرى، تقول:” كان أخي بلال هو الآخر عبداً، لكنه هرب من مالكه مستنجدا بنشطاء من حركة إيرا الحقوقية المعارضة للحكومة. فساعده ولد الداعبيدي كما ساعدني وساعد الكثيرين من قبل، والذي ما يزال يعمل على نشر أفكار التحرر من العبودية في عموم البلاد.

 

 الدفاع عن حقوق “الحراطين” الذين يعانون من العبودية في موريتانيا. وهي غير مرخصة وغير قانونية في البلاد.

أسسها الحقوقي بيرم ولد الداعبيدي عام 2008، بهدف القضاء على نظام الرق والعبودية الذي ما زال سائداً في موريتانيا إلى وقتنا الحالي. وكان الداعبيدي من الأرقاء السابقين قبل تحرره هو الآخر

وتركز الحركة على محاربة العبودية والتمييز العنصري من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين. وتتهم الحكومة الموريتانية بالتستر على ظاهرة الرق والاستعباد بعدم معاقبة مالكي العبيد الذين يمارسون العبودية.

والعبودية في موريتانيا ليست ظاهرة جديدة، إذ كانت منتشرة بشكل واسع بين جميع فئات المجتمع بشكل علني منذ استقلال البلاد في ستينيات القرن الماضي، سواء كانوا من الأقلية العربية الحاكمة حالياً، أو من الأفارقة. ورغم أن قانون الرق قد ألغي رسمياً عام 1982، إلا أن نشطاء حقوق الإنسان و”الحراطين” يؤكدون وجود الآلاف من حالات العبودية في عموم البلاد أمام صمت الحكومة، في حين تنفي الحكومة ذلك وتؤكد أنها تعمل كل جهدها للقضاء على هذه الظاهرة.

 

البيضان والحراطين

يحكم البيضان الصحراء الغربية في موريتانيا، وهي الأقلية العربية التي يطلق عليها اسم ” المور البيض” أي ( الموريتانيون البيض) الذين يسيطرون على اقتصاد البلاد والحكومة ومعظم مؤسسات الدولة.

و”المور السود” هم ( الموريتانيون السود) أو ما يطلق عليهم اسم “الحراطين” ( العبيد الحاليين والسابقين) يشكلون الغالبية من سكان البلاد من الفلاحين والفقراء الموريتانيين ذوي البشرة الداكنة

ويرى المور البيض، أن المور السود “ورثوا حالة العبودية، وأنه لأمر طبيعي أن يعاملوا تلك المعاملة”، علماً أنه تم تجريم العبودية رسمياً عام 2007.

لكن “السلطات لا تزال تجد لهذا الوضع أسماء بديلة للتهرب من المسؤولية والاستمرار في استعباد الحراطين كما تعتقد هابي.

معاقبة الضحية

الأمور هنا في موريتانيا على العكس تماماً، فإذا ذهبت إلى الشرطة لتقدم شكوى ضد حالة عبودية، أو خرجت في مسيرة مناهضة لها، فإن من سيُقتاد إلى السجن هو المستعبد وليس المالك، والتهمة الجاهزة هي الانقسامات العرقية والتمييز العنصري” تقول هابي بأسف.

وبخصوص ترشحها عن حركة إيرا غير المرخصة تقول: “لقد عقدنا شراكة مؤقتة مع حزب الصواب القانوني في البلاد، وأنا واثقة من فوزي لأنني صوت الأغلبية الفقيرة التي ما زالت مستعبدة منذ عقود طويلة، وسأعمل كل جهدي ولن أستسلم ما حييت من أجل القضاء على العبودية“.

وتتحدث هابي اللهجة “الحسانية” وهي أقرب لهجة إلى العربية الفصحى والتي يتحدث بها معظم السكان. وهي تستخدم إلى جانب اللغة العربية في البرلمان.

وعلى الرغم من أن اللغة الفرنسية هي السائدة كون أن البلاد كانت مستعمرة فرنسية، إلا أن اللغة الرسمية هي العربية. وهناك لهجات أخرى منتشرة في البلاد مثل الفولارية والأمازيغية والسوننكية واللوفية التي تتحدث بها أقليات أخرى في البلاد.