لؤي قور

في سبعة ومائتي صفحة من القطع الصغير تقع رواية “حبوبة أيا”، للروائي “حافظ حسين”، والروية مهداة إلى “عوضية عجبنا”، و”نادية صابون”، وأخريات. وكانت عوضية عجبنا قد اغتيلت أمام منزلها بعد إطلاق النار عليها من قبل قوات نظامية، بينما لقيت “نادية صابون” حتفها إثر محاولتها الهروب بأوانيها التي تبيع بها الشاي من قوات نظامية كانت تلاحقها.

وتحكي الرواية عن “حبوبة أيا”، الجدة التي تجاوز عمرها المئة عام، وكان زوجها قد توفي في معركة “شيكان”، بعد أن طلقها ليشارك في الجهاد. فتزوجت بعده لتنجب عدد كبير من الأبناء لم يعش منهم إلا ثلاثة، تزوجوا بدورهم وأنجبوا أطفالاً كانت منهم “العز” التي تحولت إلى أنثى غاية في الجمال بعد أن بلغت مبلغ النساء، وكانت لـ”حبوبة أيا” علاقة مربكة مع حفيدتها “العز” عمة “خضر” الطفل، وهو الشخصية الرئيسية في الرواية. كانت “حبوبة أيا” تدافع عن “العز” في غيبتها وتقسو عليها في حضرتها إلى أن جاء ذلك اليوم الذي بدأ فيه الناس يتهامسون عن سلوك العز وتحررها الزائد من قيود المجتمع فتم حبسها لتدافع عنها الجدة وتأمر بعدم مضايقتها قبل أن تموت “العز” لسبب مجهول رده البعض لغضب ألم بها مما اقترفت من خطايا وتبكيها “حبوبة أيا ” بأغزر الدموع.

(أضحى همس القرية عن “العز” هتافاً، وعاقبها أبي وعمي “المُر” بالربط، الجلد، وحلق شعرها. دخلت “حبوبة أيا” في إضراب عن الطعام استمر لثلاثة أيام بلياليها، وداومت على الجلوس تحت الشمس منذ لحظة شروقها إلى الغروب، مما حدا بأبي وعمي الركوع على قدميها، والتعهد بعدم التعرض لـ”العز” مهما اقترفت من ذنوب).

ولسبب مجهول يفقد “خضر” الطفل النطق، بعد أن كان يتحدث بطلاقة وبطريقة عادية. نتيجة ما عاناه من ضغوط نفسية أسهم فيها الواقع الذي كان يعايشه في قريته، وأذاه كثيراً عدم وجود تحديد معين للإثنية التي ينحدر منها أهله، إذ لا يجد حين يسأل في هذا الخصوص إجابة شافية لتتزايد حيرته، ويفقد النطق في نهاية المطاف.

(وصلت في وقت فيه الشمس استسلمت، وأخذت تلفظ آخر أشعتها مرتديا رداءا بيجياً وفانيلة سوداء، وحذاءاً مغلقاً من كل الاتجاهات يسمى “كموش”، هذا الحذاء ورغم ما جلبه لي من متاعب، لكنه كان حاسماً في كثير من معاركي التي وجب خوضها وحدي، فكان له مقدمة حادة كمنقار الطائر. أول مرة استخدمته كان في معركتي مع “محي الدين” حين عيرني قائلاً:”يا أبكم”)

 وتصور الرواية العلاقات بين مختلف الإثنيات في منطقة واحدة، وما يدور بينهم من تفاعلات تحكمها التراتبيات الإثنية، وتصدر فيها أحكاماً لا تتغير بفعل الزمن، ولا ينال منها حتى مجافاتها للحقيقة أو المنطق، أو تقادمها بمرور الزمن وتغير الأحوال، فهي قيم ثابتة في كون متحرك. الشئ الذي أثر كثيراً على “خضر” الطفل، خاصة بعد أن فقد النطق لتتزايد وحدته ويتزايد ألمه، وسمع عبارات مسيئة تقلل من شأنه وشأن عشيرته من والدة أحد زملائه في المدرسة يتعلق بعضها بإثنيته غير المحددة بشكل دقيق، وبأقاويل حول قيام عشيرته بعد موتهم. فصار يفكر مراراً في ما تفوهت به المرأة من عبارات عنصرية بدا أنها تثق في وجاهتها بدرجة كبيرة، الشئ الذي أربك الطفل وأدخله في دوامة من الحيرة والخذلان.

(كما هو متفق عليه ضمنياً في نهاية العام الدراسي تمت زفة التلميذ الذي تذيل قائمة فصلنا إلى مسكنه، فبكى التلميذ وانفعلت أمه أكثر بمعرفة ما أبكاه، لكنها تركت الجميع وانبرت لي وحدي – باعتباري من أحرز المرتبة الأولى – بكل السباب الممكن والمتاح. سكنت الدنيا أجمع ولا صوت يعلو فوق صوت المرأة المرغية المزبدة. مزقت النتيجة سبب الأذى الجسيم والشتيمة، مطلقا العنان لدموعي كي تمارس ترفها في الجريان. تبعني كل أبناء بلدتنا في صمت، مجرجرين أذيال الخيبة المشتركة).

وتذخر الرواية بالأساطير المحلية خاصة التي تتعلق بالغيبيات المستحيلة وقيام الموتى من إثنيات معينة من قبورهم بعد فترة من دفنهم، وهو ما جعل الناس يعتقدون ببعث “العز” بعد وفاتها بعد أن رأوا “حبوبة أيا” في شكلها الجديد، بعد أن عاد إليها شبابها في خضم معجزة معقدة، جعلتها شديدة الشبه بحفيدتها “العز” المثيرة للجدل في حياتها وموتها.

(بدون أي حرج تعرت “حبوبة أيا” أمامي، ارتدت فستان “العز” الرمادي، المجترح بخطوط طولية تركوازية اللون، مخفية وشماً بخطين مقطوعين بآخرين. وشماً خالداً في ذاكرتها السرية، وعندما انحنت رأيت “الوحمة” اليودية اللون، التي كانت على ساق العز تماماً عند الركبة، وبعطر “العز” النفاذ زخت مرتين تحت إبطها. أمسكتني من يدي، وإلى المجهول سرنا متفادين الطرق التي يأتي ويروح منها الفلاحون)