د. فيصل عوض حسن

تَنَاوَلْتُ في مقالي السابق (اَلْاِلْتِقَاْءُ اَلْإِثْيُوْبْيُّ اَلْإِرِيْتْرِيْ: قِرَاْءَةٌ مُغَاْيِرَة)، الاتِّفاق المُفاجئ بين إثيوبيا وإريتريا، وذكرتُ بأنَّ السُّودان هو (الضحيَّة) الأوَّل/الأكبر، لتَحَالُفات هاتين الدَّولتين المدعومة من بعض الدول الكُبرى وأزلامها، كالإمارات والسعوديَّة ومصر، الذين وجَّهوا ضرباتهم الغادرة والمُتلاحقة لبلادنا، مُستغلِّين فساد البشير وعصابته وذاكرتنا المثقوبة وعدم استيعابنا لدروس الماضي، حتَّى أضحت سيادتنا/استقلالنا الوطني على شفا التلاشي.

فلو قَرأنا التاريخ بتدبُّر، سنُدرك تماماً حجم الأطماع الإثيوبيَّة في جيرانها عموماً، والسُّودان بنحوٍ خاص، وسعيها المُـتواصل لإشباع تلك الأطماع متى وجدت الفرصة. ففي الوقت الذي أعلنوا فيه التَنَازُل عن بادمي لإريتريا، ما يزالون في (بني شنقول) يقمعون الأهل وينهبون الخيرات، رغم رفضهم المُتكرر لاتِّفاقيَّة 1902 التي مَنحتهم إدارة هذا الإقليم. ويتلكَّأ الإثيوبيُّون في ترسيم حدودهم معنا، ليبتلعوا المزيد من أراضينا، حتَّى بلغوا الدندر وأقاموا فيها (قُرَىً) كاملة، وفقاً لصحيفة اليوم التالي 2 يناير 2018، على لسان مُمثِّل الدندر المُستقيل من البرلمان. ولقد نَبَّهتُ كثيراً لهذه الأطماع، ومن ذلك مقالة (اَلْخُذْلَاْنْ)، حينما أعلن رئيس وُزرائهم السابق (ديسالين) عن إقامة ميناء دَّاخل السُّودان، فتَسَاءَلتُ وقتها عن (كيفيَّة) حصولهم على أرض الميناء، وحقوقهم والتزاماتهم تجاه السُّودان وأهله، وذكرتُ بأنَّ إثيوبيا ستلتهم جميع المناطق التي تربطها بذلك الميناء، وأنَّنا موعودون باحتلالاتٍ إضافيَّةٍ، وهذا ما يجري تنفيذه الآن بالضبط.

فإثيوبيا تَعَنَّتت في تنفيذ اتِّفاقيَّة الجزائر (الأُمَميَّة) منذ 2000، وبلا مُقدِّماتٍ وافقت على إرجاع  بادمي لإريتريا وترسيم حدودها معها، وما كان لإثيوبيا تقديم هذه التَنازُلات (المُفاجئة)، لولا سعيها لالتهام المزيد من أراضي السُّودان المُسطَّحة، لمُواجهة الأعداد المُتزايدة للسُكَّان، ومحدوديَّة أراضيها الزراعيَّة والرَعَوِيَّة! وحتَّى يتسنَّى لها التهام ما تحتاجه من أراضينا، سَارَعَت لـ(استرضاء) الإريتريين بتلك التنازُلات (المُفاجِئة)، لأنَّهم سيعترضون على تَوسُّعات إثيوبيا الاستعماريَّة، ليس حُباً في السُّودان ولكن حرصاً عن مصالحهم وأمنهم. ورُبَّما وُعِدَت إريتريا (الجَبَلِيَّة) ببعض أراضينا أيضاً، خاصَّةً عقب الحديث (المُفاجئ) عمَّا يُسمَّى (سَدَّ القاش)، الذي ليس له مُبرِّرٌ حالياً، لتعثُّر اقتصادنا وارتفاع ديوننا الخارجيَّة من جهة، وتَنَاقُصْ كميات المياه واستمرار تَنَاقُصها مُستقبلاً، لقيام سد النهضة وغيره من السدود التي تُخطط إثيوبيا لإقامتها من جهةٍ ثانية، بخلاف أنَّ البشير وعصابته دَمَّروا (عَمداً)، جميع مشروعاتنا الزراعيَّة الناجحة، مما يزيد الرِّيبة بشأن هذا السَد المزعوم مهما ساقوا من مُبرِّرات، ويُؤكِّد أنَّ ثَمَّة ما يُحَاك ضد السُّودان بتواطُؤ من المُتأسلمين.

ومِصْرُ لا تقلُّ طَمَعاً/خطراً عن إثيوبيا، ومن السذاجةِ الاحتماءُ بإحداهنَّ لمُواجهة شرور الثانية، حيث بدأت باحتلال حلايب سنة 1995، وتَوَغَّلت في العُمُوديات النوبيَّة الواقعة شمال وادي حلفا، حتَّى أصبحت أرقينُ ميناءً بَرِّياً لمصر، بعدما كانت حدودنا معها في قسطل! ثُمَّ واصل المصريُّون تَوَغُّلَاتهم بشمال دارفور، والبشير وإعلامه لا يُشيرون لذلك من قريبٍ أو بعيد، وكأنَّها تحدث في دولةٍ أُخرى غير السُّودان! ولقد كتبتُ كثيراً عن هذه التَوَغُّلات، وأوضحتُ بأنَّها لا تنحصر في حلايب، على نحو مقالتي (اَلْبَشِيْرُ وَتَعْمِيْقِ اَلْاِحْتِلَاْلِ اَلْمِصْرِيّ لِلْسُّوْدَاْنْ)، عقب تأكيدات البشير (شخصياً)، بامتلاكه لأدِلَّةٍ قاطعةٍ عن دعم مصر لحركة مناوي، وحينها قلتُ بأنَّ تنسيقاً تمَّ بينه والمصريين لإخلاء أقصى الشمال من السُّودانيين، ودعموا ذلك ببعض الإلهاءات، كالمُدرَّعات التي اِدَّعوا اغتنامها، وصور (مليشيات) الدعم السريع في الصحراء، بفِرْيَة مُحاربة الإرهاب وتجارة/تهريب البشر، بينما الهدف مُساعدة مصر في التهام احتياطي مياهنا الجوفيَّة، وإقامة مشروعاتها الرَّاغبة فيها هناك بارتياح، وللأسف انطلت (الخِدْعَة) على السُّودانيين و(تَنَاسُوها) كالعادة!

وبالنسبة للإمارات والسعوديَّة، فإنَّ جميع أفعالهما تُهدِّد سيادتنا بصورةٍ لا تُخطئها البصيرة، فهما تُساهمان في تمويل سد النهضة، وتُحَرِّضان على قيام سدود الشمال، وتَكَفَّلتا (فعلياً/عملياً) بتنمية/تمصير مُثلَّث حلايب، رغم أنَّ السعوديَّة التي كانت (وسيطاً) لحل النزاع القائم بشأن المُثلَّث! والدَّولتان أغرقتانا في ديونٍ (مشبوهة)، وهم يعلمون تماماً أنَّ قروضهم لن تخرج من بلادهم أصلاً، لأنَّ البشير وعصابته يُحيلوها لأرصدةٍ واستثماراتٍ شخصيَّةٍ بذات الدَّولتين، مُقابل أراضينا ومشروعاتنا باسم الاستثمار الذي لم نستفد منه، وشَكَّلَ عبئاً ونهباً فاضحاً لمُقدَّراتنا، وعَمَّقَ ديوننا بملايين الدولارات! وليتهم اكتفوا بذلك، وإنَّما استنزفوا أراضينا بالمحاصيل المُهلِكَة للتُربة، وجَلَبُوا الأمراض/الآفات النباتيَّة الضارَّة، واختتموها بتشويه سُمعتنا بإقحامهم اسم بلادنا في جرائمهم باليمن!

في المُحصِّلة، يُمكن القول بأنَّ الأطماع الذاتيَّة للمذكورين أعلاه، امْتَزَجَتْ بتوجيهات سادتهم الكِبَار، لكنَّهم جميعاً (دَّاخل وخارج السُّودان)، عبارة عن (دُمِي/أدوات) لا يملكون من أمرهم شيئاً، رغم مُحاوُلاتهم التضليليَّة على نحو مُحاربة الإسلام السياسي، أو الاستحواذ على الموانئ، أو ما استبقاء البشير واستبداله بـ(دُمْيَةٍ) أُخرى، وغيرها من الأكاذيب. فالمُتأسلمون وأجسادهم الأخطبوطيَّة/الطُفيليَّة جميعها صَنِيعة غربيَّة بحتة، يُؤدُّون أدواراً مُحدَّدة، وأمَّا الموانئ فلا تستطيع أياً من هذه الدول أو غيرها، الاستحواذ عليها وتعميرها دون مُوافقة إسرائيل وأمريكا. وأمَّا سدُّ النهضة، فإنَّ إثيوبيا ليست مُؤهَّلة أصلاً لإقامته وحدها، سواء اقتصادياً أو سياسياً أو فنِّياً، وكل ما تمَّ بشأن السَد توجيهات مُتَّفقٌ عليها وأوامر واجبة النفاذ! وحتَّى لو ادَّعى الإثيوبيُّون قدرتهم على إقامته، فهم بحاجة لأراضٍ مُسطَّحةٍ شاسعة لتعظيم الاستفادة منه! وأمَّا استبدال البشير بآخر، فهذا (زَعْمٌ) مردود لأنَّ البشير هو أفضل خيار للعالم الخارجي الطَّامع في السُّودان، ويُنفِّذ ما يُؤمَر به دون نقاشٍ أو تردُّد، وحتَّى لو اعتزموا استبداله فسيأتون بـ(دُمْيَةٍ) أُخرى مثله. والواقع أنَّ الحديث الذي رَشَح في هذا الموضوع، غرضه (إلهاء) السُّودانيين عن اقتلاعه هو وعصابته، بعدما استشعر العالم أجمع، خاصةً أمريكا، ارتفاع وعي وهِمَّة الشعب السُّوداني، فقرَّروا إنجاز أخطر وآخر حلقات مُخطَّط تفكيك/تمزيق السُّودان بأنفسهم.

بعبارةٍ أخرى، قَرَّرت أمريكا و(أزلامها)، اللعب على المكشوف، وجَنْيَ (المَكاسب) التي حَقَّقها لهم البشير وعصابته، والتي ما كانوا سيبلوغنها حتَّى لو غَزوا السُّودان بأنفسهم. وأوَّل تَدَخُّلات أمريكا (المكشوفة) وسعيها المفضوح لاستكمال تفكيك بلادنا، عقب تَعَثُّر المُتأسلمين في ذلك، هو مُبادرتها (المُفاجئة) بالحديث عن رفع عقوباتها الاقتصاديَّة، والتي تَزَامَنَت مع نجاح تجربة عصيان نوفمبر، حيث أدركت أمريكا و(أزلامها) عزم وقدرة السُّودانيين على اقتلاع البشير، فعمل الأمريكيُّون على تشتيت الجهد الشعبي بالحديث عن رفع العقوبات، ساعدهم في ذلك بعض الكيانات/النُخَب (الدُمي) الدَّاخليَّة، والدول الأربع المذكورة أعلاه بنحوٍ خاص، ثُمَّ وَاصَلَ الجميع أدوارهم المشبوهة وضرباتهم المُتلاحقة، وغالبيتنا غافلون بفعل (ذَاكرتنا الخَرِبَة)، وبالأزمات الحياتيَّة المصنوعة باحترافيَّة! وسنشهد في مُقبل الأيَّام، درامات جديدة بدأت نُذُرُها الآن، كتمثيليَّة (تحرير) القُوَّة المصريَّة بليبيا، ووجود الـ500 جندي روسي بأم دافوق، وتَصَاعُد التجاوُزات بدارفور، وما يدور من جدل عن (تَأزُّم) العلاقات مع إريتريا ورُبَّما إثيوبيا، وانفجارات بورتسودان وبيعُ (الرِّمالِ) السُّودانيَّة، وإعلان المصريّين عن بناء سد بالجنوب، بجانب سد القاش المُشار إليه أعلاه وغيرها من الألغام، وهي في مُجملها (مَدَاخِلٌ) وخُطواتٌ للنَيْلِ من بلادنا وتفكيك ما تَبَقَّى منها.

ليتنا نتعلَّم من أخطائنا ونفيق من غفواتنا، فالطَّامعون يتأهَّبون لابتلاعنا وبعضنا يصفهم بالأشقَّاء، ويُجادِل ويُقاتل دفاعاً عنهم. وليتنا نترك (تمجيد) إثيوبيا ومسئوليها، ونَتَدَبَّر في مُمانعتهم/تَلَكُّئهم في ترسيم حدودها معنا، وأسباب بقاؤُهم في بني شنقول وتَوَغُّلاتهم المُتواصلة في أراضينا، والتفكير بروِيَّة في ما يُسمَّى سد القاش، ومُبرِّرات (حَصْرْ) الاحتلال المصري على حلايب، وإغفال الأراضي النوبيَّة وشمال دارفور، والتأمُّل في مُمارسات السعوديَّة والإمارات، وانعكاساتها الكارثيَّة على سيادتنا الوطنيَّة واستقلالنا. وأتمنَّى لو استجاب القانونيين السُّودانيين لدَعَوَتي السابقة/المُتجدِّدة، بإعداد وتقديم مُذكِّرات قانونيَّة (رصينة) للأُمَم المُتَّحدة وغيرها من المُنظَّمات، لإدانة الاحتلالين المصري والإثيوبي وتثبيت حقوق السُّودان، أُسوةً بالتنظيمات/الكيانات المصريَّة والإثيوبيَّة، الذين رفعوا مُذكِّراتهم رغم أن بلادهم (مُعْتَدِيَة) وبلادنا (ضحيَّة)، مع استرجاع تصريحات غندور، حول (توجيهات) الاتحاد الأفريقي بـ(إنهاء) ترسيم الحدود بين بُلدان القارَّة قبل نهاية عام 2016، بما يدفعنا للتعجيل بمثل هذه  الخطوات.

ليتنا كسُّودانيين نستشعر أنَّ الأخطار المُحيقة بنا، ستَطَالُ جميع مناطق السُّودان دون استثناء، فمَطامع وقَسوة المُغامرين بالدَّاخل والخارج غير محدودة، ولا سبيل إلا باتِّحادنا جميعاً، والعمل (سَوِيَّةً) وبجديَّة لاقتلاع البشير (الدُمْيَة) وعصابته من الجذور، وحَسْم حُلفائه ودَاعميه من بقيَّة (الدُمي) الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وإنهاء هذه المسرحيَّة المُرعبة، حتَّى لا نجد أنفسنا دون وطن يحتوينا ونتجادل بشأنه!