سلمى التجاني
لم تحمل تصريحات الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة، رئيس نداء السودان، عن المحكمة الجنائية الدولية، والتي وردت في لقائه مع فضائية روسيا اليوم، لم تحمل جديداً، فقد تبنى هذا الموقف منذ تسعة أعوام، عندما دعا في حوارٍ مع صحيفة الخليج الأماراتية لخيار المحكمة الهجين، متبنياً فيما بعد، الحل السياسي المتفق عليه والذي يمر عبر مجلس الأمن . و في الثاني والعشرين من مارس الماضي، بعد نهاية إجتماعات نداء السودان في باريس، تحدث المهدي في محاضرة بالمعهد الملكي للشئون الدولية بلندن، عن مطالبته لقادة الأمم المتحدة بتفعيل المادتين 16 و 18 من نظام روما الأساسي . تتعلق المادة الأولى بإرجاء التحقيق والمقاضاة، أما الثانية فتتحدث عن ضوابط تنازل المحكمة عن التحقيق لصالح دولةٍ ما، يقول بندها الخامس : ( للمدعي العام عند التنازل عن التحقيق وفقا للفقرة 2 أن يطلب إلى الدولة المعنية أن تبلغه بصفة دورية بالتقدم المحرز في التحقيق الذي تجريه وبأية مقاضاة تالية لذلك. وترد الدول الأطراف على تلك الطلبات دون تأخير لا موجب له ).
إذن موقف السيد الصادق المهدي يمثل رؤيته لحل الأزمة السودانية، وهو موقف ظل يعلنه قبل أن يصبح رئيساً لنداء السودان، فما هو الجديد الذي أغضب فصائل نداء السودان المسلحة الثلاث ودفعها لإصدار بيانات تؤكد مطالبتها بمحاكمة مجرمي حرب دارفور بالمحكمة الجنائية الدولية ؟ .
في الحقيقة فإن كل وثائق نداء السودان لم تأت على ذكر المحكمة الجنائية الدولية، بدءاً من إعلان باريس الذي كان نواة لهذا التحالف، والذي جرى توقيعه في سبتمبر 2014م بين حزب الأمة والجبهة الثورية قبل إنقسامها . ورد فيه الحديث عن تحقيق العدالة في البند الخامس من الإعلان ما نصه ( إتفق الطرفان على مبدأ عدم الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة والمحاسبة ورفع الظلم ورد الحقوق )، أهمل هذا البند الحديث عن آليات وكيفية تحقيق العدالة، برغم وجود قرارات المحكمة الجنائية الدولية التي تطالب بمثول الرئيس البشير أمامها لاتهاماتٍ تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتهم بالإبادة الجماعية بدارفور .
في وثيقة نداء السودان والتي تم التوقيع عليها بأديس أبابا في الرابع من ديسمبر 2014م، والممهورة بتوقيعات الجبهة الثورية، حزب الأمة، قوى الإجماع الوطني ومبادرة المجتمع المدني السوداني، ورد في البند الثاني ، الفقرة الثانية ما يلي : ( تحقيق العدالة والمحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الجسيمة، وجرائم الفساد، والجرائم المنهوبة، بما فيها تطبيق العدالة الإنتقالية )، وهنا دخلت مفردة العدالة الإنتقالية لأول مرة في وثائق نداء السودان، ليأتي الإعلان الدستوري لقوى نداء السودان الموقع في السابع عشر من مارس الماضي بباريس، ويتحدث بوضوح أكثر، في البند الثاني منه، عن كوديسا جنوب أفريقيا. وقد تأسس نموذج العدالة الإنتقالية بجنوب أفريقيا على قانون دعم الوحدة الوطنية والمصالحة في العام 1995م، ومن ثم إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة، فلا ملاحقة جنائية دولية ولا محاكم هجين، بل تسويات للوصول لمصالحة وطنية بين الضحايا وجلاديهم .وقد ظلت المآخذ على هذا النموذج تتمحور في أنه أتاح لكبار الجناة هناك الإفلات من العقاب .
إذن ما الذي فاجأ القوى المسلحة بنداء السودان في تصريحات المهدي ؟ ما الذي ضمنته وثائق النداء وخالفه المهدي ؟ عليها إن كانت لا زالت تتمسك فعلاً بالمحكمة الجنائية الدولية، كآلية لإنصاف ضحايا الحرب، فمن أوجب واجباتها مراجعة مواثيقها، وتضمين مطالباتها هذه بصورةٍ واضحة لا لبس ولا اجتهاد . نعم، نداء السودان تحالف جبهاهٍ تتفق على حد أدنى، لكن ما كان له أن يغفل عن قضية جوهرية كتحقيق العدالة وإنصاف ضحايا حرب دارفور، الذين يُعَدُّون بأكثر من مائتي ألف قتيل وملايين المشردين من لاجئين ونازحين .
من جانبٍ آخر، فان المطالبة بحق ضحايا حرب دارفور في العدالة، ليس شأناً خاصاً بحركات دارفور المسلحة ولا بأهل دارفور، ولكنه قضية تهم كل الداعين لدولة المواطنة القائمة على العدالة والمساواة، فلا مواطنة حقيقية وضحايا الحرب يعيشون في وطنٍ لم يقتص لهم أو يأبه لجراحاتهم
.
الجديد في هذه القضية، هو أن صوت الضحايا وذويهم أصبح عالياً، يرفض التنازل عن الحق في العدالة، ويضعه خطاً أحمر، لا يمكن تجاوزه، لا بالمساومة، أو الصمت العاجز، مؤكداً أن العزلة هي مصير من يتسامح مع حق أهلهم في عدالةٍ توازي الجرم الذي ارتكب في حقهم . وبغض النظر عن جدية المجتمع الدولي في مسألة السودان والمحكمة الجنائية، لكن أصوات الضحايا وذويهم تظل حاضرة، تطالب بالإنصاف، فتضع المجتمع الدولي أمام إختلال موازينه