التغيير : قرشي عوض

امتلأت معظم شوارع وأحياء ولاية الخرطوم ومدن اخرى بمياه الامطار خلال الايام القليلة الماضية. ولازالت بلا تصريف مما عطل حركة السير ، وقاد الى سقوط بعض المنازل وانتشار البعوض. في مشهد ظل يتكرر سنوياً بسبب عدم الاستعداد للخريف من قبل المحليات.

وفي جولة قامت بها “التغيير الالكترونية” جنوب الخرطوم اتضح ان كل المصارف فارغة بينما الشوارع والميادين العامة مليئة بالمياه، والتي بقيت على حالها حتى الان. وفي مناطق شرق النيل، قطعت المياه الطرق وأعاقت المواصلات. كما ان هناك احياء ظلت تغرق بالكامل لا نها قامت  في وديان.

وارجع مهندس مدني المشكلة الى  عدم التجهيز للخريف وانشاء مصارف جديدة وصيانة القديمة لغياب التخطيط السليم. لان  مهمة  المحليات  انحصرت في جبايات.

كما ان إنشاء الطرق تنفذه  شركات غير مؤهلة، ويخضع التوظيف فيها للمحسوبية، وان بعض النافذين يكونون جزء منها او مالكين لها .لذلك ترسى عليها المشاريع بعطاءات او بدونها،   وان من يقفون على العمل  ليس لهم علاقة به، ويختارون عن طريق الولاء السياسي،  وغالباً ما تجد مدير ادارة عامة لا يفهم شيئاً عن ما يقع تحت تصرفه.

هذه الطريقة تخالف ما كان سائداً في الماضي،  وبحسب بشرى الانصاري،  وهو ضابط اداري سابق عمل في عدة بلديات ، انه كان يتم  تكوين لجنة تسمى لجنة الخريف وكيفية تصريف مياه الامطار، يوضع تحت تصرفها مال الخدمات المخصص للكوارث من وزارة المالية. وتقوم بفتح المصارف التي يتجه بعضها الى النيل او الكنارات،  وفي غرب السودان تصرف الى الفولة. ثم تأتي لجنة اخرى للمتابعة من وزارة المالية، وتقوم بالطواف على كل المحافظات، وان المحافظ يكون هو الرابط بين المركز والاطراف.

لكن  منذ عام 1993 تم تقسيم الاقاليم الى ولايات ومحليات ووحدات ادارية بجهاز اداري متضخم من وزراء ومعتمدين ومدراء تنفيذين  وضباط اداريين ومتحصلين.

واختفي الدور القديم  للبلديات والذي يتمثل بحسب د/ عيسى محمد عبد اللطيف الرئيس الاسبق للجمعية السودانية لحماية البيئة والمستشار الحالي لجائزة زايد بن سلطان للبيئة،  في توفير المياه،  ادارة النفايات،  الصرف الصحي،  رقابة الاغذية وتنظيم الموارد المحلية. ويضيف بان المحليات الحالية ليس لها مصادر دخل، في الوقت الذي تعمل فيه على تجفيف مواردها، وللمرة الاولى في تاريخ السودان  تدخل الاراضي وبيعها في ميزانية الدولة. كما ان تلك الوحدات في الماضي يراسها موظف مهمته تقديم الخدمات وهو الضابط الاداري،  في حين على قمة الجسم الحالي معتمد، و هو سياسي، او واعظ، حدد على الحاج حينما كان رئيساً  لديوان الحكم الاتحادي مهمته في حفظ الامن والدعوة.  و بحكم منصبه هو رئيس لجنة الامن في المحلية ورئيس الحزب الحاكم.

هذا الى جانب ان فتح المجاري وشفط المياه تحول الى استثمار تنشط فيه بعض الجهات، وبعضها يستغل اليات المحلية.

لكن في الشوارع التي تقع على حافتها الفنادق الكبيرة مثل شارع افريقيا، الذي يطل عليه فندق السلام روتانا ومول عفراء، فان الحكومة تقوم بشفط المياه وسحبها بالطلمبات، اما في الاحياء السكنية فانها تترك على حالها او يتكفل بها الاهالي.

لذلك غرقت الخرطوم وبعض المدن   نتيجة انتهاج سياسة لا تقوم على تقديم الخدمات اصلاً،  وتهتم بتامين النظام والدعوة لبرنامجه السياسي، الى جانب التحكم في عطاءات المرافق،  واقتران الاستثمار بالمنصب الدستوري وغياب التخطيط، لعدم وجود الخرط الكنتورية، وان كثيرا من المدن لم تقوم وفق خطة اسكانية،   وليس لان الخريف قد كان فوق المتوقع.